شهدناحفلة مترعة من الجنون في الشرق الأوسط، وقد تكون الحرب الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد أن خمدت بين الدول العربية والعبرية، بتبديل مكان الحرف؟
فيما يشبه التحول المورفولوجي من توقف احتكاك الدول ومرضها بالحرب، إلى انتقال وباء الحرب من خارج إسرائيل إلى داخلها، ما يشبه تحول مرض التهاب الأنف إلى قولنج الكلية؟ وهكذا ابتليت إسرائيل بدائها، وهي اليوم تعاني من مغص داخلي معند على العلاج.
قد تكون هذه الحرب آخر حرب في المنطقة وقد لا تكون، ولكن الأكيد أنها حشرجات مؤسسة الحرب ما قبل الأخيرة، بعد أن ماتت في شمال العالم، وبقيت في مناطق التخلف في الجنوب أداة لحل المشاكل، بعد أن سلب الله القوم العقول والفهم..
إن رحلة القوة وتصعيدها مرة في مراحل شتى جميل ومؤثر أن يستعرضها المرء، كي يستوعب أن القوة ألغت القوة، وأن أصنام السلاح تهاوت، ولكن لم يفهم هذه الحقيقة لا العرب ولا بنو صهيون؟!
وعموما فالحرب تندلع كحرائق في أماكن المتخلفين العاجزين عن حل مشاكلهم إلا بأسلحة الغابة القديمة..
ومسافة الفراق والبعد بين العلم والسياسيين كبيرة، لذا أعلن العلم عن وقف مسلسل الحرب والضرب، ولكن عقلية السياسيين مازالت واقفة عند مقولة هرقليطس عن الحرب أنها أبو التاريخ وأمها وعمها وشفيعها، هي التي تقرر مصائر العباد والبلاد.
وهنا يمكن أن نفهم هذه النقطة عند عالم النفس السلوكي (سكينر) حين قال في كتابه (ما خلف الكرامة والحرية) أن سقراط وأرسطو لو بعثا ورأيا جو النقاش السياسي؛ فلن يتبدل الأمر عليهم كثيرا، وسوف يخوضان النقاش مع الخائضين كما لو كانا في أثينا؟
ولكن أرسطو لن يفهم حرفا من الجزئيات دون الذرية والفيمتو ثانية والكود الوراثي؟
ويتساءل سكينر عند هذه النقطة ما الذي جعل علما دون آخر يتطور؟ هل هو في البنية أم الأساليب؟
ولكن لن يطول قدوم ذلك اليوم، حين يقف الناس في المتحف مشدوهين، يتأملون فوهات المدافع، أو أصناف الأسلحة التي لا تنتهي، والتي صُممت بعناية من أجل الفتك بالإنسان؟!
سوف يتعجبون من نوعية ذلك الإنسان البدائي (القاتل)، الذي راهنت الملائكة على فساده بسؤالها؟ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال إني أعلم ما لا تعلمون؟
سوف يأتي ذلك اليوم الذي ينظر البشر إلى الحرب والضرب والمعارك والأسلحة والفتك والجريمة،كما ننظر نحن اليوم إلى الديناصورات التي اختفت من وجه اليابسة.
وإذا كانت الديناصورات قد غيبَّها الثرى قبل (65) مليون سنة، وإذا كانت الحياة قد بدأت قبل (3,8) مليار سنة، وإذا كان أمام الحياة أن تتابع سيرها في الأرض (500) مليون سنة أخرى، فقد نتحسر أننا ولدنا مبكرين للغاية، لأن التاريخ (الفعلي) للإنسان لما يبدأ بعد!!
صلح وستفاليا - WESTFALLENوحرب الثلاثين سنة
عندما كنت في ألمانيا الغربية (سابقاً) أعمل في مركز لجراحة الأوعية الدموية في منطقة (وستفاليا)، وينطقونها الألمان (فيستفالن) وكان ترخيص مزاولة المهنة يصدر من مدينة (منستر ـ MUENSTER )، لم يكن يخطر في بالي مطلقاً، أن هذه المدينة تحمل (ختماً) لعهد مريع ودعته ألمانيا في القرن السابع عشر حين تم توقيع معاهدة (صلح وستفاليا) WESTFALLEN ndash; Frieden Vertrag) عام 1648 م التي ختمت حرباً ضروساً استغرقت ثلاثين عاماً؟!
اندلعت هذه الحرب المروعة ببدايات بسيطة وتنافسات تافهة بين أمراء الإقطاعيات، ولم يكن يخطر في بال أحد أنها ستكون كما قال الشاعر العربي امرؤ القيس قديماً:
أولُ ما تكون الحرب فُتيَّةٌ تسعى بزينتها لكل جهول
حتى إذا حميت وشُب ضِرامها غدت عجوزاً غيرُ ذات حليل
شمطاء جزت رأسها وتنكرت مكروهةً للشم والتقبيل( 1 )
اشتركت في هذه الحرب جيوش شتى من ألمانية وسويدية وفرنسية وهولندية وإسبانية ودانمركية، وتطاحنت مذاهب متفرقة من كاثوليك وبروتستانت وكالفانيين، ودُمرت الأرض الألمانية شرُ تدمير، وقضى نحبهم حوالي ستة ملايين من أصل (21) مليوناً، أي مات حوالي ثلث السكان، وبالطبع من الشباب، ففي الحرب تنقلب الآية فيدفن الآباء أبناءهم، لاكما هي سنة الحياة بدفن الصغار آباءهم الكبار المسنين!!
ولم تقم لألمانيا قائمة إلا بعد قرن من هذه الحرب الأهلية المدمرة.
جاء في كتاب قصة الحضارة لويل ديورانت:
(تناقص عدد سكان ألمانيا بسرعة أثناء الحرب، وتقول التقديرات المعتدلة بأن عدد سكان ألمانيا والنمسا، هبط من (21) إلى (15) مليوناً، وبين (35) ألف قرية في (بوهيميا) هناك نحو (29) ألف قرية هجرها أهلوها أثناء الصراع، وهناك في مختلف أنحاء الإمبراطورية مئات من القرى لم يبق فيها ساكن واحد، وقد يقطع المرء في بعض الأقاليم ستين ميلاً دون أن يرى قريةً أو بيتاً، وتُركت آلاف الأفدنة الخصيبة دون فلح أو زرع بسبب نقص الرجال أو الدواب أو البذور، أو لأن الفلاحين لم يكونوا على ثقة من أنهم سوف يحصدون نتاج ما يزرعون، واستخدمت المحصولات لإطعام الجيوش، وكان ما تبقى يحرق لئلا يستفيد منه الأعداء، واضُطر الفلاحون في كثير من الأماكن إلى أكل الفضلات المخبأة أو الكلاب والقطط والفئران أو جوز البلوط والحشائش، وقد وجد بعض الموتى وفي أفواههم بعض الحشائش، وتنافس الرجال والنساء مع الغربان والكلاب على لحم الخيول الميتة، وفي الألزاس انتزع المعتدون المشنوقين من المشنقة تلهفاً على التهام جثثهم، وفي أرض الراين كانت القبور تنبش وتباع الجثث لتؤكل، واعترفت امرأة في مدينة ( السار بروكن ـ SAARBRUEKEN )(2) بأنها أكلت طفلها، وأصبحت المدن الكبرى أطلالاً خربة: ماجديبورج (MAGDEBURG) وهايدلبرج (HEIDELBERG) ونورمبرغ (NUERNBERG) وبايرويث (BAYREUTH)(3)، وتدهورت الصناعة، وكسدت التجارة، وصار التجار الذين كانوا يوماً أثرياء، يتسولون أو يسرقون ويسلبون من أجل لقمة العيش، وبات الهواء ساماً بسبب الفضلات والنفايات والجثث المتعفنة في الشوارع، وانتشرت الأوبئة مثل التيفوس والدوسنطاريا والتيفود والإسقربوط بين السكان المذعورين، ومرت القوات الاسبانية بمدينة ميونيخ فتركت وراءها طاعوناً أودى بحياة عشرة آلاف ضحية في أربعة أشهر، وذوت وذبلت في أتون الحرب الفنون والآداب التي كانت تضفي على المدن شرفاً ومجداً، وانهارت الأخلاق والروح المعنوية على حد سواء، واختفت كل المثل الدينية والوطنية بعد جيل ساده العنف) (4)
حرب الباراغواي ضد الارجنتين والبرازيل والأورغواي
وكانت نهاية هذه المعاناة في عام (1648) م، وأما في عام (1864) م فقد بدأت كارثة لا تكاد تصدق، ولم تسلط عليها الأضواء تماماً حتى الآن، وهي حرب (الباراغواي) ضد تحالف (الأرجنتين والبرازيل والأوروغواي).
ومات في هذا النزاع الدموي والذي استمر ست سنوات حوالي (80%) من سكان الباراغواي، كان عدد السكان مليون وثلاثمائة ألف نسمة، لم يبق منهم سوى (200) ألفا فقط؟؟!!
هذان مشهدان من صفحات التاريخ المظلمة والمؤلمة، والسؤال: إذا كانت الحرب بكل هذه الفظاعة والقسوة، بكل هذه الآلام والخسائر، وهذا التدمير فلماذا يمارسها البشر؟؟
هل الحرب إفراز بيولوجي وتعبير طبيعي؟
أم تشكيل ثقافي ومرض اجتماعي؟
معهد غاستون بوتول لدراسة ظاهرة الحرب
وقف العالم الفرنسي (غاستون بوتول) أمام هذه الظاهرة متأملاً وكان ذلك بعد الحرب العالمية الثانية، وهو يتعجب من عدم وجود معاهد علمية تدرس مثل هذه الظاهرة المخيفة، التي تفترس الجنس البشري وتهدد وجوده:
(لم تأخر الباحثون هذا التأخر الكثير عن تأسيس علم اجتماعي حقيقي للحروب ( POLEMOLOGIE )؟ ولم َ لم ْ تبعث أهم ظاهرة اجتماعية أي باحث على دراسة خصائصها وجوانبها الوظيفية دراسة موضوعية؟؟)(5).
من الغريب أن الأمراض العضوية البدنية أُسس لها من المخابر والمصحات والمستشفيات مالا يحدها عدد، في حين أن هذه الظاهرة الاجتماعية المرعبة ليس لها معهد يدرس بنيتها، ويتقصى أسبابها، ويعرف وظيفتها، ويصل بالتالي إلى إيجاد مصلٍ واقٍ لهذا المرض المعضل والمعند؟!
(إننا نرى منذ نصف قرن شيوع المخابر المخصصة لدراسة السرطان أو السل أو الطاعون أو الحمى الصفراء، وهي تزداد كل يوم، فلمَ لم ْ تبعث ْ على إيجاد أي معهد للأبحاث، تلك الحرب التي تذهب وحدها بضحايا أكثر من كل هذه المصائب مجتمعة؟) (6).
يبدو أن اللامبالاة تجاه هذه الظاهرة، سببها روح (الاعتياد) وليس (الدهشة) التي تبعث على الفضول والاكتشاف، فليس منا إلا وشارك أو سمع أو عانى من الحرب بقليل أو كثير.
المعهد الفرنسي لعلم الحرب
وفي عام (1971) م استطاع (غاستون بوتول) تأسيس (المعهد الفرنسي لعلم الحرب)، حيث تم دراسة ظاهرة الحرب في أكثر من قرنين من الزمان القريب منا، بين عامي (1740 - 1974) للميلاد، ووضع لها مواصفات حتى تعتبر حرباً، فمناوشات الحدود ومقتل العشرات لا تعتبر حرباً!!، وهكذا تم وضع ست شروط حتى تندرج تحت مفهوم الحرب، مثل (أكثر من ألف قتيل، و اشتراك أكثر من دولة واستمرار أكثر من عام!)، فوجد أنه قد وقع في الفترة المذكورة (366) نزاعاً مسلحاً، بحيث لم تمر إلا أعوام نادرة لم يحصل فيها نزاع مسلح!!
وقد كلفت هذه النزاعات المريعة (85) مليون قتيل، منها فقط (38) مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية وحدها!! فأي جنون هذا وأي عبث هذا؟؟..
في الحرب يموت الشباب بصورة مقلوبة؟
في الحرب يموت الشباب والذكور بوجه خاص، فالحرب عموماً ذكورية! وبذا تندثر الطاقة الإنتاجية، ويتدمر النسيج الاجتماعي، وتذوي الأمة وتهبط طاقتها، بل وقد تؤول إلى الفناء بشكل أو آخر، فدولة مثل (الباراغواي) (7) لم تستفق من دمار حرب سبعينات القرن التاسع عشر حتى الآن، وألمانيا احتاجت إلى قرن كي تسترد عافيتها، واضطرت الكنيسة في كلا البلدين (المسيحيين والتي تحرم فيها الكنيسة تعدد الزوجات) إلى إصدار مشروع في إباحة تعدد الزوجات، لتعويض الذكور الذين هلكوا في الحرب، وخسرت ألمانيا في الحرب العالمية الثانية (6.5) مليون قتيل، وكان الخاسر الأكبر في ضحايا الحرب الأخيرة (الاتحاد السوفييتي) حيث سقط (22) مليون قتيل على أقل التقديرات، أما في يوغسلافيا فقد سقط واحد من كل عشرة من السكان إلى القبر.
فأي دمار وبؤس هذا؟؟
ظاهرة الحرب عند الحيوان والحشرات غير موجودة ومن يتفرد بها هو الإنسان؟
في عالم الحشرات والحيوان لم يعثر على ظاهرة الحرب، أي حشد كمية كبيرة من عناصر جنس معين، ضد عناصر أخرى من نفس النوع، يفتك كل فريق بالآخر، بأوامر (من فوق) وبأدوات تدمير رهيبة، ثم ترك الجثث بدون افتراسها!
وجد أنه هناك استثناء في بعض طوائف النمل وبشكل محدود، ومن أجل سرقة الغذاء والمونة.
كما لم يعهد بشكل عام في عالم الحشرات والحيوان، أن العنصر يقتل الآخر لمجرد القتل!
قد تفترس سمكة أخرى للتغذية، وتطارد اللبوة الفريسة لتأمين وجبةٍ لعائلة الأسد، أما القتل (للقتل) فلم يعرفه سوى هذا الكائن المرعب المسمى بالإنسان!!
إن ما يسمى شريعة الغاب يقوم على اعتداء عنصر على آخر، من أجل أكل لحمه، فالدافع هو الجوع، والهدف هو الغذاء للمحافظة على النوع، وليس لمجرد القتل، والموجود في الفصيل الإنساني.
وتابع الإنسان تفننه في القتل، فوصل إلى المقابر الجماعية كما كشف عام 1983 في إسبانيا عن تلك المقبرة المخبأة تحت الأرض التي ضمت الآلاف (8)، وغرف الإعدام بالغاز، وأفران محارق الجثث بالجملة، وتبخر الإنسان بالحرارة النووية التي بلغت (100) مليون درجة مئوية!
ويبدو أن الذكور هم الذين لعبوا الدور المركزي في تصنيع الحروب، وخلق مؤسستها (الجيوش)، وممارستها (ساحات المعارك)؛ فالجيوش في العالم ذات طابع ذكوري، وهكذا فالمرأة ـ لاعتبارات لا نفهمهما على وجه الدقة ـ هي التي بدأت بالزراعة وتوليد الحضارة، والمرأة هي التي تحمل الحياة، وتنجب الحياة، وتحافظ على الحياة، ولا تشترك في الإبادة، بل بالتعويض عن الإبادة في كوارث الحروب، وهي بذلك نموذج مُعدَّل عن الذكر متكيف بشكل أفضل مع الحياة في هذا الجانب؛ فالذكور هم الذين سيطروا على قيادة المجتمع، ويبدو أن التركيب العضلي وهورمون (التستيرون) كان له دور التفوق في المراحل الأولى لنشأة الحضارة، ونزلت المرأة لتكون من الطبقة (المستضعفة)، وبذا زرع الذكور (بذرة) الحرب ليحصدوا نتيجتها المرَّة في ساحات القتال، وليعانوا من أهوالها المرعبة، ومازال مرض (التيتانوس = الكزاز)(9) في الذاكرة الإنسانية من تلوث الجروح وموت المقاتلين المجروحين شر ميتة.
في سبيل ارتقاء المرأة
جاء في كتاب (في سبيل ارتقاء المرأة):
(وهكذا تفهم المؤسسة العسكرية أكثر المؤسسات تميزاً في النظام الذكوري، التي تعتبر نموذجاً لجميع المؤسسات الأخرى وتقوم على الطاعة غير المشروطة، وتنتزع من الإنسان بعده الإنساني الخاص، أي ذلك البعد المتسم بالاستقلال الواعي والمبادرة والمسؤولية، والذي بدونه لا يكون التجمع الإنساني الخاص، إن لجهة ابتكار أشكال جديدة للحياة، أو حتى لجهة الدفاع بالمعنى الحصري كالمقاومة أو حركات التحرير، التي لا يمكن تصورها بدون نظام مقبول، بحرية ومجازفة وتضحية يختارها الفرد، والجيش هو النموذج الأصلي المحتذى لجميع الأشكال الأخرى للتفويض واستلاب المسؤولية.
إن هذا الاختراع الذكوري المحض يقوض بمقتضى المبدأ نفسه الذي يقوم عليه كل إمكانية حقيقية للدفاع، أي الدفاع عن استقلال الشخص الإنساني ضد أي اقتحام خارجي، أو أي اضطهاد داخلي، والدولة ليست إلا تعميم الصلة العسكرية بين السيطرة وخنق استقلال الشخص الإنساني على جميع مظاهر التنظيم الاجتماعي الأخرى، ومركزية العنف العسكري هي نموذج لجميع أشكال المركزية الأخرى: الأبوية والبيروقراطية والإدارية والبوليسية وحتى التربوية والثقافية، والتنظيم المدني الخانق للمجموعات الكبرى، ليس إلا التغيير المدني للثكنة، شأنه في ذلك شأن الجامعة أو الكلية ذات الأصل (النابليوني) وهي كلها حسب فكرة مؤسسها تؤمن الموظفين والضباط، كما تؤمن - في غياب أية فكرة - لدى خلفائه التكنوقراطيين والبيروقراطيين، تلك هي النهاية المحتمة للثقافة التي لم تدرها إلا نصف الإنسانية فقط، أي النصف الذكوري) (10)
تقييم فولتير للحرب؟
يُقَيِّم المفكر الفرنسي المشهور (فولتير) ظاهرة الحرب على الشكل التالي:
(ساعة أكلمكم ثمة مائة ألف مجنون يلبسون القبعات، يقتلون مائة ألف حيوان آخر في سبيل بضعة أكوام من الوحل العظيم.... ولا يتعلق الأمر إلا بأن نعرف أينتمون إلى رجل اسمه سلطان أم إلى آخر؟ لا أدري لماذا قيصر) (11)
وتحت ظاهرة الطاعة والإذعان يحدث أمر عجيب، فتحت كلمة (أوامر) تهجم مجموعة مسلحة على أخرى لا تعرفها ولم تجتمع بها من قبل، فيفتكون ببعضهم بأشد من الذئاب (لا تفعل الذئاب ذلك كما دلت على ذلك دراسات العالم الانثروبولوجي كونراد لورنتز)(12) وبدون أي رحمة.
فقط لأن (الأوامر) جاءتهم؟!
وهو ما علّل به النازيون المجرمون في الحرب العالمية الثانية كل الجرائم التي قاموا بها (كان علي تنفيذ الأوامر؟! كل ما فعلته تنفيذ الأوامر التي صدرت إلي، حاكموا من أصدر الأوامر) (13)..
ومن الغريب أن القاتل والمقتول في هذه المذبحة المروعة، لو اجتمعوا خارج هذا الميدان لتبادلوا التحيات والكلام والضيافة، فكيف يحصل أن يقتل إنسان إنساناً آخراً لم يعرفه من قبل، ليس بينهم أحقاد، ولا ثأر سابق، كيف يحصل هذا الشيء بهذه البساطة؟
حقاً أن الإنسان كان أكثر شيء جدلاً؟؟!!.
لا غرابة إذاً أن دعا الفيلسوف الألماني (إيمانويل كانط) إلى إلغاء الجيوش، وهو الشيء الذي تفكر به حالياً سويسرا (يجب أن تزول الجيوش النظامية كلياً مع الوقت... لأن ظهور هذه الجيوش الدائم على أهبة للاستعداد للقتال يجعلها تهدد الدول الأخرى بالحرب تهديداً مستمراً؛ ومن شأن هذا الواقع أن يدفع بكل دولة من الدول إلى محاولة بز الأخرى من حيث حشد الأعداد غير المحدودة من الفرق العسكرية، فيترتب على هذه المنافسة نفقات مالية تجعل السلام أبهظ تكلفة من القيام بحرب قصيرة، وتسبب أعمالاً عدائية تعتمد للتخلص من العبء المالي المعني.
أضف إلى ما تقدم أن إكراه الناس ليقتلوا أو يُقتلوا إنما هو، على ما يبدو، معاملة البشر كما لو كانوا مجرد آلات بأيدي الآخرين (الدولة) الأمر الذي قلما يتوافق مع حق الإنسانية المتمثلة في شخص كل منا....)
ويعقب الفيلسوف على ما مر بهذه القصة:
أجاب أحد الأمراء البلغاريين إمبراطورا يونانياً كان قد اقترح عليه الاقتراح الشهم بالمنازلة لإنهاء الخلاف بينهما من دون سفك دماء رعاياهما فقال: الحدَّاد الذي لديه ملقط لا يستخرج من كوزه قطعة الحديد المحماة بيده!) (14)
دراسة المؤرخ توينبي في على انهيار الحضارات؟
قام المؤرخ البريطاني (جون آرنولد توينبي) بدراسة للتاريخ والحضارات، في مدى نصف قرن من الزمان، درس فيها بزوغ ( 28 ) حضارة من أصل (600) مجتمع بدائي، وكان السؤال الذي يقلقه دوماً كيف تنهار الحضارات بعد أن تستوي على سوقها؟
وما هي الأمراض التي تعصف بها فتقوضها؟ في الوقت الذي يظن أصحابها أنهم قد تمكنوا من كل شيء؟!
يقول توينبي في كتابه مختصر دراسة التاريخ: (قادنا بحثنا عن علة انهيار الحضارات إلى رتل من الاستنتاجات السلبية:
الأول: ليس الانهيار الحضاري من فعل القضاء والقدر بالمعنى الذي يعنيه رجال القانون.
الثاني: لا يعتبر الانهيار إعادات عابثة لقوانين الطبيعة الجامدة.
الثالث: لن يتيسر رد انهيار الحضارات إلى فقدان السيطرة على البيئة طبيعية كانت أم بشرية.
الرابع: لا يرجع الانهيار إلى انحطاط في الأساليب الصناعية أو التكنولوجية.
الخامس: لا يرد الانهيار إلى عدوان مهلك يشنه خصوم دخلاء)
وإذا كانت كل هذه العناصر ـ حسب توينبي ـ ليست سبباً لسقوط الحضارة، فما هو السبب الجوهري إذاً؟
(الانتحار) هو علة (الانهيار)
يرى توينبي أن علة سقوط الحضارات هي داخلية بالدرجة الأولى (وقادتنا عملية الاستنفاد المنطقية في كل حالة تقريباً إلى العودة، إلى الفكرة القائلة بأن (الانتحار) هو علة (الانهيار).
وإذا كان مصير الحضارة داخلي بالدرجة الأولى فأين مكان العنف في صورة السقوط والانهيار؟؟ يسوق إلينا توينبي مثلاً مروعاً من التاريخ، لإمبراطورية وحضارة أرعبت لمئات السنوات منطقة غرب آسيا بأكملها، وحملت شعوباً بأكملها إلى معسكرات الاعتقال، وسوت مدن الشرق الأوسط بالتراب، وكانت تمتلك عدة حربية رائعة تشرف على تطويرها بانتظام، بل لقد سقطت (إمبراطورية آشور) وهي في أوج امتلاكها للآلة العسكرية الرهيبة البطاشة!!.
(كانت الكارثة التي أودت بالقوة الحربية الآشورية عام 614 - 610 قبل الميلاد إحدى الكوارث العارمة المعروفة في التاريخ، فإنها لم تتضمن دمار أداة الحرب الآشورية فحسب، ولكنها تضمنت محو الدولة الآشورية من الوجود، واستئصال الشعب الآشوري، والشعب الآشوري جماعة لبثت قائمة أكثر من ألفي سنة، وقامت بدور رئيسي في جنوب غرب آسيا طوال فترة تقرب من القرنين والنصف قرن، ثم محيت محواً يكاد يكون تاماً، ومصداقاً لذلك فإنه بعد انقضاء مائتين وعشر سنوات، تعاقب عشرة آلاف جندي يوناني من جنود قورش الصغير المرتزقة على موضع (كالاه) ونينوى، أثناء اتجاههم عبر وادي الدجلة، من ميدان معركة كونا كسا إلى ساحل البحر الأسود، فأصابهم ذهول بسبب عدم عثورهم على شيء يعتد به مقارنة بفخامة التحصينات، وبمدى المنطقة التي كانت تضمها بين ظهرانيها، إذ يخلو مشهد تلك الأعمال البشرية الشاسعة من السكان، ويشير التراث الأدبي الذي خلفه أحد أعضاء التجريدة العسكرية اليونانية، إشارة ضمنية واضحة إلى سحر هذه الهياكل الخاوية، التي تشهد طاقتها الجامدة على حيوية زالت) (15)...
لم يدرك العالم عبثية الحرب إلا متأخراً، وبعد معاناة رهيبة، وبثمن أكثر من باهظ، والذي قاده إلى هذه العتبة هو (العلم)، ورأس العالم المتقدم يطير الآن إلى المستقبل بجناحي (العلم والسلم)، ويبقى الذي لم يشترك في (صناعة العالم المعاصر) يجتر أحلام بطولات عنترة والمتنبي ويكرر:
السيف أصدق أنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب؟!
ولكن كما يقول المثل الحكيم (والسعيد من وعظ بغيره والشقي من شقي بنفسه)
الهوامش والمراجع:
(1) ديوان امرؤ القيس ـ الحليل: الزوج، الجهول: الشاب.
(2) مدينة ( السار بروكن ) هي عاصمة منطقة السارلاند في ألمانيا اليوم، وهي قطعة من الجمال والسحر والحضارة فسبحان مغير الأحوال، وهي متاخمة للحدود الفرنسية تماماً
(3) كلها اليوم مدن عامرة والأخيرة هي مدينة الموسيقار فاجنر والفيلسوف نيتشه
(4) قصة الحضارة - الجزء 30 - ص 21 - 214.
(5) عن كتاب (هذه هي الحرب) ـ غاستون بوتول ـ ترجمة مروان قنواتي ـ سلسلة زدني علماً ـ منشورات عويدات باريس - بيروت ـ ص ( 6 ).
(6) نفس المصدر السابق ص (7).
(7) تقع الباراغواي في أمريكا الجنوبية وتقع البرازيل إلى الشمال منها، وفي الجنوب الأرجنتين، وليس لها منفذ على المحيط الأطلسي، وقيل إن محرك الحرب كان من ديكتاتور أرعن في الباراغواي، أراد أن يضم الأوروغواي التي لها ساحل على المحيط فتورط في الحرب الطاحنة التي أفنت شعبه!!
(8) أعلن التلفزيون الألماني عام 1983 م عن الكشف عن مقبرة جماعية مروعة تحت الأرض ضمت الآلاف، وهي مكونة من سرداب رهيب حشر فيه أولئك الناس حتى الموت، بحيث أظهرت بقاياهم مناظر مخيفة، أوحت باحتمال أكل بعضهم بعضاً، أو الموت تحت ظروف رعب هائلة، وسرعان ماعتمت الحكومة الاسبانية على الخبر، لأن رائحة محاكم التفتيش ضد المسلمين في الأندلس فاحت من الحدث.
(9) مرض التيتانوس أو الكزاز يحدث بالجروح الملوثة ويصيب صاحبه بدورات مرعبة من التشنجات العضلية وتقوس الظهر وتخشب البدن حتى يسلم صاحبه إلى الموت، وكان الكثير من مصابي المعارك (البطولية كذا!!) يموتون شر ميتة بهذا المرض، ولحسن الحظ له لقاح في الوقت الراهن، وإذا نجا المصاب من الموت فإنه لا يترك مناعة؟!
(10) روجيه غاروديه - في سبيل ارتقاء المرأة ص (31)
(11) هذه هي الحرب ـ غاستون بوتول ـ ص (22).
(12) دلت الدراسات التي قام بها العالم النمساوي الانثروبولوجي (كونراد لورنتز) عن صراع الحيوانات عموماً أنها لا تفتك ببعضها حين يصل الصراع إلى النهاية، وهكذا فالذئب المهزوم يستسلم في النهاية ويكشف عن عنقه للغالب (مذبحه!) فيعامله الذئب الغالب بكل شهامة فبدل توجيه ضربة من فم مفتوح لعضه، يدفعه بفم مغلق علامة على نهاية الصراع.
(13) كان المجرم النازي (هوس) الذي كان يتولى عمليات الإبادة الجماعية في معسكر (آوسشفيتز)، والذي كشفت من قريب قرارات المحكمة الألمانية طرفاً عن حجم المأساة فيه، أنه كان ينفذ الأوامر التي صدرت إليه من (هملر) رئيس الجستابو.
(14) نحو السلام الدائم محاولة فلسفية ـ تأليف إيمانويل كانت ترجمة نبيل خوري ـ دار صادر بيروت ـ ص (32).
(15) مختصر دراسة التاريخ ـ توينبي ـ الجزء الثاني ـ ص (104)