أثارت استقالة وزير المالية التونسي حسين الديماسي التي تلت قرار الحكومة القاضي بإقالة محافظ البنك المركز ردود فعل متفاوتة الحدة وشكوكا محيرة حول وضعية البلاد الاقتصادية وسياستها النقدية التي وضعت في الميزان.



تونس: في تقرير أصدره مجلس إدارة البنك المركزي التونسي في اجتماعه المنعقد بتاريخ 31 جويلية 2012 سجل تزايد حاجيات البنوك إلى السيولة مما أدى إلى تكثيف تدخل البنك المركزي في السوق النقدية بضخ مبلغ هام في حدود معدل يومي قدره 4.788 مليون دينار خلال شهر جوان الماضي. وتراجع معدل نسبة الفائدة اليومية في هذه السوق خلال نفس الشهر إلى 3,64٪ مقابل 3,74٪ في شهر ماي.

مرحلة صعبة

حول وضعية الاقتصاد التونسي أفادنا الدكتور معز الجود خبير مالي واقتصادي ورئيس جمعية الحوكمة أن الاقتصاد الوطني التونسي يمر بمرحلة صعبة وحساسة تتطلب جهودا كثيفة لتفادي حالة الركود وتفاقم العجز، و لا بد من اخذ حزمة من القرارات العاجلة والجريئة لتفادي هذا الركود. ومنها تفعيل آليات الصرف والتصرف بأكثر حنكة في سوق الصرف وذلك بتطوير المنظومة الوطنية ووجوب ومواكبتها إلى التطورات التكنولوجية والمعرفية في هذا النطاق. فإلى جانب انخفاض مستوى النمو، خاصة باعتماد المقارنات السنوية (وليس الانزلاق السنوي)، وفي انتظار رجوع فعلي وإيجابي في نسق الإنتاج، يجب الإشارة إلى نسبة التضخم المالي والتي بلغت 5,6% في موفى شهر جوان 2012 والإشارة كذلك إلى عجز الميزان التجاري والذي فاق 5 مليار دينار وأصبح يمثل خطرا على التوازنات الحياتية لتونس.

وقال إن هذا العجز التجاري زاد في حدته تعطيل التصدير من جهة وتفاقم التوريد من جهة أخرى، والذي ينجر عنه حتما إنعكاسات سلبية إذا أخذنا بعين الاعتبار ارتفاع قيمة العملات الأجنبية وخاصة منها اليورو.

وقال إن ارتفاع اليورو مقارنة بالدينار التونسي، سيزيد حتما في تكاليف الواردات التونسية وسينعكس سلبيا على مستوى أسعار البيع بما أنه سيتسبب في ما يعبر عنه بالتضخم المستورد (inflation importeacute;e) وفقدان الدينار التونسي لقيمته من شأنه أن يؤثر سلبيا في القدرة على المنافسة وفي مناعة اقتصادنا الوطني بحيث أن مؤسستنا، خاصة منها الصغرى والمتوسطة، سوف تعاني من إرتفاع مشط في تكاليف إنتاجها وسينعكس ذلك سلبيا على موازنتها ومرد وديتها.

تداعيات الانكماش

أشار الدكتور جودي إلى أن البنك المركزي أكد تواصل تداعيات الانكماش الاقتصادي في عدد من البلدان الأوروبية الشريكة على إنتاج وصادرات الصناعات المعملية خاصة النسيج والجلود والأحذية والصناعات الميكانيكية والكهربائية، إلى جانب انخفاض صادرات قطاع المناجم و الفسفاط ومشتقاته بداية من شهر ماي الماضي.

وفي مستوى أوسع، أضاف محدثنا أن إنخفاض الدينار التونسي سيؤثر في ميزانية الدولة، خاصة في مستوى النفقات التي ستتأثر بدورها بارتفاع كلفة المحروقات وبالمواد الأولية المستوردة والتي تدخل في المنظومة الإنتاجية. وفي الإجمال، فإن التأثير الكبير سيكون على مستوى المردودية وهوامش الربح التي ستضمحل مخلفة بالتالي نقص في الموارد ونقص في التمويلات والتي من شأنها أن تعطل عجلة الاستثمار.

ومن جهة أخرى، يجب التحكم في الميزان التجاري التونسي وذلك بالضغط على الواردات والرفع في نسق الإنتاج والصادرات.هذا مع الحرص على تنشيط أقوى للقطاع السياحي والذي يدر علينا عملة صعبة يمكن أن تزيد في احتياطاتنا وتأثر إيجابيا في توازناتنا.

في الختام حديثه قال الدكتور جودي إن الإشكال الحالي والعميق الذي يعاني منه الاقتصاد التونسي هو إنعدام الرؤيا والثقة وحالة التذبذب في أخذ القرارات وقلة الكفاءة في التسيير، وفقدان ثقافة وآليات الحوكمة وإنعدام إستراتيجية واضحة وفعالة للنهوض بالإقتصاد الوطني.

اشار محدثنا إلى أهمية الإستقرار السياسي ونجاح عملية الإنتقال الديمقراطي والتي ستكون لها تأثير إيجابي في تسيير دواليب الإقتصاد الوطني لأنه بدون تطور إقتصادي وبدون المحافظة على التوازنات العامة وعلى الحصانة ومناعة عملتنا الوطنية، سوف تتعطل عملية الإنتقال الديمقراطي في تونس.