تتوارد الأنباء و تتواتر مصادرها عن وجود حالة حقيقية من التأهب الأمني في المملكة المغربية تحسبا من إحتمال وقوع هجمات إرهابية قد تضرب أهدافا و مواقع حساسة في المملكة التي تخطو خطوات بعيدة نحو الحداثة و الديمقراطية وإسدال الستار على مآسي و منغصات و ملفات الماضي القريب السوداء!، و الإرهاب في المغرب ليس مجرد وهم أو هو من بنات خيال الأجهزة الأمنية الباحثة دائما عن دور مؤثر في الحياة السياسية و الإجتماعية و إنما هو للأسف قد أضحى حالة معاشة و خطر داهم قد يضرب في أي لحظة و قد يطال أي هدف، خصوصا و أن حالة التحول و البناء الديمقراطي المغربية قد تلازمت بوضوح مع تصاعد مد الجماعات الدينية المتطرفة الرافضة لكل صيغ و أساليب الحداثة و المستندة على تراث ديني و صوفي هائل تعززه سذاجة الإدارة المغربية في التعامل مع تلكم الجماعات عبر مختلف الحقب و المراحل و التطورات السياسية المثيرة التي مرت بها المملكة القائمة أساسا على أساس ديني محض كون العرش يمثل الإطار الجامع للأمة المغربية و الملك بمثابة أمير للمؤمنين أي لكل مكونات المجتمع المغربي من مسلمين أو يهود، عربا أم أمازيغ، وهذا الإطار العام لشكل الحكم قد شكل على الدوام و منذ قرون وصفة شاملة للوحدة الوطنية المغربية و بما منع مخاطر التوترات العرقية أو الدينية أو الطائفية وهي حالة متوارثة عبر العصور وقد ترسخت مع الأيام و خلقت تلك التوليفة المغربية الجميلة و لتعايش سليم و صحي بين مختلف مكونات الشعب المغربي المنصهر في بوتقة الملكية الدستورية رغم العديد من الملاحظات الهامشية التي لا تطال الجوهر بل تمس بعض الأمور الشكلية.

الإرهاب في المغرب كان على الدوام في المراحل السابقة مرتبط بصراع المعارضة ضد السلطة و الذي تفاعل في مرحلة الستينيات و بما يتوافق مع تصاعد صراع جماعات اليسار الثوري ضد الأنظمة المحافظة كما في محاولات القوى السياسية اليسارية إثارة الشارع من خلال الإضرابات و الإنتفاضات المحدودة كما حصل في الدار البيضاء عام 1965 و قبلها في أحداث الريف شمال المغرب أعوام 1958/1959 وهي تحركات واجهتها السلطة يومئذ بالقمع بل و الإفراط في اللجوء للقوة، كما تحركت جماعات اليسار الثوري ضد الحكم كما حصل في حركة ( شيخ العرب ) منتصف الستينيات و أيام كان لليسار صولة و جولة في الشارع المغربي، حتى وصل التوتر لقمته في محاولتي الإنقلاب العسكري الدمويتين ( الصخيرات 1971 ) و ( الطائرة الملكية 1972) وهي محاولات لم تكن بعيدة عن صراعات و مطامع القوى السياسية و التي شكلت صدمة حقيقية للمغاربة الذين كادوا أن ينضمون لنادي الإنقلابات العسكرية التي دمرت العالم العربي كما حدث في العراق و سوريا و ليبيا و غيرها!. كما أكدت من طموحات و مغامرات المؤسسة العسكرية التي تخلت عن مسؤولياتها في الدفاع الوطني لتنغمس في صراعات السياسة و متغيرات الآيديولوجيا وهو الأمر الذي حسمه الملك الراحل ( الحسن الثاني ) بسلسلة من الإجراءات الداخلية، ثم جاءت قضية و ملف الصراع في الصحراء المغربية لتوجه إهتمام المؤسسة العسكرية المغربية نحو قضية الوحدة الترابية لذلك فلم نعد نسمع ومنذ عام 1972 عن أي محاولة إنقلابية جدية و حقيقية، ففي الثمانينيات تغيرت أسس و أشكال الصراع السياسي و إنحسر اليسار بعد صراعاته التاريخية و برزت قوى الإسلام السياسي التي كانت عنصرا مهما في إضعاف اليسار، كالشبيبة الإسلامية التي دخلت في مواجهة عدائية مفتوحة مع الإتحاد الإشتراكي توجت بعمليات إغتيال ( عمر بن جلون ) و بإتهامات متبادلة ولم تكن أيادي بعض أجهزة الأمن و المخابرات بعيدة عن الصورة، فكما لجأت السلطات المصرية أيام الرئيس الراحل السادات للإستعانة بالقوى الدينية لكنس اليسار و الجماعات الناصرية كذلك فعلت بعض الأجهزة في المغرب! و قد تزامن ذلك مع المد الديني الذي صبغ مرحلة الثمانينيات و توج ببروز حركة و جماعة ( العدل و الإحسان ) و قيادة الشيخ عبد السلام ياسين ذو الخلفية الصوفية و الخطاب الديني المسالم ميدانيا ولكن العنيف لفظيا مما أدى لصدام طويل مع السلطة لم يزل قائما حتى اليوم و لو بوتيرة و شكل مختلف عن الماضي!. إذ أن إبنة الشيخ ياسين السيدة ناديا قد أضحت اليوم اللولب الحركي للجماعة التي ما فتأت تدعو لتغيير قواعد النظام السياسي و بطريقة واضحة و جريئة لم تخلو من تهور حينما دعت علنا لإنهاء النظام الملكي!! وهي قضية في منتهى الخطورة إستدعت تدخل السفير الأمريكي في الرباط لوقف محاكمة ناديه ياسين!! في سابقة لم تحصل سابقا مع أي معرض مغربي!؟،

اليوم تسود في الساحة المغربية موجة دينية حقيقية و لا يستطيع أي زائر للمغرب إلا أن يلاحظ بروز الجماعات السلفية بلباسها الأفغاني في كل مناحي الحياة خصوصا و أن الجارة اللدود ( الجزائر ) تعيش حربها الخاصة و البشعة منذ أوائل التسعينيات ضد الجماعات السلفية التي عاودت نشاطها حاليا بعد توقف مرحلي لم يدم طويلا وقد عانى المغرب في التسعينيات من تداعيات أحداث الجزائر وجميعنا يتذكر أحداث فندق ( أطلس أسني ) في مراكش عام 1994! و ما تبعها من مواجهات مع الجماعات السلفية المقاتلة و التي أعلنت أخيرا إرتباطها التنظيمي بالقاعدة! وهو إرتباط معروف لتشابه الأرضية الآيديولوجية لكلا الجماعتين،و الواقع أن قاعدة الجماعات السلفية في المغرب قد شهدت توسعا واسعا بين أوساط الشباب المغربي، إذ أن هنالك موجة تدين واضحة في الشارع المغربي تعززها طبيعة الأزمة الإجتماعية و الإقتصادية و حالة فقدان الأمل لدى العديد من القطاعات الشبابية التي تنتظر حلولا سريعة لمشاكل مستعصية بعضها يعود لبداية مرحلة الإستقلال في عام 1956، و هي مشاكل قد تراكمت في ظل مراحل الصراع السياسي السابقة، وفي المغرب هنالك جيل متغرب متفرنس متفرنج بالكامل، كما أن هنالك جيل سلفي رجعي متشدد و ماضوي بات يمارس العنف متخليا عن الحالة الصوفية، وهنالك مساحات فراغ هائلة بين الجيلين لم تستطع مؤسسات السلطة الثقافية و التربوية و حتى الدينية سدها بالطريقة المناسبة وبقيت مساحات الفراغ الواسعة بابا مفتوحة من أبواب تزايد الحالة السلفية التي هي مرحلة أولى من مراحل التطرف التكفيري و الفكر الجهادي الذي إنتشر بين أوساط الشباب المغربي إنتشار النار في الهشيم، فحتى في أوروبا كان لذلك الفكر إنتشاره الهائل بين الأوساط الشبابية المغاربية، تصوروا أن بداية الحرب في أفغانستان ضد حكومة الطالبان كانت قد أشعلتها عملية إغتيال القائد الميداني أحمد شاه مسعود على يد متطرفين مغاربة إنتحلوا صفة أهل الصحافة! فالعديد من مغاربة اوروبا قد تحولوا للأسف لخلايا سلفية متطرفة تمارس الإرهاب تحت شعارات الجهاد وقد أفرزت الحرب القائمة في العراق تنظيمات ووسائل و أساليب في التجنيد و الحشد و التعبئة تبدأ من بعض العواصم العربية و تنشط في مدن الشمال المغربي كطنجة و تطوان دون أن ننسى أن مدينة ( سلا ) المتاخمة للرباط قد أضحت معقلا لتلكم الجماعات في ( واد الخانز ) مثلا!! و كذلك الحال في المدن المغربية الأخرى المهمة كفاس و مكناس و مراكش ووجدة و حيث تصول الجماعات السلفية و تجول على إيقاعات واقع إجتماعي معين و إستغلالا لحالة الإحباط الشبابي العام و في ضوء تراكم ملفات الإصلاح و التغيير في المغرب و التي تواجه بتحديات حقيقية و مؤلمة، و لكن ملاحظتي البسيطة للأمور تحتم علي كمراقب محايد الإشارة إلى فشل مؤسسات السلطة الثقافية في توجيه الشباب المغربي توجيها حداثيا من واقع مراقبة سوق الكتب و المكتبات وحيث يتسيد الكتاب الديني الرخيص الثمن الموقف، فحتى في معارض الكتاب هنالك غلبة و إنتشار واضح للكتب الدينية أو تلك الكتب التي تتحدث عن الجن و الشياطين و أهوال يوم القيامة!! و عن المهدي المنتظر و الدجال الموعود!! وفي ظل غيبة كاملة للمنشورات الحداثية التي إن توفرت فهي بأسعار عالية و مرتفعة تفوق قدرات الشباب المادية!! و يخطأ من يظن أن السلام الإجتماعي يتحقق فقط بدعم أسعار المحروقات أو السكر و الطحين و الكسكس!!! بل أن للعقل الشبابي و توجيهه أهمية قصوى تناستها وزارة السيد ( محمد الكحص )!! أي وزارة الشباب!! و كذلك الحال مع وزارة الإتصال!! و حتى وزارة الداخلية في الموقع و الإختصاص الذي لا علاقة له بالجانب القمعي المحض!! فاللعقول متطلبات و إحتياجيات إستغلتها الجماعات الدينية بقليل من الفطنة فيما عجزت الدولة بكل مؤسساتها و إمكانياتها عن إستيعاب ملايين الشباب و منعهم وديا من الإنجراف نحو الجماعات الدينية التي تبدأ سلميا ثم تنتهي كغول متوحش كما أثبتت ذلك التجربة المصرية و العراقية.

وثمة حقيقة يجب أن لا تنسى وهي أن باكورة الأعمال الإرهابية التي أعقبت حرب العراق في إبريل 2003 كانت تلك الإنفجارات الإنتحارية الرهيبة في الدار البيضاء في 16 مايو/ أيار 2003 و التي شكلت صدمة حقيقية للشارع المغربي نظرا للوحشية في التنفيذ و للكلفة البشرية العالية و للمؤثرات النفسية المزعجة التي أعقبت الحدث و حيث تنبهت السلطة لأحزمة الفقر المحيطة بالمدن المغربية عبر أحياء الصفيح بسبب الهجرة المتصاعدة من الأرياف المغربية نتيجة لسنوات الجفاف الطويلة و لرداءة الخدمات الحكومية في الريف المغربي، فكانت مشاريع الإسكان الطموحة و كانت شعارات ( مغرب بدون مدن صفيح ) بمثابة ترجمة فعلية لتجفيف منابع الإرهاب و التي يشكل العنصر الإقتصادي أحد روافدها و ليس العامل الوحيد، فالطريق لم تزل طويلة لإحداث متغيرات حقيقية و الإصلاح السياسي المنشود يتطلب تضحيات و تنازلات مهمة من السلطة فليسب ( الزرواطة ) أي العصا وحدها تحل المشاكل؟ بل أن هنالك مقاربات و أساليب عديدة لإيقاف المد الأصولي المنتشر في الأوساط الشبابية... إنها ظاهرة مقلقة و خطيرة فتصاعد التطرف في أوساط الشباب المغربي قد بات من حقائق الحياة اليومية و المجتمع هناك، كما أن تفجيرات ( مدريد ) في مارس / آذار 2004 قد جاءت لتشعل كل أجهزة الإنذار لأن غالبية المتورطين هم من أصول مغربية وفي ذلك مشكلة حقيقية، و التمدد الواضح في نشاطات الجماعات الدينية قد وفرت عناصر تحدي هائلة لتلكم الجماعات و لعل تصريحات إبنة مرشد العدل و الإحسان السيدة ( ناديا ياسين ) توضح جزءا مهما من الصورة، إذ ما فتأت تلك الجماعة تبشر بالخلاص عن طريق ( القومة ) أي الإنتفاضة من أجل إقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة!! رغم التوجهات السلمية لتلكم الجماعة!! فماذا نقول بعد ذلك للفئات الأكثر تطرفا؟... الملف معقد و صعب و الحلول الأمنية قد أثبتت فشلها لأن التطرف لا يولد سوى المزيد من التطرف... فهل سنتلمس حلول قريبة تعيد للحالة المغربية تألقها الحضاري المعروف؟ نتمنى و بشدة.. و لكن؟.