قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بات التفكيك الجمركي الذي أقرته الجزائر لصالح السلع الأوروبية التي تدخل أراضيها، ينذر بانعكاسات خطرة بعدما كبّد البلاد خسائر كبيرة فاقت الملياري دولار سنويا منذ العام 2005، ويتعلق الأمر بتبعات اتفاق الشراكة الجزائرية الأوروبية الذي أقرّ إلغاء الحقوق الجمركية لواردات الجزائر مع الاتحاد الأوروبي .وفي تصريحات خاصة بـquot;إيلافquot;، يعدّد خبراء جملة من التحفظات بشأن إجراء كهذا يدخل عامها السادس، ويطالبون بمراجعته بشكل عاجل طالما أنّ فخاخ الشراكة ستغدو انعكاساتها أخطر إذا ما استمر الأمر على منواله.


الجزائر: يؤكد د.إبراهيم قاسم، ومبارك مالك سراي وهوارية بوسماحة أنّ الجزائر لم تحسن حماية مصالحها إثر إبرامها اتفاق الشراكة بشكل متسرع في الفاتح أيلول/سبتمبر 2005، ويستدل الثلاثة بكون مبدأ التفكيك الجمركي المثير للجدل، خدم مصالح الشركات الأوروبية التي جنت أرباحا كبرى خلال الست سنوات المنقضية، ما جعل الميزان التجاري مختلا بين الجانبين.

ولعلّ اللاتوازن الحاصل هو الذي دفع بوزير التجارة الجزائري quot;مصطفى بن بادةquot; للكشف عن طلب الجزائر مراجعة وتيرة تفكيك الأحكام التعريفية والجمركية المتعلقة باتفاق الشراكة الأوروبية، حيث تريد الجزائر تأجيل الآجال النهائية إلى التفكيك الكلي للحواجز إلى سنة 2020 بدلا من سنة 2017 مثلما جرى الاتفاق عليه سابقا. ويسجل قاسم أنّ الجزائر التي تستورد غالبية حاجياتها من المنتجات الصناعية والغذائية، دفعت الثمن ضعفين بسبب إعفاء المصدرين الأوروبيين من دفع أي رسوم، حيث جرى ذلك تحت غطاء quot;الاستثمارات الأجنبية المزعومةquot;، هذه الأخيرة لم تتجسد مطلقا في الجزائر، واتخذها الطرف الأوروبي مظلة خدمت مصالحه فحسب، مستغلا الرغبة الجزائرية في كسر عزلتها وتطوير اقتصادها بعد كل الذي دمّرته عشرية العنف الدموي.

وتشير quot;هوارية بوسماحةquot; إلى أنّ ما يقع حاليا سببه تفاوض غير متكافئ ولا متوازن ما حال دون ضمان مصالح الجانبين بالتساوي، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن أداء ممثلي الجزائر في اجتماعات ماراثونية استمرت ثلاث سنوات (بين 2002 و2005) ولم تنتج سوى نتائج هزيلة ومخيبة للجزائريين. وترى بوسماحة أنّ خسائر التفكيك الجمركي امتدت لتشمل عدة قطاعات، بسبب ما تراه تركيزا أوروبيا على الجانب التجاري وتجاهلهم الحقائق الاقتصادية والاجتماعية للجزائر، ما شرّع الباب أمام استنزاف 2.2 مليار دولار كل عام، وتثمّن بوسماحة فرض بلادها منذ العام المنقضي، رسوما جمركية مست 1741 منتوجا أجنبيا، في خطوة تصحيحية ينبغي تدعيمها بتعديل بنود الشراكة الأوروبية في شقها المتعلق بالتفكيك الجمركي.

من جهته، يصف quot;مبارك مالك سرايquot; اتفاق الشراكة بـquot;الفخquot; الذي جرى من خلاله فرض إملاءات بعيدا عن روح الشراكة الاستراتيجية التي يتطلبها الموقف، والنتيجة هي تحوّل الجزائر إلى سوق استهلاكية فحسب، وبقدر ما كسب معها الأوروبيون أرباحا ضخمة، فهي تنذر في حال استمرارها بهذا النمط بحجم خسائر يزيد عن السبعة مليارات دولار سنويا.

وإذ يحمّل سراي الذي يدير مكتبا دوليا للاستشارات، المسؤولية إلى ما يسميها quot;سياسات حكومية ترقيعيةquot; غيّبت بحسبه الاتصال والتشاور مع الفاعلين، فإنّه يقترح استغلال الاجتماعات المقبلة لدفع الاتحاد الأوروبي إلى شراكة فعلية تقوم على استثمارات مباشرة وإعادة تأهيل المؤسسات الجزائرية وربط شراكات بينها وبين نظيراتها الأوروبية.

بدوره، يعتبر quot;عبد العزيز زياريquot; رئيس البرلمان الجزائري أنّ المقاربة التجارية لاتفاق الشراكة لم تسفر عن مسار تنموي حقيقي كفيل برفع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لذا صار ضروريا إضفاء بعد استراتيجي طويل المدى عبر مراجعة تنتصر لشراكة جديدة بطموح أوسع يُبنى مستقبلها على علاقة متساوية من الأساس.

مجلس الشراكة في حزيران: منعرج لإيجاد بدائل

يرى مراقبون في مجلس الشراكة الجزائرية الأوروبية المبرمج في حزيران/يونيو القادم، منعرجا حاسما لإيجاد بدائل تسمح للجزائر بعدم السقوط مجددا في الفخاخ التي برزت جلية خلال الست سنوات الأخيرة، وتقويم مسار الشراكة، ولاسيما أنّ ثلاثة آلاف شركة جزائرية ناشطة تعدّ حاليا quot;الأضعف متوسطياquot;.

واستنادا إلى عموم الخبراء، فإنّه يتوجب مراجعة وتحيين بعض أحكام اتفاق الشراكة، وتمكين الجزائر من الاستفادة منه بشكل أكبر، عن طريق إيقاف إعفاء السلع الأوروبية من الجمركة، مع إلزام الطرف الثاني بضمان التنافسية وتأهيل المؤسسات والحفاظ على مناصب الشغل. وينادي مختصون بتفعيل البند المتعلق بتصحيح الوضعيات السلبية الناجمة عن تطبيق الاتفاقية، كتغليب الجانب الأوروبي الجانب التجاري على الاستثمار المباشر الذي نصّت عليه الشراكة الجزائرية الأوروبية.

ويتفق سراي مع بوسماحة في حتمية تركيز الجانب الجزائري في موعد حزيران على المراجعة الجذرية لكافة المواد التي لا تخدم مصالح البلد، وذاك يتطلب برأي قاسم، إقحام كافة المتعاملين والخبراء الاقتصاديين المحليين في جولة نقاش موسّع يستبق مجلس الشراكة، على نحو يزيل الاختلالات الحاصلة ويمنع استنساخ الأخطاء خصوصا مع تطلع الجزائر إلى دخول منطقة التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي في آفاق 2017.

وتخص مراجعات اتفاق الشراكة، المنتجات الجزائرية الموجهة للتصدير نحو الاتحاد الأوروبي والمعفاة من الرسوم الجمركية، طالما أنّ المعايير المفروضة على هذه المنتجات ليست في متناول المصدرّين الجزائريين، وهو ما ينطبق على عديد المنتجات الزراعية والصيد البحري التي تريد الجزائر إعادة التفاوض حول حصص هذين القطاعين، بغرض تسهيل تموقعها في السوق الأوروبية على المديين القريب والمتوسط.

ويشدد د.قاسم على أنّ الجزائر مدعوة لاستعمال كل الأوراق التي تملكها حاليا من أجل التفاوض من جديد مع الاتحاد الأوروبي على اتفاقيات التبادل الاقتصادي والتجاري، علما أنّ المحافظ الأوروبي للتجارة quot;بيتر ماندلسونquot; اعترف قبل فترة، بأنّ اتفاق الشراكة الجزائرية الأوروبية quot;لم يكن جيداquot; بالنسبة للجزائر، ما جعل دول الاتحاد الأوروبي المستفيدة الأكبر منه.ويتقاطع مختصون في كون إقدام الجزائر على مراجعة اتفاق الشراكة سيتوج مسارا جرى افتتاحه في تموز/يوليو 2008، وتدعّم أكثر بالموازنة التصحيحية في صيف 2009، من خلال مجموعة قرارات سيادية كقاعدة 51/49 التي استبعدت شبح الهيمنة الأجنبية على رساميل المؤسسات المحلية.

وأكدت quot;لورا بايزاquot; سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى الجزائر، أنّ المفاوضات التي تجريها الجزائر والاتحاد الأوروبي حول إعادة جدولة التفكيك التعريفي بلغت منتصف مسارها، موضحة :quot;كل طرف عبر عن مواقفه، ونفكّر في كيفية المضي قدما على أهبة مجلس الشراكة الوشيكquot;. وترى مراجع جزائرية ، أنّ الوقت بات مناسبا لإعادة النظر في اتفاقيات التعاون التي تربط الجزائر بالاتحاد الأوروبي بطرح جديد يضمن للجزائر حماية نسيجها الاقتصادي ولا سيما أنّ عملة اليورو تعرف حالة من الركود وعدم الاستقرار قد يستمران لفترة طويلة.