يبدو ان صناعة المنفي هي صناعة ثقيلة حقا !! وان الراحلين في فضاءاته هم اشبه بالراحلين خارج نظام الجاذبية، يفقدون الكثير من اسرار طريق الحرير الموصل الى الجنة او الموت توحدا، حيث العالم يركض نحو كنوزه العائلية.... وحدنا نحن نمارس الحزن والنسان والموت بطريقة رمادية جدا، او ربما الانكسار اما نوبات الخراب التي ترمي على جلودنا الغبار ولزوجة المدن الغافية دوننا !!، ، لم نمارس التذكر خارج اصابعنا او أن نتفقد بعضنا البعض، لان العالم واسع جدا وغريب جدا لكنه ضيق بنا !!!
عبد الستار ناصر القاص والروائي والوسيم والغاوي و( الولد ) كما سماه البعض، ملقى على قارعة احزانه مصاب او مكسور أو عند اسرّة العناية المركزة كما قال الصديق الشاعر عبد الرزاق الربيعي ..لم يعلم احد ماذا جرى له في (سوق المنفى) اذ الضجيج والمدن واللصوص والسيارات العجولة والحكومات التي تحافظ على نوعها هو السائد، واذ الصداقات هي بضاعة للتداول في المقاهي !!!
عبد الستار ناصر صامت منذ زمن ليس قريبا !! لم اقرأ عموده الاسبوعي في جريدة الزمان يوم السبت، تصورته خلافا او موقفا، وما اكثره في اوساطنا الثقافية، لكن اصبت بالالم حين تناهت الاخبار ان احدى السيارات العجولة قد اخذت جسده الهش المأكول من فرط الاحلام وحرائق مرض السكر، وكأن صاحب السيارة اراد ان يكرر اللعبة التي ذهب بها البنيوي الشهير رولان بارت، لكن الفرق ان حدث بارت اقام الدنيا ولم يقعدها، بينما كان حادث دهس عبد الستار ناصر عابرا كأي الاشياء العابرة في حياتنا...
ان الاعلام العربي لايستحي حقا !!! وربما كان الاعلام الثقافي اكثر ايغالا في ذلك، فباستثناء ما نشرته مجلة الصدى الاماراتية لم يذكر احد شيئا ولم يعلّق احدّ من ادباء الامة القومية على حادث المّ بأحد ابرز كتّاب القصة والروايةالعربيةالمعاصرة.

وهذا بلا شك مدعاة لاثارة الكثير من الاسئلة حول حقيقة وجدية ما يمكن ان نسمية بعضوية الثقافة العربية ازاء مصائبنا الشخصية والقومية، فما زال البعض من ادباء الامة القومية يمارسون نسيانهم للحال العراقي وسوء قراءتهم للمشهد العراقي او بالاحرى سوء توظيفهم لتقنيات الوعي في هذا القراءة مقابل نكوصاتهم الطائفية والعنصرية البالية، فكيف لهم ان يتذكروا اديبا عراقيا مبدعا اخذت سنواته الغربة والاحزان والمدن التي لاتمنحه الاطمئنان !! الادباء العرب رسميون جدا وحكوميون جدا واستعراصيون جدا، ، اصيبوا بالعطالة وعلة الخوف من الآخر، فمارسوا نزعة (الاستئساد ) كم يسميها العفيف الاخضر على بعضهم البعض.
نعم كيف لهم ان يتذكروا ويطالبوا باجراءات تدخل في صلب عملهم المهني والاخلاقي، او ربما يؤشروا جحم ما تتعرض لها الحياة الثقافية في العراق ازاء استمرار نزيف الدم والاحتلال والارهاب وصناعة المنافي، وهم القوميون حدّ النخاع والحريصون على عروبة العراق من الامركة والعجمة... ان ادباء الداخل العراقي الماسك للجمر على استعداد لتحمل كل المسؤليات الاخلافية والمهنية التي تقتضيها الحالة الصحية لاديبنا المبدع عبد الستار ناصر، الذي مارس احلامه البيض طوال سنوات في يوميات الزمن العراقي العالق على( حائط البنادق)
الف محبة لك يا ابا عمر والف سلامة لروحك النيلة العاشقة ولاصابعك التي تمسك اصابع النجوم عند كل ليل فيروزي.... والف بغض لكل السيارات التي تحاول ان تختصر المسافات على اجسادنا ... دم لاحلامك، وعد الى بياض الفتوة، ويقظة الكلام....