قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حكايات الاحتلال وتصحيح بعض المفاهيم (١٦)
وإلى ختام الملاحظات والاستنتاجات:
سادسا: الجزية وآثارها
يحلو للبعض من تلاميذ (عبيد؟) مدرستي laquo;التاريخ المقدسraquo; و laquo;السلف الصالح المقدسraquo; الزعم بأن laquo;الجزية كانت مبلغا تافهاraquo; (الحقيقة أنها كانت مبلغا باهظا لا يقدر عليه الفقراء ومعظم متوسطي الدخول)؛ أو أن laquo;الجزية فرضت على أهل الذمة كبديل عن تجنيدهم في جيوش المسلمينraquo; (الحقيقة أن القبط كثيرا ما جُندوا، بل سُخروا، إضافة لدفع الجزية ودفع الضرائب الإضافية الخاصة أيام الحروب).
كان متوسط الجزية المفروضة على كل ذكر بالغ (عدا الشيوخ) ديناران (ذهباً)، لكنها في الأرياف كانت تحدد على القرية إجمالا ثم تحصل من الأفراد كل حسب ثروته وتتراوح عادة بين دينار للفقير ودينارين لمتوسط الدخل وأربعة للغني، يضاف إليها ما لا يقل عن ٣٠٪ laquo;مصاريف جبايةraquo;. فإذا قبلنا بأن الدينار الذهب تعادل قيمته الشرائية الجنيه الذهب الآن (وهو ما يساوي حوالي ألف جنيه ورق)؛ وأن متوسطات الدخل عندئذ تعادل قيمتها ما هي عليه الآن، أي أربعة آلاف جنيه في السنة للفقير، و ٢٠ ألف جنيه لمتوسط الدخل، و ١٠٠ ألف جنيه للغني؛ نجد أن الجزية تعادل ثلث دخل الفقير وحوالي سدس دخل المتوسط وحوالي ٥٪ من دخل الغني.
وقد توصل د. تامر الليثي (الأستاذ مساعد بجامعة نيويورك، والحائز على دكتوراه في التاريخ من جامعة برينستون)، إلى أن الجزية كانت تعادل أجر حوالي عشرين أسبوعا بالنسبة للعامل (المتوسط أو الفقير)، وهي نسبة تؤكد، بل تزيد عن، ما نجده في الحسبة التي قمنا بها.
وكما تذكر مصادر التاريخ، فقد كان الأغنياء والكنيسة يتكاتفون على دفع جزية الفقراء (وأيضا جزية الرهبان والإكليروس، الذين توقف إعفاؤهم). وإذا افترضنا أن الفقراء يمثلون حوالي نصف السكان والأغنياء من ٣ـ٥٪ وأن كل غني سيدفع عُشر دخله صدقات، فإننا سنجد بحسبة بسيطة أن بين ٤٠ و ٧٠٪ من الفقراء (بحد أقصى)، laquo;قدraquo; تُسدد عنهم الجزية بواسطة الأغنياء. أما الباقون فهم تحت رحمة السيف، ولا مناص أمامهم سوى دخول الإسلام. إذن فعلى عكس ما يتخيله، أو يزعمه، البعض، فقد كان للجزية أثر حاسم في تحول القبط لاعتناق الإسلام.
ومن ناحية أخرى، ومع تناقص نسبة الأغنياء نتيجة التحول القسري للإسلام (لتحاشي فقدان الوظيفة، في حالة الكتّاب وغيرهم، وهو ما حدث بالذات أيام المماليك) فقد قلّت بالتالي نسبة الفقراء الذين يمكن حمايتهم من التحول القسري.
لكن إذا كانت الجزية هي سبب laquo;التحولات الجماعية في القرون الوسطىraquo; (كما يقول د. الليثي)، فإنها لم تكن السبب الوحيد، إذ لا يمكن التهوين من عوامل التكدير والإذلال والقهر والاضطهاد المتراكمة، إضافة إلى تأثير laquo;كرة الثلجraquo;: فكلما زادت نسبة المسلمين بين السكان كلما تعاظمت الضغوط على غير المسلمين.
سابعا: أحوال الكنيسة
١ـ الكنيسة والحكام: بعد laquo;حفاوةraquo; عمرو بن العاص بالبطريرك بنيامين، بدأ الوجه القبيح لولاة الاحتلال يظهر على حقيقته، فما أكثر ما لاقى البطاركة من الإهانة والسجن والتعذيب والتهديد بالقتل. وما أبلغ ما رددته حوليات الكنيسة عند تسجيل وفاة أحد البطاركة، ويصلح كمقولة عامة، أن أيامه laquo;كانت كلها شدة وعناء وضيق وفناء ومصائب وإحن ومحن على القبط الذين ذاقوا من جور الولاة وظلمهم وعسفهمraquo;.
فمن البطاركة من laquo;اعتُقل ووُضع في رجليه خشبة وطوق حديد في رقبته، وسجن في خزانة لا تنظر الشمس وليس فيها طاق وكان تحت ضيق من التكبيل بالحديد شهراraquo;. وقد قبض ابن طولون على البطريرك الأنبا شنودة الأول laquo;وأودعوه حبسا ضيقا مع اللصوص والقتلة وكان الحبس مملوءا جدا. وبعد انقضاء سنة، دفع البطرك (المريض) للسجان شيئا حتى يعمل له (مرحاضا)raquo;. وأبقى الحاكم بأمر الله الأنبا زخاريوس معتقلا ثلاثة شهور laquo;وهم يخيفونه كل يوم بالحرق والرمي للسباع إن لم يدخل في دين الإسلام، ويقولون له إن وافقت نلت مجدا عظيما ويجعلك قاضي القضاة وهو لا يلتفت إليهمraquo;. وقبض ناصر الدولة ابن حمدان على laquo;الأنبا شنوده الثاني وعدد من الأساقفة وطولبوا بالمال وعوقب ثلاثة أساقفة منهم وماتواraquo;. وقد استمر هذا laquo;التقليدraquo; في إهانة البطاركة حتي أنور الساداتي الذي عزل الأنبا شنودة الثالث ونفاه إلى أحد أديرة الصحراء، ثم أبقاه حسني مبارك منفيا إلى اكتمال أربعين شهرا.
ومنذ laquo;الفتحraquo;، أدرك الحكام مدي النفوذ الأدبي والروحي للبطريرك، فعملوا علي وضعه تحت رقابة شديدة ومطالبته بالخضوع للسلطة، ومنعوه من اتخاذ أي إجراء حتي في محيطه الديني دون استئذانهم. وأرادوا إقرار انتخاب البطريرك قبل أن يباشر أعماله. وفي أغلب الأحيان كان على الكنيسة دفع مبلغ من المال قبل أن يسمح بإقامة بطريرك جديد، وهو ما تسبب أحيانا في فراغ الكرسي البطريركي لفترات طويلة نظرا لعجز الكنيسة عن جمع المبلغ المطلوب. وكان الحكام دائما يريدون معرفة ما يقال، وخاصة في محيط البطريرك، وأيضا في كتب الصلوات والتعليم القبطية للتأكد من خلوها من أي انتقاد للإسلام.
٢ـ مسلسل الاعتداءات: إضافة لحظر بناء كنائس جديدة، أو تعمير المتهدم بشق الأنفس، فقد عانت الكنيسة من عدد لا يكاد يحصى من الاعتداءات، نعطي عينات منها للتذكير:
أمر الوالى الأموي عبد العزيز laquo;بكسر جميع الصلبان فاضطرب نصاري أرض مصرraquo;. ثم أمر laquo;بأن تمنع قداسات النصاري، وقال إنهم ضالون يجعلون لله زوجة وولداraquo;. وأنزل الخليفة العباسي جعفر المتوكل laquo;على الكنائس في كل مكان بلايا لا تحصى، وأمر بهدم البيعraquo;. أما الوالي عنبسة بن اسحاق فقد laquo;جعل يكسر كل صليب في البيع بالجملة وضيق على النصارى حتى أنهم ما عادوا يتمكنون من الصلاة في البيع إلا بصوت خفي، ومنعوهم من الصلاة على نصراني إذا مات. وقطع ضرب الناقوس. ثم بدأ يمنع النصارى من القداسات وأن لا يقدسوا جماعةraquo;. وأمر الوالي ابن المدبر أن laquo;تغلق الكنائس بمصر (الفسطاط) إلا بيعة واحدة. وكان نوابه يأخذون القائمين على كل مكان يحبسونهم ويقيدونهم بالحديد ويحملوهم إلى مصرraquo;. أما الحاكم بأمر الله فقد أمر laquo;بأن تهدم الكنائس وأن يحمل ما فيها من الآنية الذهب والفضة إلى قصره وأن يطالب الأساقفة في كل مكان بالأموال وأن لا يباع شيء للنصارى ولا يشترى منهم. فجحد جماعة منهم دينهمraquo;. وقام الوزير الفاطمي ابن الوخشي laquo;ونهب كنائس القاهرة والخندق، وحرق المسلمون دير الأرمن المعروف بالزهريraquo;. وفي بداية مملكته، أمر صلاح الدين laquo;بنزع الصلبان من كل قبة في كل كنيسة من الكنائس التي بديار مصر وكل من رأى كنيسة ظاهرها مبيض، تليس بالطين الأسود من فوق البياض، وأن لا يدق ناقوس في جميع ديار مصر وأن يخفضوا أصواتهم في صلواتهم. وقد طمع أوباش المسلمين فيهم في ذلك الوقت وأهانوهم ورتبوا على بعض الكنائس في المدن والقرى فهدموها ونال الناس من ذلك مشقة عظيمة حتي خرج جماعة من كتاب مصر والقاهرة من دينهم وجحدوا مسيحهمraquo;. وفي أيام السلطان الأيوبي العادل شغب المسلمون بكنيسة القديس مرقس بالاسكندرية (القمحا) وأمر السلطان بهدمهاraquo;. وفي أيام السلطان قلاوون laquo;حدثت حرائق بكنائس كثيرة في القاهرة ومصر واسكندرية وجهات أخرىraquo; يحصي المقريزي عددها بأربع وخمسين فضلا عن أديرة هدمت عن آخرها وقتل عدد كبير من الناس. وفي عصر السلطان المملوكي الظاهر جقمق laquo;الذي عُرف عنه أنه كان معتدلا في حكمه!raquo;، قُتل وأحرق عدد كبير من الأقباط بينما سُمِّر آخرون في ألواح خشبية وكانوا يُساقون في شوارع القاهرة على ظهور الجمال. وأيام السلطان قايتباي laquo;قام العامة على النصارى بالقاهرة وأغلقت جميع كنائسهم ومُنعوا من إقامة شعائر دينهم ثم عمّ الأمر جميع الأقاليم القبلية والبحرية واشتدت نار الفتنة فوقع القتل والسبي والنهب والتخريب وأريقت الدماء هدرا في الأزقة والحاراتraquo;. ثم اشتد السلطان الغوري على النصارى laquo;شدة بالغة فصادر أموال الكثير منهم وزاد في نكايتهم حتى عاقب بعض النساء بالجلدraquo;.
٣ـ مواقف مبدئية: وبرغم كل شئ، فقد كان موقف الكنيسة ثابتا مع الأيام: رفض مقابلة العنف بالعنف كمسألة مبدأ، والخضوع للحكام أيا كانوا. واعترضت الكنيسة على أعمال البشموريين وحاولت إثناءهم عن ثورتهم، وربما كان هذا سببا في تقلص التأييد الشعبي للثوار وفشل محاولتهم... وكان البطاركة يستعملون الرقة واللين والاحترام والتبجيل (الزائد) في التعامل مع الحكام، ربما كوسيلة من وسائل laquo;ترويضraquo; (الوحوش). ونادرا ما كان الواحد منهم يواجه الحاكم ويطالبه بتخفيف الاضطهاد، بل كانوا يلجئون عادة للصلاة ومواساة المضطهدين وجمع الصدقات لحماية الفقراء.
٤ـ الكنيسة والشعب: أما عن علاقات الأقباط بكنيستهم، فيشوبها بعض التعقيد. فإضافة لالتفافهم حولها ودفاعهم المستميت عنها وعن عقيدتهم، نجد عددا لا يستهان به من حالات الاختلاف والانقسام بل والطعنات الداخلية. وبينما البعض منها نتيجة لتغليب المصالح والاعتبارات الشخصية، فقد يفسر علماء النفس البعض الآخر بكونه من نتائج التنفيس عن الضغوط الخارجية غير المحتملة (فيما يشبه حالة انفعال طفل ضد والدته إذا أهين في المدرسة بدون أن ينجح في الدفاع عن نفسه).
وقد أخذ مركز البطريرك يضعف مع الوقت. ورغم الاحترام الذي كان يظهره رعاياه، لم يحتل البطريرك في الواقع إلا المكانة الثانية بعد الشخصية القبطية التي تتمتع بثقة رجال الحكم (عادة laquo;الكاتبraquo; القائم علي مالية الدولة)، خصوصا وأن البطريرك لم يبدأ الإقامة بالقاهرة إلا في القرن الحادي عشر. وربما تسبب هذا الأمر في الخلاف علي الأسبقية الأدبية في حادث المجلس الملي في نهاية القرن التاسع عشر...
٥ـ نتائج الحصار: ومنذ مجئ العرب وتقدم الإسلام وعزلة الأقباط المعنوية وتحت وطأة الضربات المستمرة ضعف مركز المسيحية المصرية مع مرور الزمن. ويقدم جاك تاجر حكما قاسيا على الكنيسة إذ يقول: [وقد زاد من المشكلة، الإكليروس الذي كف عن دراسة الكتب والاهتمام بالتثقيف وانهمك في جمع المال لشراء الرتب. وقد حاول بعض الرهبان إصلاح النظم والقلوب ووضع بعضهم المؤلفات العلمية والدينية لكنهم كانوا أقلية ضئيلة، كما أن مؤلفاتهم لم يكن فيها أصالة ولا جدة. نتابع البطاركة الواحد تلو الآخر دون أن يأتوا بمفاخر جديدة. كان عصرهم موقوفا من حيث الهدوء والاضطراب علي رضي أو عدم رضي الحكام عليهم وهدوء الحالة العامة أو اضطرابها. ولم يبذل أحد جهدا حقيقيا لبث روح جديدة في الكنيسة التي كانت تضمحل تدريجيا. وكانت أحيانا تمضي فترات طويلة قبل انتخب البطريرك الجديد. واستفحل الأمر بعد احتلال العثمانيين: أصبح الإيمان صوريا والتعليم الديني منعدما والإكليروس لا يفهم أصول الدين، والبطريرك هدفه الأول العيش في سلام]. (أقباط ومسلمون ص ٢٥٨ـ ٢٦٤).
وقد أدت الضربات المتوالية إلى انهيار شبه كامل لمؤسسة الأديرة، وهي التي كانت الحافظة للتراث الثقافي والديني للأقباط على مرّ التاريخ. ففي الأجيال الأولى للرهبنة كانت هناك مئات الأديرة العامرة بالرهبان لكن تم تخريبها بالتدريج حتى أصبح عدد الرهبان في القرون الوسطى يعدون علي الأصابع. وجاءت الضربة القاصمة في منتصف القرن الرابع عشر عندما قرر الأمراء المماليك الاستيلاء على ما تبقى من أراضي أوقاف الأديرة والكنائس (خمسة وعشرين ألف فدان). ولم تعد للأديرة قائمة إلا في مطلع القرن العشرين.
٦ـ الكنيسة والعالم: كلما حاول البطريرك مواصلة علاقاته مع متحدي العقيدة مع الكنيسة القبطية (التابعين لها روحيا) خارج الحدود المصرية كان هذا يثير غضب الحكام، والويل له إذا تخاطب رأسا معهم بدون علمهم. على أن تبعية كنيسة الحبشة (والنوبة، حتى أسلمتها في القرن الخامس عشر) للكنيسة القبطية كانت من أهم عوامل استقرار أحوال مصر على حدودها الجنوبية، وهو ما جعل الحكام المسلمين يتحاشون القضاء عليها تماما. لكن كثيرا ما كان الولاة يبتزون الكنيسة للضغط على ملوك الحبشة من أجل نشر دعوة الإسلام وبناء المساجد في بلادهم. وكان النجاشي يضحي بعزة نفسه ويرسل الهدايا للحكام في مصر راجيا السماح بإرسال مطران له. كما كان النجاشي يحاول أحيانا التدخل لوقف الاضطهاد في مصر.
وقد وصل تدهور الحال بالكنيسة، والأقباط عموما، لدرجة أن [البطريرك جبرائيل الثامن أرسل في ١٥٩٧ مبعوثين ليطلبا من بابا روما laquo;أن ينعم علينا ويتصدق في كل سنة بترتيب جامكية (عطية)، فإننا في غاية الضيق والشدة، وما تحتاجه كنائسنا وأديرتنا والفقراء والمساكين والأرامل والأيتام والذين بالسجون والحديد بسبب الجوالي (الجزية) وغيرها... raquo;. وقد أرسل البابا بعض المساعدات. ومدفوعة باليأس الأدبي والمادي فقد طلبت الكنيسة القبطية الاشتراك في مجمع فلورنسا والانضمام إلى الكنيسة الكاثوليكية ودام laquo;الاتحادraquo; مع روما قرنا ونصف قرن..] (أقباط ومسلمون ص ١٩٩).
ثامنا: التحول الديني
اعتادت القبائل العربية شن الغارات والسلب والنهب ضد بعضها البعض، وذلك لسوء أحوالها الاقتصادية، وبالأكثر اعتمادا على هذه الأساليب لتوزيع، بل laquo;لإنتاجraquo; الثروة بديلا عن الوسائل الأخرى التي تتطلب العمل والكد وتبادل المصالح. ولما حلت بينها روح الإخاء التي نشرها الإسلام، أمكن لقبائل المؤتلفة قلوبهم، والممتلئين بالحماس الديني، التحالف تحت لواء الدولة الإسلامية الجديدة وتوجيه أنشطتهم الدموية ضد الشعوب المحيطة، في غزوات وفتوحات لا يبدو أن الرغبة في نشر الدين كانت السبب الرئيسي لها.
ولما بويع عمر بن الخطاب، قام يحرض الناس على فتح العراق فقال: laquo;إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النُجعة ولا يقوى عليه أهلُه إلا بذلك. أين القراء المهاجرون عن موعد الله، سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموهاraquo;. (ابن خلدون، laquo;المقدمةraquo; ج١ ف ٢١). وكان عمرو بن العاص يبرر رغبته في غزو مصر بقوله لعمر بن الخطاب: laquo;إن فتحها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم وهي أكثر الأرض أموالا وأعجزها عن القتال والحربraquo;.
إذن فهدف الغزاة الأول، إن لم يكن الأوحد، كان في البداية هو الغنائم والنهائب والسلائب. وبما أن مصر laquo;فُتحت عنوةraquo; فإن التحول إلى laquo;مذهبraquo; الغزاة هربا من الجزية لم يكن يؤدي إلى الإعفاء منها، وإن ساعد علي التقرب من الغزاة والمشاركة في الغنائم (وإن كان المتحولون لا يدخلون المجتمع العربي بمجرد إسلامهم، بل كان عليهم أن يلتمسوا انتسابهم لإحدى القبائل العربية ـ laquo;وليّraquo; ـ ويدفعون ثمنا له). وفي مقولة laquo;الجزية أو الإسلام أو السيفraquo;، بقي الخيار الثاني غامضا لمدة قرن، إذ لا نعرف بالضبط مصير من laquo;أسلمraquo; ولكنه عجز عن دفع الجزية.
لكن بدءا من حوالي ٧٤٥ أصبح كل من laquo;يصلي بصلاة السُنّة وكل من يتخلي عن دينه لا تؤخذ منه بعد جزيةraquo;. وقُدّر من دخل الإسلام وقتها بسبب ذلك القرار في مصر وأعمالها بأربعة وعشرين ألف إنسانا خلال سنتين. ولكن التحول كان يمثل مشكلة للحكام إذ يكبد خزانة الدولة الخسائر بحرمانها من الجزية، فكانوا يلجئون لتحصيل الجزية المضروبة على القرية بغض النظر عن تحول بعض السكان، مما يعني تلقائيا زيادة العبء على الباقين مما يؤدي لتسارع عملية التحول...
ومراجعة لبعض المحطات على مسار التحول تبين أن قرب نهاية عصر الأمويين، جاء الخليفة مروان لمصر وأمر بأن laquo;كل من لا يدخل ديني ويصلي صلاتي ويتبع رأيي من أهل مصر قتلته وصلبته، ومن دخل معي في ديني خلعت عليه وأركبته وثبّتُّ اسمه في ديواني وأغنيتهraquo;، فتبعه ألف إنسان سريعا وصلوا صلاته. وفي بداية عصر العباسيين، أمر الخليفة عبد الله (السفاح) laquo;أن كل من يصير على دينه ويصلي كصلاته يكون بغير جزية. فمن عٍظم الخراج والكلف عليهم أنكر كثير من الأغنياء والفقراء دين المسيحraquo;. ومع نهاية القرن التاسع laquo;كان الإنسان الفقير الذي يعجز عن أن يجد قوته يؤخذ منه ديناران، حتى ضج أهل مصر من عظم هذا العذاب وجحد كثير من النصارى دينهم لأجل قلة ما بيدهمraquo;. وفي نهاية القرن الثالث عشر قرر السلطان الظاهر بيبرس laquo;أن يحفروا حفرة كبيرة ويجمعوا النصارى ويحرقوهم فيها، لأنه لا يريد في دولته ديوانا نصرانياraquo;. وأخيرا سمح laquo;بأن من أسلم منهم يبقى في الخدمة ومن امتنع ضربت عنقه. فخرج الأمير بيدر إلى الكُتّاب وأخبرهم، فأسلموا جميعا وكتب شهادات عليهم ودخل بها للسلطانraquo;. وبالطبع كان من يدخل الإسلام بالخطأ (كأن يتفوه بغير قصد) أو تحت ضغط ثم يحاول الرجوع، تدق عنقه.
يضاف إلي العوامل السابقة تدهور أوضاع الكنيسة تحت وطأة الضربات المستمرة: الاستيلاء على أوقاف وموارد الكنيسة؛ فقدان الفئات المعفية من الجزية امتيازاتها وجمع الجزية من الرهبان (والإكليروس) وانهيار مؤسسة الأديرة؛ عدم كفاية الكنائس لانعدام العمارة؛ التدهور الفكري والروحي للإكليروس وعدم القدرة على القيام إلا بالحد الأدنى للدور الديني.
ولا شك أن انتشار اللغة العربية، حوالي القرن العاشر، قد ساعد علي زيادة التحول. وإذ بدأ القبط يتعاملون ويُصلّون بالعربية، استُعملت في الترجمات بعض المصطلحات الإسلامية (مثل اعتبار أن laquo;اللهraquo; يساوي laquo;الإلهraquo; كما يفهمونه)، الأمر الذي ربما سهّل عملية laquo;العبورraquo; إلى الإسلام لمن ضعفت عندهم العقيدة، وخاصة بين من أعياهم الإذلال والاضطهاد المستمر أو من وجدوا أن التحول هو الطريق الوحيد لاختراق حواجز التمييز وفتح أبواب التسلق المجتمعي.
وبرغم كل ما سبق، يبدو أن laquo;المسيحيينraquo; كانوا يشكلون أكثر من نصف سكان البلاد حتى نهاية الدولة الفاطمية. وبعدها تسارعت عملية التحول، لتصبح laquo;جماعيةraquo; في أيام المماليك (انظر أعلاه).
تاسعا: محاولة الاستيقاظ:
كانت البداية المترددة مع الحملة الفرنسية، بما أتت به من أفكار ومبادئ جديدة، وبرغم استمرار معاناة الأقباط بسبب laquo;السياسة الإسلاميةraquo; لبونابرت.
أما جهود اليقظة الحقيقية فقد بدأت في ظل سياسات التحديث والتغريب التي قام بها سعيد باشا والخديو اسماعيل. وقد صب الأنبا كيرلس الرابع (أبو الإصلاح) جهده في مجال التعليم فأنشأ مدرستين قبطيتين (مفتوحتين للجميع)، وجدد فيهما تعليم اللغة القبطية بعدما كادت تندثر، وأتى بكبار المعلمين المصريين والأجانب. وأنشأ دارا للطباعة أنتجت كثيرا من كتب الدين والتاريخ والأدب. بل حاول تعليم البنات برغم المقاومة. وتبعه على نفس الخطى الأنبا كيرلس الخامس الذي أنشأ ثلاث مدارس جديدة واعتنى بالأديرة (أصبح هناك في بداية القرن العشرين سبعة عامرة، بها بين أربعمائة أو خمسمائة راهب) وبنشر الكتب، وحث الرهبان على الدرس والقراءة وفتح لهم مدارس في الأديرة، وفي أيامه ارتفعت نوعا درجة الإكليروس في العلوم والمعارف. وساعد الحكام المستنيرون بوهب الأطيان للمدارس كأوقاف. وقد ساهم في اليقظة بشكل بارز ما قامت به البعثات التبشيرية الأجنبية من نشر المدارس في أنحاء البلاد، وما شكلته من laquo;منافسةraquo; وعظية وعقيدية حفزت الكنيسة القبطية على تطوير نفسها.
وفي أجواء التحديث، وبمساعدة حكام وقوى سياسية مستنيرة، نفض الأقباط تراب العزلة سريعا وانخرطوا في المشاركة السياسية، التي وصلت لقمتها مع ثورة ١٩١٩ وما تلاها من laquo;فترة ليبراليةraquo; قصيرة قبل هجمة الأفكار الفاشية. ولكن تلك المشاركة توقفت بعد ١٩٥٢ تماما.
إذن فإن فترة المائة سنة، التي سنطلق عليها laquo;الـمُذهّبةraquo; (وليست laquo;الذهبيةraquo;)، ما بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، تبدو للأسف ـ ونتمنى أن نكون مخطئين في هذا الزعم ـ كمجرد استثناء تاريخي، عادت بعده مصر والأقباط لما كانت وكانوا عليه قبلها: مصرُ كدولة ثيوقراطية (إسلامية) عسكرية، أقرب نموذج لها هو الفترة المملوكية العثمانية؛ والقبط كطائفة (أو جالية) لا مكان لمواطنة أبنائها (على أساس المساواة التامة) في دولة تقوم على الدين والإخاء في الدين.
وبالطبع فهذه الفترة laquo;المذهبةraquo; قد شابها الاحتلال البريطاني. ولسنا هنا في مجال المقارنة بين أنواع الاحتلال، ولكن النظرة العادلة ستبين أن الآثار الضارة laquo;للبريطانيraquo; لا تقارن بما جرّه على مصر laquo;العربيraquo; وتوابعه؛ بل إنه كان عامل توحيد لكافة فئات الشعب حول قضية laquo;وطنيةraquo; محورية بصورة لم تحدث قبله منذ قرون، ولا بعده حتى الآن.
وقد ساعدت موجات هجرة الأقباط للخارج في الثلث الأخير من القرن العشرين على بزوغ تيار استيقاظي إحيائي جديد يركز على العمل الحقوقي في سبيل الحصول على حقوق المواطنة الكاملة في وطنهم. لكن بعد ولادته على أيدي مجموعة صغيرة من laquo;الرواد الملتزمينraquo;، دخل الساحة (في مصر والمهجر) عددٌ من laquo;النشطاءraquo;، بينهم من يتسم بالأخلاص والجرأة والحكمة، الذين اختلط بينهم بعضٌ من هواة الضجيج الأجوف، أو من الباهتين الباحثين عن دور وضوء، أو من الانتهازيين الساعين لمنفعة ـ ناهيك عن محاولات الاختراق والتطويع والتجنيد التي تقوم بها أجهزة الدولة باستماتة غريبة (وبكثير من النجاح...) بهدف وأد أي عمل قد يساعد على وصول الأقباط إلي هدفهم المتواضع. لذلك فإن تلك الحركة تعيش الآن في مرحلة الصخب قليل التأثير.
ومن ناحية أخري، فإن الأغلبية الكبيرة من الأقباط ـ في مصر والمهجر على حد السواء ـ عادت، بعد الحقبة laquo;المذهبةraquo;، لتُفضِّل الانكماش والانسحاب عن العمل العام، والاهتمام ـ ربما بدافع غريزة البقاء ودروس التاريخ التي لا تبعث على التشجيع ـ بالمسائل المعيشية أو laquo;الكنسيةraquo;. وأحيانا يحاول البعض الاقتراب من العمل العام بالقدر الذي تمليه عليهم مصالحهم الشخصية أو التزاماتهم الذمية...
على أي حال فإن تلك الجهود الاستيقاظية الإحيائية تبقي، قبل كل شئ، بدون مردود سياسي بسبب إغلاق القوى الحاكمة، المتحالفة مع laquo;الشارع الإسلاميraquo;، الباب بالضبة والمفتاح أمام مواطنة الأقباط ومشاركتهم السياسية، ولتمسُّك ذلك laquo;التحالفraquo; بنموذج دولة laquo;الثيوقراطية العسكريةraquo;، الذي قد يتحول قريبا إلى laquo;ديموقراطية ثيوقراطية فاشيةraquo; (!) على أيدي قوى laquo;الجهادraquo; المستعدة لاستلام الحكم..
عاشرا: استنتاج عام:
تاريخ القبط تحت الحكم العربي الإسلامي هو، بصفة إجمالية، كتابٌ أسود، تتخلله بضع صفحات رمادية فيها قليل من السطور المضيئة. وهذه laquo;السطور المضيئةraquo; لم نعثر لها على أثر واضح فيما طالعناه، ولكننا لا نريد إغلاق الباب أمام احتمال وجودها!
قد يبدو هذا الاستنتاج العام متشائما، إن لم يكن مبالغا فيه. لكن من يقرأ المقتطفات التي قدمناها لصفحات التاريخ (والتي لا نجد سببا يشكك في مصداقيتها) وغيرها من مصادر، لا يسعه، إن كان أمينا مع نفسه وضميره وغيره، وإن ابتعد عن دواعي التملق السياسي (political correctness)، أن يصل لغير هذا الاستنتاج.
ويحلو للبعض التغنى بمقولات laquo;حُسن معاملة القبط وتسامح الحكم العربي الإسلامي معهمraquo;، ويعطون دليلا لهذا أنه laquo;لم يتم القضاء عليهم تماما، بالسيف أو بالتحويل القسريraquo; (!). إلا أن laquo;بقاءهمraquo; حتى الآن كأقلية laquo;صغيرةraquo; ليس، في الحقيقة، سوى دليل دامغ (في تناسب عكسي) علي laquo;كِبَرraquo; حجم الجريمة التاريخية التي مورست ضدهم. ولعل أحد أسباب السماح بترك من تبقى منهم هو تلك الرغبة السادية في الإبقاء دائما على من يمكن التمتع بإذلالهم، والتلذذ بممارسة أساليب الدعوة القسرية وبرؤية (وأخذ ثواب) دخولهم الدين الحق.
ويحلو للبعض أيضا (وكأنهم يقولون laquo;لا أحد أفضل من غيرهraquo;)، إختراع حكايات لا أساس لها عن قيام المسيحيين المصريين، بعد أن laquo;قويت شوكتهمraquo; من القرن الخامس، laquo;باضطهاد أتباع الديانات الفرعونيةraquo;، ودليلهم الأثير على هذا الزعم هو قصة مقتل laquo;هيباتياraquo;. ونكتفي بالقول بأن هذه الحادثة، على افتراض صحتها، تبقى أمرا استثنائيا، يؤكد بندرته القاعدة العامة بعدم إجبارهم أحدا علي اعتناق ديانتهم.
*******
خاتمة
كان الدافع الرئيسي وراء إعداد هذه الدراسة، وما تطلبته من غوص مؤلم في كتب التاريخ، ما لاحظناه من أن محاولات إرساء قواعد المواطنة في مصر على أسس المساواة التامة، وما تقوم به جماعات من مثقفين تقدميين، وإنسانيين منصفين، ووطنيين باحثين عن مشروع laquo;قومي مصريraquo; من جهود مخلصة، تبدو كلها كصوت صارخٍ في البرية، لأن الحكام ومعظم فئات الشعب والتيارات السياسية لا يرون سببا أو ضرورة لهذا! لذا وجدنا من الضروري الرجوع للوراء ومحاولة فهم الخلفية التاريخية، التي بدونها يستحيل معرفة العقبات ومتطلبات النجاح.
إذن ليس القصد هو laquo;إثارة الأحقادraquo; أو laquo;إيقاظ الفتن النائمةraquo;. وليس القصد أخذ المحدثين بجريرة الأقدمين أو laquo;معاقبتهمraquo;. وسواء كان المصري المسلم اليوم مسلما لأن أجداده اعتنقوا الدين الوافد مع الغزاة عن اقتناع أو تحت ضغط مادي أو معنوي فالأمر لا يهم، لأن ما حدث قد حدث. وسواء كان المصري اليوم سليل قدماء المصريين أو تجري في عروقه دماءٌ وافدة أو مختلطة، فالأمر لا يهم أيضا ـ طالما كان انتماؤه (وليس فقط جواز سفره!) مصريا. وليس القصد، حتى، أن يعتذر أحدٌ عما حدث في الماضي؛ فالاعتذار يتطلب قدرا من الرقي الحضاري ما زلنا بعيدين عنه..
بل ليس القصد من هذه الدراسة سوى:
١ـ لفت النظر إلى أهمية رؤية حقائق التاريخ كما هي، والكف عن العيش في الأكاذيب والأوهام التي تنفخ الذات وتنفي الآخر، تصطنع البطولات وتخفي الجرائم.
٢ـ التنبيه إلي ضرورة فتح laquo;دملraquo; الماضي وتطهير قروحه حتى يلتئم الجرح علي laquo;نظافةraquo;.
٣ـ دعوة القبط لإدراك أنهم يتحملون جزءا كبيرا من مسئولية ما حدث لهم ولمصر، وأن عليهم تفهم أسباب التدهور، وعليهم المشاركة بقوة وفاعلية في محاولات إعادة بناء مصر (laquo;الوطن الذي يعيش فيهم قبل أن يعيشوا فيهraquo;): وهي المحاولات التي يستحيل أن ينجحوا فيها بمفردهم، ولكنها لن تنجح بدونهم.
٤ـ دعوة المصريين للتصالح مع تاريخهم بكل ما فيه من آلام وآمال، والخروج بدروس قد تساعدهم على بناء مستقبل laquo;أكثر إشراقاraquo; (أو حتى laquo;أقل ظلاماraquo;!) لوطنهم. وأول الدروس وأهمها هو حيوية laquo;تغيير وتصحيح مسار مصرraquo; عن طريق laquo;علمنتها وتحديثهاraquo;، بكل ما تعنيه هذه العبارة من معان، وتحريرها من وضعها كإيالة في الدولة الإسلامية الكبرى.
فهل من مستجيب؟