كامل الشيرازي من الجزائر: زكّى نواب مجلس الشعب الجزائري قانونا جديد لحماية المستهلك، وجاء وضع هذا القانون على المحك، لتفادي حالات الاحتكار التي قد يستغلها المتعاملون الاقتصاديون للاضرار بالمستهلكين، من خلال منح دور أكبر لـquot;مجلس المنافسةquot; كي يتكفل بمهمة ضبط السوق ويحسّن شروط تنظيم وتسيير شبكات التوزيع على مستوى السوق المحلية، بعدما سقط الوضع الاستهلاكي في البلاد في كارثية مزمنة جرّاء الفوضى العارمة التي بقيت تلقي بظلالها على الأسواق المحلية ككل، جراء ندرة القمح اللين بجانب انخفاض مخزون الجزائر من البقول الجافة والحليب والسكر، ما أدى إلى صعود خرافي في أسعار المواد الغذائية في الجزائر إلى أعلى مستوياتها خلال الأربعة عشر شهرا المنقضية، بنسبة زادت عن 8.6 في المئة، بينما تجاوزت نسبة الزيادة في المواد الغذائية الصناعية 13 في المئة..

وتضمنت وثيقة القانون ،حصلت quot;إيلافquot; على نسخة منها، على جملة من التعديلات على وضع مجلس المنافسة الذي يخضع حاليا لسلطة رئاسة الحكومة تحت سلطة وزير التجارة مع تكليفه بمهمة ضبط السوق وتوسيع صلاحياته لتشمل على وجه الخصوص الصفقات العمومية، وحدّدت هذه التعديلات نسبة 45 في المئة من حصص السوق كعتبة للوضعيات المهيمنة الناتجة عن التجميعات الاقتصادية بدلا من نسبة 40 في المئة المعمول بها حاليا، كما احتوى القانون على إجراءات مالية ردعية ضدّ المخالفين للتدابير الخاصة بقواعد تداول الأغذية بداية من الإنتاج إلى الاستيراد والمعالجة، فضلا عن مراعاة شروط الحفظ والتخزين والتوزيع والنقل والتحضير، وما ينجم عن الغش التجاري الذي تربو قيمته عن الملياري دولار في الجزائر.

وصرّح وزير التجارة الجزائري quot;الهاشمي جعبوبquot;، أنّ القانون المعدل والمتمم للأمر المتعلق بالمنافسة الذي صادق عليه مجلس الشعب يهدف إلى حماية المستهلك والمحافظة على القدرة الشرائية للمواطنين، من خلال وضع حد للاختلالات التي طغت على الأسواق المحلية، وتأطير قواعد المنافسة الشريفة دون تمييز أو مفاضلة بين التجار وسائر المتعاملين، وألّح المسؤول ذاته في مداخلة أمام النواب، على أثر استقلالية المجلس المركزي للمنافسة في تنظيم السوق، وقمع الممارسات غير المشروعة على غرار السمسرة التي تسببت في مضاعفة أسعار مواد أستهلاكية أساسية بثلاث إلى خمس مرات عن سعرها الحقيقي.

وفيما يرى مسؤولون حكوميون أنّ الاجراء المستحدث سيدخل الطمأنينة إلى قلوب المستهلكين المحليين الذين أرهقهم استمرار مسلسل الارتفاع الفاحش في أسعار المواد الأكثر استهلاكا، والزيادات المهولة التي طالت أسعار البطاطا والزيت والدقيق والطماطم المصبرة والبقول الجافة، بالمقابل، ينظر الكثير بتفاؤل حذر إلى القانون الجديد، تبعا لمحدودية ما ترتب عن تجارب سابقة، بينما يتساءل مراقبون عما إذا كان القانون المذكور سينجح في وضع حد لظواهر المضاربة والسمسرة، على نحو ينهي مختلف الأزمات المعيشية المتلاحقة، والزيادات الجنونية في أسعار المواد الأكثر استهلاكا من الخبز إلى الزيت وتوابعهما.


من جانبهم، يشدد خبراء على ضورة عدم اكتفاء الاجراء الحكومي بالجانب الشكلاني، بل عليه التعاطي بحزم مع مع قضية جودة السلع الاستهلاكية ومنطقية أسعارها ومساعدة المستهلكين على اختيار ما يناسبهم، بجانب تمكينهم من حقهم في التغذية وسائر الخدمات اللازمة، وكنقطة استدلالية، يعاني 85 في المئة من الجزائريين من سوء التغذية نتيجة تدهور قدرتهم الشرائية بنسبة تفوق 55في المئة خلال الـ20 سنة الفارطة، بينهم حوالي مليوني طفل جزائري يفتقرون لأبسط أنواع التغذية الضرورية لسنهم، مثل الخبز والحليب والجبن.
ويعترف 72في المئة من الجزائريين بعجزهم عن مواكبة موجة الغلاء الفاحش، واعتراف 77في المئة بأنهم لم يشتروا اللحم أو الفاكهة منذ سنوات (..)، في صورة تعكس ضحالة الوضع المزري للمستهلكين، بفعل استشراء ظواهر المضاربة والتحايل والاحتكار والانتهازية والسلع المقلّدة، وما ولدته من ارتفاعات متلاحقة للأسعار، بينما بقيت السلطات لسنوات تتفادى الاعتراف الفعلي بحقوق المستهلكين وإصدار القوانين والتشريعات التي توفر لهم الحماية.


وطالبت جمعيات المستهلكين قبل شهر، بضرورة إعادة تنظيم قطاع الاستهلاك من خلال مراعاة حقوق المستهلكين، وإدماج الجمعيات كشركاء في حوار عام يتجاوز المأزق الراهن، طالما أنّ إستمرار الجهات المختصة في إغفال أهمية الجانب الاستهلاكي ستكون له آثار وخيمة اقتصاديا، بحكم أنّ 4.5 مليون عامل في البلاد لن يقوموا ببذل الجهود المطلوبة إذا لم يستفيدوا من مناخ استهلاكي في مستوى ما يتطلعون إليه.
يٌشار إلى أنّ الحكومة الجزائرية، رصدت قبل أيام غلافا ماليا بقيمة 160 مليار دينار جزائري ( بحدود 2.5 مليار دولار) لدعم أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، لمواجهة الضغط العالمي على المواد الاستهلاكية الأساسية بينها الحليب والقمح بنوعيه (اللين والصلب)، بحكم تبعية الجزائر شبه المطلقة لاستيراد كثير من المنتجات الغذائية.


وشهدت مختلف أسواق الجزائر، لهيبا لافتا خلال الفترة الماضية، إذ تسلق القمح أعلى السلم، وأصبح مستحيلا اقتناؤه بأقل من خمسمائة دولار بعدما كان لا يتجاوز مئتي دولار للطن، تمامًا مثل القمح اللين الذي قفز من 130 إلى 450 دولارًا للطن، والزيت الذي تضاعف من 700 إلى 1450 دولارًا، وعلى المنوال نفسه كانت الحال بالنسبة إلى مسحوق الحليب الذي أصبح سعر الطن الواحد منه بأربعة آلاف دولار، علمًا أنّه كان ثمنه 2000 دولار.


وأصبحت مادة أساسية بالنسبة إلى الجزائريين مثل البطاطا، مسببة لصداع الرأس إثر غلائها المفرط، إذ لا يمكن للزبون اقتناء كيلوغرام بأقلّ من ستين دينارا، وفي بعض الأسواق (الموازية) يكون الأمر أرحم ndash;بمعيار ما- حيث تُعرض البطاطا هناك بـ50 إلى 55 دينارا (..)، علما أنّ هذه المادة التي لا تستغني عنها موائد الجزائريين، كانت إلى وقت قريب تُباع بـ20 إلى 25 دينارا فقط للكيلوغرام، رغم حديث الحكومة عن تسقيف الأسعار.