قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الجدل الدائر منذ شهور بشكل صاخب حول التعديلات المقترحة على الدستور المصري، يشير إلى الخلل والتناقض في العديد من بنود هذا الدستور بدليل أن الرئيس حسني مبارك اقترح في خطابه يوم السادس والعشرين من ديسمبر الماضي تعديل 34 مادة من هذا الدستور، ومجرد هذا الرقم يوضح حجم الخلل والتمييز رغم أن الرئيس تناسى أو قفز عن مواد بعينها ليس من مصلحته ومن يخلفه أن تطرح للتعديل كما سنوضح لاحقا. من بين المواد التي لم يتطرق إليها الرئيس المادة الثانية من دستور 1971 الذي تم إقراره في زمن الرئيس السادات وبدعم منه، وهي المادة التي تنصّ على أن (الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادىء الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع). و من المعروف أن أية تغييرات أو تعديلات على الدستور في أية دولة تهدف إلى تطويره لمجاراة المستجدات الدولية خاصة في ميدان حقوق الإنسان والمساواة بين كافة المواطنين وفتح أفاق واسعة للحرية الفردية طالما هي لا تخل بحرية الآخرين، إلا أن المؤسف أن بعض المواد في الدستور المصري قد تطورت في التعديلات إلى الأسوأ ومنها المادة الثانية، فقد كان دستور عام 1923 أي قبل استيلاء العسكر على السلطة بربع قرن، دستورا علمانيا بمعنى تأسيسه لإنسانية المواطن المصري كمواطن بغض النظر عن دينه، فقد نصت المادة الثالثة من ذلك الدستور على أن (المصريون لدى القانون سواء، وهم متساوون في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية وفيما عليهم من الواجبات والتكاليف العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الأصل أو اللغة أو الدين).
ولم يطرأ تغيير على هذه المادة في دستور 1930، وبعد أربع سنوات من استيلاء العسكر على السلطة، تم في عام 1956 تغيير المادة الثالثة المذكورة لتنص صراحة على (الإسلام دين الدولة واللغة العربية لغتها الرسمية)، في حين أنه في دستور الوحدة بين مصر و سورية عام 1958 في زمن عبد الناصر اختفت هذه المادة، لتعود صريحة في دستور عام 1971 في زمن السادات عقب تسلمه السلطة بعد وفاة عبد الناصر، وكان واضحا من مجمل سياسات السادات أنه يتودد ويتقرب للجماعات الإسلامية التي أعدمته في حادث المنصة الشهير في أكتوبر من عام 1981 ، وبقيت تلك المادة الثانية على حالها لم يقترب منها الرئيس حسني مبارك في تعديلاته المقترحة، رغم احتجاجات واعتراضات أقباط مصر الذين لا يقل عددهم عن إثنى عشر مليونا، وهذا يعني تجاهل الرئيس المصري لاحتجاجات واعتراضات هذه الملايين من شعبه، وهذا التجاهل والإصرار على بقاء هذه المادة في الدستور المصري له دلالات عديدة منها:
أولا: إن أصحاب القرار لا يريدون إصلاحات حقيقية تشمل كافة المواطنين بغض النظر عن الدين، لأنه في كافة الدول الديمقراطية الحقيقية ومنذ أكثر من قرن ونصف لم يعد هناك ذكر للدين في دساتير الدول، إذ لا يمكن اعتبار الدين مقياسا للولاء والإخلاص والمواطنة الحقيقية، وبالتالي يكون وضع مصر مع بقاء هذه المادة شاذا لا يقابل باحترام في الدول الديمقراطية الأوربية والإسلامية منها التي تخلو دساتيرها من هذه المادة .
ثانيا: إن بقاء هذه المادة في الدستور المصري لا يمكن أن يفهم إلا أنه ممارسة عنصرية تعطي الدافع النفسي للجهلة والمتعصبين للمزيد من تعدياتهم على مواطنيهم الأقباط التي تزايدت في الأعوام الأخيرة تحت سمع ونظر أجهزة الأمن اللامبالية خاصة في مسألة خطف الفتيات القبطيات.
ثالثا: إن بقاء هذه المادة يدل على تخبط السلطة الحاكمة، فهي تحاول إدخال تعديلات تمنع قيام أية أحزاب على أساس الدين أو الجنس أو الأصل، ورغم ذلك ترفض إلغاء هذه المادة التي تعطي الخلفية الثقافية الشعبية لنشاط جماعات محظورة كالإخوان المسلمين الذين نبه الرئيس المصري لخطرهم المستقبلي على مصر وعلاقاتها العالمية، والدليل على ذلك أن الكتلة البرلمانية للإخوان اعتبرت في بيان لها أن الهدف من هذه التغييرات المقترحة (هو إقصاء الغالبية العظمى من شعب مصر بمختلف اتجاهاته السياسية عن العمل السياسي) وهم يعتقدون أنهم هم الممثلون الشرعيون الوحيدون لغالبية الشعب المصري، فماذا ستكون ردة فعلهم لو تم إلغاء المادة الثانية؟ وهم الذين يأخذون من الدين غطاءا لكافة تحركاتهم غير القانونية، كما شاهدنا في استعراضاتهم العسكرية في حرم جامعة الأزهر!!!فكيف سيتصرفون في حال تسلمهم أو استيلائهم على السلطة مع وجود المادة الثانية في الدستور المصري، وهناك العديد من الممارسات في السنوات الماضية في الشارع المصري استعملت الدين في التكفير والتحريض على القتل علنا كما في حادث اغتيال الكاتب فرج فودة، والتفريق بين الدكتور نصر حامد أبو زيد وزوجته مما ألجأه لمغادرة مصر إلى هولندا حيث ما يزال. وهذا لا يعني سوى أن هذه الجماعات عبر ممارساتها الحالية لن تكون سوى (طالبان) مصرية في حال وصولها للسلطة، من هنا فإن إلغاء المادة الثانية لن يكون استجابة لمطالب الأقباط المصريين فقط، بقدر ما هو محاولة جادة لتحجيم هذه الجماعات التي تستعمل الدين الإسلامي وكأن قادتها وكلاء لله في الأرض، يكفرون من يشاءون و يعطون شهادات دخول الجنة لمن يريدون.
وبالتالي فإن استمرار بقاء هذه المادة في الدستور المصري لا يمكن فهمها إلا إصرار على استمرار سياسة التفرقة والظلم الواقعة على الملايين من الأقباط المصريين، فما معنى النص على أن الإسلام دين الدولة في دولة فيها ما لا يقل عن إثنى عشر مليونا من المواطنين المسيحيين الأقباط؟ وبالتالي كيف يمكن أن نعتبر أن مصر أما لكل مواطنيها؟. إن عدم اقتراب الرئيس حسني مبارك من هذه المادة ضمن المواد التي اقترح تعديلها، أيضا ليس من فراغ فهناك من رموز السلطة الحاكمة من يرفض مجرد المساس بهذه المادة، فمن يتخيل أن رئيس مجلس الشعب المصري الدكتور أحمد فتحي سرور وهو رجل حقوقي وقانوني يعتبر أن هذه المادة الثانية (فوق الدستور)!!. إذن لماذا الدستور؟ فإذا كانت هذه المادة بالنسبة له فوق الدستور فهناك بعض المواد أيضا لدى آخرين فوق الدستور، كما نتصور المادة 77 عند الرئيس مبارك وخلفه الرئيس جمال مبارك، فعندما لا يقترب الرئيس مبارك من هذه المادة التي تسمح له بالبقاء في السلطة حتى نهاية العمر، فهي عنده فوق الدستور وبالتالي أصبحنا أمام دستور فيه مواد (فوق) ومواد (تحت) والنتيجة ديمقراطية شكلية كاذبة ،تضيع خلالها حقوق المواطن المصري خاصة القبطي، وهذا يعني أن مصر أم الدنيا بدلا من أن تتقدم حبّة إلى الإمام كل عام في ميدان الديمقراطية والحقوق المدنية ، ستبقى (حبّة تحت وحبّة فوق)أي طبقة حاكمة فوق وطبقة الشعب تحت، على ذمة أحمد عدوية وحسب تفسيره للمدلول السياسي لأغنيته المشهورة تلك.
إن إلغاء المادة الثانية بشكل نهائي وليس تعديلها مطلب إنساني وليس قبطي مصري فقط ، فكما كتب الأستاذ عادل جندي في جريدة الأهالي المصرية، العدد 1308 يوم السابع والعشرين من ديسمبر 2006: (لا توجد دولة في العالم اليوم دولة متحضرة ومحترمة واحدة يستند دستورها إلى شريعة دينية أيا كانت... ومصر تمثل حالة شاذة لا مثيل لها: فهي الدولة الوحيدة في العالم ذات أقلية دينية لا يستهان بها، التي تفرض شرائع الأغلبية الدينية على الأقلية).

[email protected]

ملاحظة: أرجو أن لا يعترض أي مشاغب مصري على كتابتي في شؤون مصرية، فأنا أكتب من المنطلق القومي ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة )، وعلينا العمل من أجل أن نعيد الحياة لهذا الشعار، الذي حولته ممارسات الحكام المستبدين و أجهزتها الأمنية وبعض قطاعات من شعوبنا العربية إلى أن أصبح ( أمة عربية فاسدة ذات رسالة كاسدة ).