: آخر تحديث
"إيلاف" تستعرض مذكراته في سلسلة حلقات (11)

سمير خفاجي يوثّق اللقاء الأول بين فؤاد المهندس وشويكار

"إيلاف" من القاهرة: يُعتبر المسرحي الراحل سمير خفاجي أحد رواد ومؤسسي المسرح ليس فقط بأعماله الإنتاجية ولكن بمعاشرته للنجوم ورصده الدقيق لأحوال المسرح على مدار عقود وثقها في كتابه "أوراق من عمري" الذي أصدره قبل رحيله بمساعدة الفنان القدير محمد أبو داوود.
وتواصل "إيلاف" عبر عدة أجزاء سرد الحكايات كما رواها في مذكراته، ليسجل تأريخاً لمرحلة مهمة في مسيرة المسرح المصري، ويتحدث فيها عن علاقته بالنجوم والمواقف التي حدثت وأغربها ذاكراً الوقائع بأسماء أصحابها.

 

الحلقات السابقة من مذكرات المسرحي سمير خفاجي
الحلقة الأولى: سمير خفاجي يؤرِّخ المسرح المصري في أربعينات القرن الماضيالحلقة الثانية: سمير خفاجي العاشق لصوت "أم كلثوم": هكذا رحل نجيب الريحاني!
الحلقة الثالثة: سمير خفاجي يوثٍّق انطلاقة فؤاد المهندس وعلاقته بـ"الريحاني"الحلقة الرابعة: سمير خفاجي: بشارة واكيم مات حزناً من الجمهور!
الحلقة الخامسة: سمير خفاجي: بديع خيري رفض التعاون مع فؤاد المهندس!الحلقة الساددسة: سمير خفاجي: يوثِّق اللقاء الأول بين بليغ حمدي وعبد الوهاب
الحلقة السابعة: تحية كاريوكا تُلحِق الخسائر بفرقة المسرحي سمير خفاجيالحلقة الثامنة: سمير خفاجي: فؤاد المهندس وُلِدَ مجدداً على مسرح "ساعة لقلبك"
الحلقة التاسعة: "خفاجي" يوثّق أزمات المسرح مع انطلاقة التلفزيون المصريالحلقة العاشرة: سمير خفاجي يؤسس فرقته وينطلق إذاعياً

 

أقصر موسم..والسبب طمع تحية كاريوكا
كان العيد على الأبواب ولجأ إليّ أحد المتعهدين لتقديم مسرحية في العيد، ورفض فؤاد المهندس العمل في العيد فاخترت مسرحية قديمة تدعي (يا مدام لازم تحبيني)، وتعاقدت مع السيدة تحية كاريوكا على أن تعمل بها ووافقت نظير أجر 300 جنيه في الشهر، وبما أننا سنعمل 15 يومًا فقد اتفقنا على أن يكون أجرها 150 جنيه عن الفترة، ودفعت لها عربون 50 جنيها وبدأت البروفات في شقة شارع النمر وكان يقوم ببطولتها مع السيدة تحية كاريوكا محمد عوض وخيرية أحمد والدكتور شديد وأحمد الحداد ونبيلة السيد وكانت من إخراج عبد المنعم مدبولي، انتهينا من بروفات الفصل الأول والثاني وما أن بدأنا في بروفات الفصل الثالث إلا وفوجئت باختفاء السيدة تحية كاريوكا، حاولت الاتصال بها في المنزل أو عند أصدقائها بلا جدوى ولم يبق على العرض سوى ليلة واحدة، وكان عبد المنعم مدبولي يخرج الفصل الثالث بدون البطلة وأي ممثل يقف محلها حتى قبل العرض بليلةٍ واحدة. قال لي مدبولي إن إخراج المسرحية قد انتهى ولم تظهر البطلة ولابد من إيجاد بديل. لكن كيف نقدم بديلة واسم تحية كاريوكا كبيراً. وتساءلنا: "من الذي يستطيع الإقدام على هذه التجربة؟ تركني الكل في الشقة وحدي ومخي يكاد ينفجر كيف استطيع مواجهة هذا الموقف الصعب غداً والمسرحية مباعة لمتعهد وهو بالتالي لابد أنه قد باع كل تذاكرها، ظللت متيقظا طوال الليل أفكر بالعواقب التي ستحدث ليلة العرض وفي الساعة الرابعة صباحًا دق جرس التليفون وكان المتحدث المطرب عبد الغني السيد وكان صديقا حميما للسيدة تحية كاريوكا وزوجها فايز حلاوة وكنت قد سبق واتصلت به لأعرف أي خبر عنها لكنه أجاب بأنها مسافرة ولا يعلم عنها شيئاً. قال لي يا سمير تحية موجودة وعايزة 50 جنيه ضروري حتى تعمل غدا من أين لي بهذه الخمسين جنيه؟ قال لي ما أعرفش بيع نفسك المهم أن تحضر الخمسين جنيه حتى تستطيع العمل غدا، قلت له غدا! لقد أصبحنا غدا، قال اتصرف واعمل اي حاجة واغلق التليفون شل تفكيري كيف اتصرف في هذا الموقف والساعة الرابعة صباحاً، ظللت مستيقظا حتى الثامنة صباحا وذهبت إلى المتعهد وطلبت منه المبلغ فرفض أول الأمر، وظللنا في مناقشات اقتربت من الساعتين حتى استطعت ان انتزع منه المبلغ وأسرعت إلى منزل السيدة تحية واعطيتها المبلغ وطلبت منها أن تحضر إلى المسرح في الساعة الخامسة حتى تستطيع عمل بروفة على الفصل الثالث، فقالت متقلقش ذهبت إلى المسرح مع جميع الممثلين لعمل البروفة ولكنها لم تحضر والكل في شدة التوتر حتى حضرت السيدة تحية وهي تعتذر أن الكوافير عطلها، لم يكن الوقت بالطبع كافيا لعمل البروفة وفتحنا الستار وكان جمهورًا غفيرًا جدا، قدمنا الفصل الأول وفي الاستراحة كان الاستاذ مدبولي والملقن يحاولان تحفيظ السيدة تحية الديالوج والحركة، كذلك فعل في الاستراحة بين الفصل الثاني والثالث وفي الفصل الثالث كان كل الممثلين يحاولون تلقينها الديالوح بالإضافة للمقلن الذي كان يلقنها الكلام والحركة في نفس الوقت حتى انتهي العرض بسلام.

 

الغاء العرض
فتحت المسرحية ليلة وقفة العيد وقدمنا أول أيام العيد حفلة، وفي ثاني أيام العيد والمعروف دائما أن ثاني أيام العيد هو أهم الأيام اكتظت الجماهير في صالة المسرح فلم يكن هناك موضع لقدم، وحتى التاسعة والنصف وهو موعد فتح الستار لم تحضر السيدة تحية انتظرنا حتى العاشرة ولكنها لم تحضر وبدأ الجمهور يفقد شعوره وجمهور العيد من الصعب جدا السيطرة عليه وتجمهر عدد كبير على شباك التذاكر فاضطررت إلى الذهاب إلى كشك سجاير بميدان العتبة لاستعجل السيدة بالتليفون، لم أشأ أن استعمل تليفون الشباك مخافة أن يسمعني أحد من الجمهور فتصبح كارثة طلبت الرقم فرد زوجها فقال أنها تريد 50 جنيها فورا، كيف ونحن لم نعمل سوي يومين فقط قال انها ستتقاضي مبلغ الشهر كاملا سواء اشتغلنا 15 يوما أو شهرا كاملا، ليس هذا ما اتفقنا عليه قال هو كده، هات المبلغ وهي هتنزل معاك طب تيجي المسرح وبعدين نتفاهم طالت المكالمة أكثر من ربع ساعة ووجدت خلفي أشخاص ثلاثة أو أربعة منتظرين يريدون التليفون يا أستاذ خلصنا، يا أستاذ دي مش أصول، انتهت المكالمة ولم استطع اقناعه رجعت إلى المسرح فوجدت عالم كثيرة على الشباك يرجعون التذاكر ويستعيدون نقودهم وعلمت ان مدير المسرح الاستاذ وحيد الشناوي قد خشي من تكسير المسرح وهو مسرح حكومي فقد أعلن للجمهور إلغاء العرض.
في اليوم التالي ذهبت إلى المسرح مبكرا فوجدت السيدة تحية كاريوكا في حجرتها تستعد للعرض وتعمل مكياجها ومعها الاستاذ عبدالغني السيد، حسبتها سريعا في تفكيري فوجدت أن العمل لا يمكن أن يستقيم في هذا الوضع وخصوصا ان هذه آخر ليالي العيد، وأني بقبولي العمل سأخسر خسارة كبيرة فدخلت مندفعا إلى حجرة السيدة تحية كاريوكا وأخبرتها ان العمل قد انتهي وأننا لن نواصل العرض، قال لي الاستاذ عبد الغني السيد هذا جنون، قلت له أن الجنون الأكبر هو استمرار العرض ولم أكن أدري أني بقرار إنهاء العرض في هذه الليلة أني أسدلت الستار عن هذه الفرقة نهائيا.

 

 

مسارح التلفزيون..
بعد أن أغلقت مسرحية (يا مدام لازم تحبيني) هذا الغلق المُفاجِئ عشت فترة قلق فقد نتج عن هذا الغلق تراكم ديون كثيرة على ومشاكل مع المتعهد كان لابد من حلها فبدأت التركيز في الكتابة للإذاعة حتى أتمكن من سداد هذه الديون، فكنت من العاشرة صباحا أتواجد في القهوة عند وديع أكتب وبعد الظهر أكتب في شقة شارع النمر ورغم ذلك لم ينقطع تفكيري عن المسرح فلابد من إيجاد حل فأنا لم أتعود الفشل وإذا أصررت على شئ ظللت أعمل وأسعى على تحقيقه. وفي ذات يوم قابلت محمد يوسف وأمين الهنيدي اللذين أكدا لي أنهما لم يكن لهما دخلاً فيما حدث بموسم الإسكندرية وأن المخطط لكل ما حدث هو لطفي عبدالحميد (فتلة) وهذا ما كنت أحسّ به وقد صدق حدسي. كما علمت منهما أن السيدة تحية كاريوكا وزوجها فايز حلاوة بصدد تكوين فرقة مسرحية وإنهما سيعملان بها، وفعلا بعد فترة وجيزة تم افتتاح فرقة تحية كاريوكا وقدمت مسرحية باسم (بلاغ كاذب) وكان من ضمن المشتركين بها أمين الهنيدي ومحمد يوسف ولم تلاق نجاحاً ملحوظا، ولكن الفرقة قدمت بعد ذلك مسرحية الأستاذ جليل البنداري (شفيقة القبطية) ونجحت نجاحاً كبيرة وكان أمين الهنيدي يقدم فيها شخصية من أجمل الشخصيات التي قدمها في حياته وهي شخصية الشيخ حسن الضرير المقبل على الحياة الذي يحلّ أي مشكلة بطريقته الخاصة، ولكن لسوء الحظ حينما سجلها التلفزيون لم يسجلها هو. إذ أن أفراد الفرقة علموا ومنهم محمد رضا ونبيلة بقرب تسجيل المسرحية فاختاروا أمين الهنيدي للتفاوض مع الأستاذ فايز حلاوة. ويبدو أن خلافاً ماديا حدث بينهما. ففي يوم التسجيل كانوا يعرضون المسرحية حفلتين ماتينيه وسواريه، وقد أدي أمين الهنيدي دوره في حفلة الماتينيه وبينما هو يستعد لحفلة السواريه دخل الاستاذ عبدالغني قمر حجرة الأستاذ أمين الذي ظن أنه زميل جاء لتهنئته على نجاه في الدور ولما طال الوقت أضطر أمين الهنيدي أن يقول له باقي على العرض أقل من نصف ساعة ولابد أن استعد فإذا بالإستاذ عبدالغني يقول أنه هو الذي لابد أن يستعد لأنه سيؤدي الدور في حفلة السوارية وسيقوم بتسجيله، انهار أمين الهنيدي وخرج في الشارع لا يدري أين يذهب فاتجه إلى قسم البوليس وحرر محضرا بالوقعة ولكن ما خفف عنه هذه الواقعة ان المخرج محمد سالم صور فيلما بعنوان (منتهي الفرح) وجمع فيه اغلى نجوم الغناء في مصر بدءا من مها صبري وصباح وفايزة أحمد وفريد الأطرش حتى الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب، وكان يقوم ببطولة الفيلم أمين الهنيدي وقدّم فيه شخصية الشيخ حسن. فنشرت الصحف أخباراً عن نية التلفزيون المصري بعمل مسرح التلفزيون وقام صراع بين وزارة الثقافة المفروض أنها الأم الشرعية للمسرح وبين وزارة الإعلام التي تريد إنتاج مسرحيات حتى تغطي إرسالها، وتم الإعلان عن افتتاح مسرح التلفزيون وأصبح حقيقة واقعة.

مرحلة جديدة
بدأ مسرح التلفزيون يضم مجموعة كبيرة من خريجي معهد التمثيل وجزءاً كبيراً من خريجي الجامعة وطلبتها، وهؤلاء عينوا كموظفين، وكانت مرتباتهم تترواح بين 25 و 30 جنيها، بالإضافة أن مسرح التلفزيون استعان بكبار نجوم المسرح وكانت أجورهم التي حددها التلفزيون كبيرةً جداً، إذا كان النجم يتقاضي 400 جنيه نظير البروفات وعرض 15 يوما فقط، وإذا تخطى عرض المسرحية هذه المدة كان النجم يتقاضى 10 جنيهات في الليلة الواحدة وهذا مبلغ كبير جداً في بداية السينيات. 

افتتح مسرح التلفزيون في 12فبراير 1962 على مسرح الهوسابير، وقدم في موسمها الأول أربع مسرحيات (شيء في صدري) قصة الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس واعدها للمسرح أنور فتح الله وأخرجها نور الدمرداش وقام ببطولتها الأستاذ حمدي غيث والسيدة زيزي البدراوي والسيدة نعيمة وصفي والاستاذ صلاح ومنصور والسيدة زوزو ماضي وقدمت كل من الوجوه الجديدة كل من أنور رستم وجمال اسماعيل، فؤاد أحمد، سميرة البدوي، رشوان توفيق، عزت العلايلي، حمدي أحمد، صلاح قابيل، ونبيل الزقزوقي، ماجدة على.
وتبعتها مسرحية أرض النفاق قصة يوسف السباعي وإعداد أمينة الصاوي وإخراج الأستاذ حمدي غيث، اشترك في تمثيلها الأستاذ نور الدمرداش والسيدة ليلي طاهر، عبد الوارث عسر وسامية رشدي.
ومن أعضاء فرق التلفزيون يوسف شعبان وعادل بدرالدين وحسن مصطفي وإبراهيم سعفان والسيد راضي وعبد المحسن سليم ونازك إسماعيل وجمال شبل. 

في مسرحية العش الهادي تأليف توفيق الحكيم التي قام يوسف إدريس بكتابة حوارها_ رغم إنها هي مسرحية أصلا وليست رواية_ وأخرجها كمال ياسين وقام ببطولتها الأستاذ عمر الحريري والسيدة برلنتي عبدالحميد والاستاذ محمد رضا والاستاذ كمال ياسين واشترك من اعضاء فرق التلفزيون بثينة حسن، عبدالعزيز غنيم، حسين الشربيني، عزالدين إسلام، رجاء سراج وأحمد عبدالحليم.

 ثم رائعة عبد الرحمن الشرقاوي (الأرض) إعداد السيدة أمنية الصاوي وإخراج الأستاذ سعد أردش وقام ببطولتها السيدة كريمة مختار، عبدالوارث عسر، وداد حمدي، سعد أردش، عبدالعزيز أبو الليل، عايدة عبد العزيز. واستعان الاستاذ سعد أردش بعدد كبير من أعضاء مسرح التلفزيون الذين أصبحوا بعد ذلك من كبار نجوم المسرح والسينما عزت العلايلي أبو بكر عزت، صلاح قابيل، حسن مصطفى، حمدي أحمد، فؤاد أحمد، جمال إسماعيل، عبدالمحسن سليم.

كان ظهور فرق التلفزيون حدثاً كبيراً، ولم تستطع أغلب الفرق الموجودة في هذه الفترة على قلتها المنافسة. فقد كانت المنافسة قوية لكون الأجور التي يدفعها التلفزيون للنجوم كبيرة لا تستطيع هذه الفرق دفعها. كما أن الإعلانات التي يعلن بها التلفزيون عن إنتاجه تحتل مساحة ضخمة من الجرائد والمجلات ومن المستحيل على هذه الفرق أن تتحملها، علاوة على قيمة التذكرة فقد كانت قيمة أغلى تذكرة في مسارح التلفزيون 25 قرشا أي نصف سعر التذكرة في الفرق الآخرى. أي أن مسرح التلفزيون تذاكر أرخص من تذاكر مسارح القطاع الخاص، علاوة على أن من يدير هذه الفرق الفنان الكبير الأستاذ سيد بدير وهو طاقة كبيرة يستطيع أن يعمل 24 ساعة في 24 ساعة دونما أن يكل، فما بالك بهذه الطاقة وعندها من الإمكانيات الفنية والمادية التي وفرها له التلفزيون بلا حدود.

لم تستطع فرقة المسرح الحر أن تستمر رغم أنها كانت في قمة إزدهارها وكانت قد بدأت في مسرحية روايات للكاتب الكبير نجيب محفوظ وقدمت له زقاق المدق وجزئين من ثلاثيته بين القصرين واستعانت بالفنانة الكبيرة فاطمة رشدي بعد احتجاب طويل في دور زبيدة العالمة، كما قدمت بعد ذلك قصر الشوق، قدمت كذلك مسرحيات لكبار الكتاب، الدكتور رشاد رشدي الذي قدمت له مسرحية الفراشة ومحمود السعدني ما وراء النهر وقدمت ما يشبه الأوبريت في مراتي بنت جن وقدمت أبطالها الذين أصبح لهم تأثيراً كبيراً في المسرح المصري أمثال سعد أردش وكمال ياسين ومحمد رضا وعبد المنعم مدبولي وتوفيق الدقن وعبدالحفيظ التطاوي.

ورغم نجاحها فقد كانت بالكاد تغطي مصاريفها رغم أن كل أعضائها كانوا يقدمون رسالة وكانوا لا يتقاضون أجورا وكانت السيدات اللاتي يعملن معهم هم فقط الذين يتقاضون أجورا، لم تستطع الفرقة الاستمرار فتوقفت عن العمل وعمل أغلب أعضائها في مسارح التلفزيون ما بين التمثيل والإخراج.
كذلك توقفت فرقة أنصار التمثيل رغم قصر مواسمها وبطبيعة الحال كانت الفرقة الوليدة التي كونتها لم تستطع الصمود، ولم يستمر العمل غير فرقة الريحاني وفرقة اسماعيل ياسين وفرقة تحية كاريوكا التي كانت في خطواتها الأولى.

حاولت أن أجد لي مكانا في مسارح التلفزيون وكان أملي أن تنضم الفرقة بكاملها إلى مسارح التلفزيون كفرقة مستقلة، أسوة بفرقة رضا، فقد بدأت فرقة رضا بعد أن قدمت مصلحة الفنون والتي كان يديرها الأستاذ الكبير يحيى حقي عرضها الرائع (يا ليل يا عين) الذي كان قوامه على رضا وفريدة فهمي ومحمود رضا وإخراج الأستاذ زكي طليمات، أغراهم النجاح المذهل الذي حققه العرض بتكوين فرقة رضا للفنون الشعبية فكانت أول فرقة للفنون الشعبية وقدم هذا الثلاثي عروضا بالاشتراك مع الفنان الكبير على اسماعيل الذي يقوم بتلحين استعراضات الفرقة. وقدمت عروض لأول مرة على مسرح سينما رمسيس، وبعد ذلك قدمت موسما في الإسكندرية على مسرح اللونا بارك. فانضمت الفرقة إلى التلفزيون كفرقة مستقلة في كل شئ إلا أنها تتبع التلفزيون.

وكان كلي أملي أن تكون فرقتي تابعة لمسرح التلفزيون رغم علمي بصعوبة تنفيذه لأن فرقة رضا وضع مختلف فهي متفردة فيما تقدمه. ولكني ذهبت وقابلت الأستاذ سيد بدير وعرضت عليه الفكرة ولكن بإدارة مستقلة كفرقة رضا، وطلبت مقابلة الأستاذ سيد بدير مستشار التلفزيون لفرقة المسرحية وعرضت عليه الفكرة. ولكنه قال أن المقارنة بفرقة رضا غير جائزة. ففرقة رضا فرقة متفردة فيما تقدمه لأنها أولاً فرقة للفنون الشعبية، أما فرقتنا فهي فرقة مسرحية والتلفزيون مكوّن فرق مسرحية، فليس هناك داع للإرتباط بفرقة قائمة فعلاً. ولكنه لم يقطع الأمل نهائياً، بل قال على العموم سأبحث ذلك الأمر وإذا فرض ووافق عليه فإن ذلك يحتاج مدة طويلة.

قال لي لماذا لا تكتب مسرحيات لفرق التلفزيون القائمة حتى يبت في هذا الطلب بالرفض أو القبول، من ناحيتي أنا كنت شرعت في كتابة مسرحية أنا والاستاذ محمد دوارة وسميناها أصل وصورة، وهي من أربعة فصول أنجزنا ثلاثة منها فطلب مني سرعة تقديمها للجنة للقراءة وفعلاً قدمت الفصول الثلاثة للجنة واشرت أننا لم ننته بعد من كتابة الفصل الرايع. وظللت أنتظر النتيجة ولكن بدون جدوى.
ترددت على مكتب الأستاذ سيد مرات وأنا أحس بألفة كبيرة وتقارب بيني وبينه وفي كل مرة ألتقي به يزداد التقارب بيني وبينه، وكان يجري التدريبات لتقديم الموسم الصيفي أي الموسم الثاني لفرق التلفزيون التي زادت في هذا الموسم. فبعد أن كانت ثلاث فرق أصبحت ستة، ستقدم شجرة مظلمة والطرق المسدود والشوارع الخلفية واللص والكلاب والمفتش العام والسكرتير الفني.
وما يهمني هنا هو المسرحيتين الأخيرتين، فالمفتش العام التي كتبها الكاتب الروسي الكبير جوجول كثيراً ما كان فؤاد المهندس يلحّ علي في تقديمها بفرقتنا. وكنت بدأت أفكر في تقديمها فعلاً، لولا موقف الفرقة وأعلن عن تقديمها في فرق التلفزيون وكان يقوم بدور البطولة فيها الأستاذ أبو بكر عزت. وفي أثناء البروفات كُسِرَت رجل الأستاذ أبو بكر وكنت عند الأستاذ سيد وهو يبحث عن بديل فانتهزت الفرص واقترحت بأن يقوم فؤاد المهندس بأداء الدور، فوجدت منه نفورًا وقال إذا لم يكن هو فهو يفضل إسناده لنجم كعمر الحريري، الحقيقة أني لم أجد ما أرد به على الأستاذ سيد، فسكت. وتكلمنا في أمور آخرى.

 

 

أما المسرحية الثانية فهي السكرتير الفني الذي كتبها الأستاذان بديع خيري ونجيب الريحاني وهي مقتبسة عن مسرحية الكاتب الفرنسي الكبير مارسيل بانيول ولم يقدمها نجيب الريحاني باسم السكرتير الفني أبدا، فد أطلق عليها عدة أسماء أولها (الجنيه المصري) ولم تصادف نجاحاً حين تقديمها. وكان الفصل الأول تدور أحداثه في حجرة الدراسة فاعاد تقديمها مرة آخري باسم (الأستاذ ياقوت) وياقوت هو ترجمة حرفية لاسم الرواية وجدد في أحداث الفصل الأول وجعل أحداثه تدور في حجرة المدرسين، ثم أعاد تقديمها باسم (الدنيا ماشية كدة). وفي رأيي أن الاسم الاول (الجنيه المصري) هو أنسب الأسماء لارتباطه الوثيق بأحداث المسرحية وفي كل مرة قدمها الأستاذ الريحاني لم تلاقِ النجاح المطلوب وكانت هذه المسرحية أول مسرحية قرأتها لنجيب الريحاني وبديع خيري. فقد كان لي خال بمدرسة طنطا الثانوية وكان في فريق التمثيل التابع للمدرسة وفي يوم حضر مع رئيس الفريق إلى القاهرة ليقابلوا الأستاذ الريحاني وطلبوا منه أن يعيطهم إحدى مسرحياته لتقديمها في نهاية العام الدراسي في مسرح المدرسة فأعطاهم هذه المسرحية وكان اسمها مازال الجنيه المصري. ولا استطيع أن اقول قرأتها بل أقول كدت أن اكون حافظاً لها، أما السكرتير الفني فهو الاسم الذي قُدمت به المسرحية في جمعية أنصار التمثيل والسينما. 

 



اللقاء الأول بين فؤاد المهندس وشويكار
المهم كانت المسرحية ستُقدم في فرق التلفزيون بطولة الأستاذ سيد بدير وتقوم بدور البطولة النسائية السيدة برلنتي عبدالحميد ويخرجها الأستاذ حمدي غيث، والذي حدث أن كلف الأستاذ سيد بدير بمهمة تستغرق وقتا طويلا في أميريكا فبحث عن من يقوم بدور ياقوت فلم يجد غير فؤاد المهندس كي يؤدي الدور وكان الأستاذ حمدي غيث سيقوم بإخراج المسرحية ولكنه لم يتمكن لإسناد إخراج مسرحية الشوارع الخلفية إليه وكان إن أسند الإخراج للأستاذ عبدالمنعم مدبولي في أول تعاون بينه وبين مسارح التلفزيون.
بدأت البروفات ولكن بطلة العرض السيدة برلنتي طلبت تعديلات كبيرة في التص الذي اعتبره الاستاذ مدبولي افتراء على النص، وأمام إصرارها اضطر الاستاذ مدبولي لتقديم طلب للاستاذ حسن حلمي مدير التلفزيون وكان يقوم بأعمال الأستاذ سيد في فترة غيابه، قابل مدبولي الاستاذ جسن حلمي وأخبره باستحالة التعاون بينه وبين السيدة برلنتي فلما سأله حسن حلمي عن البديل اقترح مدبولي اسم السيدة شويكار التي لم يكن يعرفها الأستاذ حسن حلمي، فقال له أنها فتاة مجتمع تهوي التمثيل وقد سبق لها العمل في مسرحيات قليلة في فرقة أنصار التمثيل واضطر الاستاذ حسن حلمي على الموافقة وكان هذا أول لقاء بين فؤاد المهندس وشويكار الذي امتد طويلاً بعد ذلك.

لما كنت أكاد أكون حافظا للمسرحية فقد أزعجني تغيير نهايتها فالمسرحية تدور حول ياقوت أفندي المدرس الغلبان في إحدي المدارس الأهلية وهو متمسك بالشرف والأمانة على غير صاحب المدرسة الذي يريد منه أن يخالف ضميره ويعطي درجات كبيرة لتلاميذ لا علاقة لهم بالعلم ليس إلا لإرضاء اهاليهم الذين يدفعون المصاريف لحضرة الناظر ويشاركه في الأمانة والاستقامة زميله الشيخ خميس، يقع ياقوت ضحية سيدة مجتمع خالة أحد التلاميذ وتطلب منه إعطائه دروسا خصوصية في المنزل وهناك يعرف أنها تقوم بصفقات مشبوهة مع رجل أعمال على علاقة به، يستدرجون ياقوت ويغدقان عليه أموالا كثيرة حيث يمضي العقود بحيث تقع عليه المسئولية كاملة إذا ما انكشف أمرهما، وينتبه ياقوت للشرك الذي وقع فيه ويبدأ العمل لحسابه حتى يصبح مليونيرا رغم تحذير الشيخ خميس المتمسك بالشرف والأمانة وتنتهي المسرحية حسب ما كتبها مؤلفها الأصلي مارسيل بانيول وما سبق أن قدمه نجيب الريحاني وبديع خيري أن يأتي الشيخ خميس إلى مكتب ياقوت الفخم فيحذره من مغبة الأعمال غير المشروعة فيجد ياقوت يكلم رئيس الوزراء ويعتذر له عن عدم استطاعته مقابلته إلا بعد أسبوع ويذهل الشيخ خميس ويتقدم ببطء من ياقوت ويقول له ألاقي عند شغلانة فاضية.


لهذا رأيت أن أنسب اسماء المسرحية هو الجنيه المصري فالمال يشتري أي شيء حتى الشرف وقوة المال جعلت الشيخ خميس يسقط من أجله، لكنه حينما قدمها مسرح التلفزيون غير النهاية وجعل أنه منذ اكتشف ياقوت الشرك الذي وقع فيع طهر نفسه وبدأ يعمل من جديد بشرف وأمانة بعد أن تخلص من الأموال التي جمعها بغير حق. وفي اعتقادي ان هذه النهاية السعيدة التي قد ترضي بعض الأفراد قد أضعفت من قيمة المسرحيةالتي حققت نجاحاً منقطع النظير، واعيد عرضها مرات كثيرة. وبفضلها اجتمع فؤاد المهندس وشويكار كأنجح ثنائي ظهر على خشبة المسرح المصري.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

  1. وفاة الفنان محمود القلعاوي
  2. نيكول سابا تُشعِل مواقع التواصل بكلفة الفستان المرصع بالألماس
  3. غادة عبد الرازق بين الغياب والظهور في السباق الرمضاني
  4. نائب لبناني يُهدد راغب علامة بقطع رأسه

فيديو

نادر الأتات: جديدي رومانسيّ والتعاون مستمرّ مع راغب علامة وعاصي الحلّاني
المزيد..
في ترفيه