في لحظة تاريخية حاسمة يمر بها العالم اليوم، حيث تتحرك القوى العالمية في اتجاهات متضاربة، يبدو أن المستقبل قد يشهد إنفاقًا متزايدًا على الصراعات والحروب بعيدًا عن التنمية وبناء الإنسان، مما يثير تساؤلات عميقة حول مصير الاستقرار الدولي. يدور حديث هذه الأيام في مجالس السياسيين والاقتصاديين عن طبيعة هذه التحولات السريعة التي تجعل التنبؤ بالحروب المستقبلية أمرًا صعبًا، لكن من الممكن استشراف بعض التوترات المحتملة بناءً على الديناميكيات الحالية، بينما تظل الدول الفقيرة عالقة في عجلة الزمن أمام هذه التحديات، حيث يتنافس السياسة والاقتصاد في سباق قد ينتهي إما بحروب مدمرة أو بارتفاع الأسعار الذي يزيد من معاناة الشعوب. في هذا السياق المضطرب، تبرز نقاط ساخنة عديدة قد تتحول إلى صراعات شاملة تهدد الاستقرار العالمي، مثل التوتر بين الصين وتايوان الذي يتصاعد بشكل ملحوظ مع تصريحات الرئيس الصيني شي جين بينغ الأخيرة التي تدعو الجيش للاستعداد لحرب شاملة، وزيادة المناورات العسكرية في مضيق تايوان التي قد تشعل مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وحلفائها، أو التوتر المستمر بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، حيث يشير وصول 12 ألف جندي كوري شمالي إلى روسيا للقتال في أوكرانيا إلى تعاون عسكري قد يمتد لشبه الجزيرة الكورية، مع دعم روسيا والصين للشمال والولايات المتحدة والغرب للجنوب، مما يبقي المنطقة في حالة تأهب دائم. ولا يقتصر الأمر على آسيا، ففي أوروبا تلوح في الأفق مخاطر صراعات بين روسيا ودول البلطيق، بينما تشهد الحدود بين الهند والصين توترات متكررة، وفي الشرق الأوسط تتصاعد المواجهات المحتملة بين إيران وإسرائيل أو حلفائها، وكل هذه النقاط تحمل جذورًا تاريخية وسياسية وعسكرية معقدة تتأثر بالتوازنات العالمية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستتحول هذه التوترات إلى حروب شاملة، أم ستتمكن الدبلوماسية من احتوائها؟ الجواب يبقى معلقًا، لكن ما هو مؤكد أن العالم يمر بتحولات كبيرة تتطلب رؤية سياسية حكيمة وقيادة دبلوماسية فعالة أكثر من أي وقت مضى.

وسط هذه الاضطرابات العالمية، يبرز الصراع الإسرائيلي الفلسطيني كأحد أبرز النماذج التاريخية التي قد تساعدنا في فهم كيفية تفاعل التوترات مع السياقات الاقتصادية والسياسية الأوسع، فهو صراع يمتد لأكثر من قرن منذ وعد بلفور عام 1917 وتأسيس إسرائيل عام 1948، مر بمراحل من الحروب الكبرى في 1948 و1967 و1973، والانتفاضات الشعبية في 1987 و2000، ومحاولات السلام مثل اتفاق أوسلو 1993 وكامب ديفيد 2000، لكنه ظل عالقًا في حلقة من العنف المتقطع والمفاوضات الفاشلة، مما يعكس تعقيد التوازنات التي تشكل الصراعات الحديثة. التاريخ يظهر أن هذا الصراع لم يُحسم عسكريًا أو سياسيًا بشكل نهائي، فقد حققت إسرائيل تفوقًا عسكريًا وسيطرت على أراضٍ واسعة، لكن المقاومة الفلسطينية استمرت عبر أشكال متنوعة كالمنظمات المسلحة والضغط الدبلوماسي، بينما لعبت القوى الخارجية، من بريطانيا سابقًا إلى الولايات المتحدة حاليًا، دورًا حاسمًا في تعزيز هذا الجمود، غالبًا لصالح إسرائيل، مما جعل الحلول المتوازنة بعيدة المنال. واليوم، حتى مارس 2025، يستمر الاحتلال مع توسع المستوطنات في الضفة الغربية، مما يقلص فرص قيام دولة فلسطينية ذات سيادة، بينما تتكرر حروب غزة الدورية كما في 2014 و2021 دون تغيير جوهري، ويضعف التطبيع العربي عبر اتفاقيات أبراهام 2020 الموقف الفلسطيني إقليميًا، رغم دعم أوروبي متزايد للقضية لكنه يبقى رمزيًا أكثر منه عمليًا. هذا الواقع يتشابك مع التوترات العالمية الأوسع، حيث تؤثر الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين على سلاسل التوريد، وترفع التوترات في الشرق الأوسط أسعار النفط، مما يزيد من عدم الاستقرار الاقتصادي الذي يفاقم بدوره الصراعات السياسية، كما أن التقلبات الداخلية مثل الانقسام بين فتح وحماس أو صعود اليمين المتطرف في إسرائيل تعكس كيف يمكن للعوامل المحلية أن تعرقل أي تقدم نحو السلام، تمامًا كما تعيق الانقسامات الدولية بين القوى العظمى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا جهود التهدئة في النقاط الساخنة الأخرى.

وعند التفكير في المستقبل، يمكن استشراف سيناريوهات محتملة تربط هذه التحولات العالمية بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ففي المدى القريب يبدو استمرار الوضع الراهن هو الأكثر احتمالًا، حيث يحافظ الاحتلال على سيطرته الأمنية مع تصعيدات دورية في غزة أو الضفة الغربية، مدفوعًا بغياب إرادة دولية قوية لفرض حل وضعف السلطة الفلسطينية، وهو ما يعكس صعوبة احتواء التوترات العالمية الأخرى كصراع تايوان أو كوريا في ظل التنافس بين القوى الكبرى. لكن على المدى الطويل، قد يتحول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى حل الدولة الواحدة نتيجة توسع المستوطنات واستحالة تقسيم الأرض، سواء بديمقراطية متساوية صعبة التحقيق أو بنظام تمييز شبيه بالأبارتهايد، مدفوعًا بالنمو الديموغرافي الفلسطيني والضغط الدولي المتزايد، وهو سيناريو قد يجد صدى في نقاط ساخنة أخرى إذا تحولت إلى صراعات طويلة الأمد. أما حل الدولتين، رغم دعمه الدولي الواسع، فيبدو أقل احتمالًا حاليًا بسبب المستوطنات وانعدام الثقة، على غرار التحديات التي تواجه الدبلوماسية في احتواء الصراع بين الصين وتايوان أو إيران وإسرائيل، بينما يظل التصعيد الإقليمي الكبير، كحرب تشمل إيران وحزب الله، احتمالًا منخفضًا لكنه ممكن إذا ارتبط بالتوترات العالمية الأوسع، كما قد يحدث إذا تصاعدت الأزمة في مضيق تايوان إلى مواجهة عسكرية. هذه السيناريوهات تتأثر بعوامل مثل الديموغرافيا التي قد تجعل الفلسطينيين أغلبية بحلول 2040، والسياسة الإسرائيلية التي تهيمن عليها الآن تيارات اليمين المتطرف، والدور الأمريكي الذي قد يتغير مع إدارة جديدة، وتطور أساليب المقاومة التكنولوجية، وكلها عوامل تجد نظيرها في الصراعات العالمية الأخرى حيث تلعب الديناميكيات الداخلية والخارجية دورًا مماثلاً في تعقيد الحلول.

في ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى دور فاعل للمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة في احتواء الصراعات، سواء في فلسطين أو في النقاط الساخنة الأخرى، حيث يمكن للدبلوماسية أن تلعب دورًا حاسمًا في حل النزاعات سلميًا وتعزيز التعاون الدولي، لكن نجاح ذلك يتطلب تجاوز التنافس بين القوى العظمى التي تزيد من تعقيد المشهد، كما يظهر في تأثير الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين على سلاسل التوريد أو تقلبات أسعار النفط بسبب التوترات في الشرق الأوسط، وهي عوامل تضاعف من عدم الاستقرار الاقتصادي العالمي الذي يؤثر بدوره على الصراعات السياسية. ولتحقيق الاستقرار الاقتصادي، يصبح من الضروري أن تعمل الدول معًا لتعزيز التجارة الدولية والاستثمار الأجنبي، سواء لتهدئة التوترات الاقتصادية الناتجة عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أو تلك المرتبطة بالنقاط الساخنة الأخرى، لأن الاقتصاد المضطرب قد يصبح وقودًا لمزيد من الحروب بدلًا من دعم التنمية. في النهاية، يبقى مستقبل العالم غير مؤكد، سواء في فلسطين حيث يشير التاريخ إلى استمرار حالة "لا حرب ولا سلام" مع عنف متقطع، أو في نقاط التوتر العالمية الأخرى التي تهدد بانفجار صراعات شاملة، لكن الأمل يظل معلقًا على قدرة الدبلوماسية والتعاون الدولي على احتواء هذه التحديات، فالتعاون الجماعي لتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي قد يكون السبيل الوحيد لتجنب عالم تهيمن عليه الحروب والأزمات، سواء بين النهر والبحر أو في أرجاء المعمورة.

وسط هذا الاضطراب، يبرز تساؤل أعمق: هل يكفي الاعتماد على الدبلوماسية وحدها، أم أن العالم بحاجة إلى نبي جديد يعيد بث روح السلام والمحبة بين البشر؟ ربما تكمن المشكلة في غياب صوت إنساني موحد يتجاوز الحدود والمصالح الضيقة، صوت يذكّر العالم بقيم الرحمة والعدل التي نادت بها الأنبياء عبر التاريخ، ففي زمن تتصاعد فيه ظلال الحرب، قد لا تكون الأدوات السياسية كافية لإنقاذنا من أنفسنا، بل نحتاج إلى نور يعيد توجيه البشرية نحو الوئام بدلاً من الصراع، وهو سؤال يترك لكل عاقل أن يتأمله في ضوء ما يراه حوله من عالم مضطرب يبحث عن خلاصه.