هبة محمد علي من القاهرة: إشادات واسعة حصل عليها فيلم (باب الدنيا) لمخرجه "عبد الرحمن محمود" أثناء عرضه على جمهور مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، حيث يعد الفيلم ممثلا لمصر في مسابقة الأفلام التسجيلية الطويلة، ويتناول الفيلم قصة المخرج "محمد رمضان" ورفاقه الذين عثر على جثامينهم في فبراير ٢٠١٤ في جبال سانت كاترين، بعد أن هبت عاصفة ثلجية عنيفة أثناء رحلتهم فحولتها إلى مأساة كبيرة، تسببت في حزن كبير لكل من تابع القصة عن كثب، لكن المخرج "عبد الرحمن محمود" قرر من خلال فيلمه أن يوثق اللحظات الصعبة التي خاضها الضحايا قبل رحيلهم، من خلال الكاميرا الخاصة بهاتفه الشخصي، ورغم قلة الامكانيات، وصعوبة تنفيذ الفكرة، إلا أن جودة الصورة، ونقاء الصوت، وصدق الفكرة وتنفيذها بشكل إنساني، وبلغة سينمائية راقية كان أبرز ما لفت نظر الجمهور، وفي حوارنا معه سألناه عن سر تقديمه لتلك المأساة رغم مرور أكثر من ثماني سنوات على حدوثها، وعن الصعوبات التي واجهته أثناء التصوير، وعن محطات الفيلم المقبلة، ومشاريع المخرج المستقبلية، وإلى نص الحوار...


ما الذي دفعك لأن تكون تجربتك الإخراجية الأولى متعلقة بحادث وفاة المخرج الشاب "محمد رمضان" ورفاقه في رحلتهم إلى جبل (باب الدنيا) ولماذا انتظرت كل هذه السنوات ليخرج مشروعك إلى النور؟
في البداية تجدر الإشارة إلى أنني أعمل في مجال السينما كمهندس صوت، ولم أفكر في الإخراج يوما قبل هذا الفيلم، وما دفعني إلى تقديمه هو شعوري بأن هناك دين في رقبتي نحو "رمضان" ورفاقه، ولا سيما أنه كان زميلا لي
في معهد السينما ومخرجاً واعداً ينتظره مستقبل مشرق، أما سبب انتظاري كل هذه السنوات فيعود إلى تأثري الشخصي بما حدث، فقد هزني الحادث كثيرا، واستغرقت وقتاً طويلاً حتى أفيق من تبعاته، ولا سيما أنني كنت ضمن الفريق المسافر في تلك الرحلة، لكن انشغالي حال بيني وبين الموت، لذا قررت أن أخوض نفس الرحلة بشكل منفرد، لأوثق لحظاتهم الأخيرة، وما واجهوه من أهوال.

كم استغرقت من أجل إتمام عملية التوثيق تلك؟
ذهبت إلى سانت كاترين في رحلتين الأولى استغرقت ٣ أيام، استكشفت فيها الأمر، واستمعت إلى الأهالي وكل من قابل الضحايا في رحلتهم الأخيرة، وصنعت من خلال تلك الرحلة مادة فيلمية حوالي ١٨ دقيقة، أما الثانية فقد قمت بها بعد شهرين من رحلتي الأولى، وقررت أن أقوم من خلالها بتتبع المسار الصحيح للرحلة التي خاضتها المجموعة، وقد ساعدني في ذلك البدو الموجودين هناك.

بصفتك كنت قريباً من الأحداث وقت وقوعها، في رأيك لم سجل الحادث في الصحف وفي نشرات الأخبار باسم "محمد رمضان" تحديداً، رغم وجود ضحايا آخرين؟
"محمد رمضان" كان يذهب إلى سانت كاترين بشكل دائم في أعمال خيرية، حيث كان يقوم في المشاركة في قوافل الإعاشة التي تذهب للمناطق النائية، وبالتالي كان شخصية معروفة هناك، ويكفي أن أقول لك أن هناك ١٢٠ بدوي خرجوا تطوعياً للبحث عنه هو ورفاقه في محاولة العثور عليه، وقد كانت عملية البحث تتم في أجواء مناخية صعبة للغاية، وبها خطورة عليهم، أما السبب الأخر الذي جعل من اسم "رمضان" محفوراً في الأذهان هو أن العثور على جثمانه استغرق وقتاً طويلاً، فقد عثر عليه بعد ثلاثة أيام من البحث فوق قمة جبل الأرنب، حيث كان يحاول أن يلتقط إشارة لهاتفه حتى يتمكن من التواصل عبر الهاتف في محاولة منه للنجاة.

ولماذا لم تعرض صورهم خلال أحداث الفيلم حتى يتسنى للجمهور معرفتهم بشكل أوضح؟
قصدت ذلك كرد فعل مني على الانتهاكات التي حدثت لهم وقت رحيلهم، فقد عرضت صور جثامينهم في كافة البرامج ونشرات الأخبار، ونشرت في الصحف دون مراعاة لحرمة موتهم، بل الأدهى أن الصور استخدمت في مسلسل (القيصر) الذي لعب بطولته "يوسف الشريف" على أساس أنها صور لجثامين إرهابيين قتلوا في الصحراء، وعدم نشر أي صور لهم في الفيلم هو مجرد وسيلة اعتراض مني على الانتهاكات، لكني افكر أن أضيف للفيلم لوحة تحمل اسمائهم.


خلال الفيلم ظهر شاهد على قبر شخص يحمل اسم "محمود الجمل" توفي في سانت كاترين ٢٠١٨ ما الرابط بين الحادثين؟
"محمود" كان صديق مقرب من "محمد رمضان" وفي ٢٠١٨ ذهب إلى سانت كاترين لعمل فيلم عن الحادث، لكنه توفى مصعوقا بالبرق، فكان لا بد أن يكون جزءاً من القصة.

لماذا لم تتواصل مع أحد الناجين من الحادث، واقتصرت لقاءاتك مع الدليل ومع بعض البدو الذين التقوا بهم في أيامهم الأخيرة؟
بالفعل حدث تواصل بيني وبين أحد الناجين، لكني وجدت أن الأمر سينهكه نفسياً، وسيعيده خطوات إلى الوراء في رحلة تعافيه التي استمرت لسنوات، فتوقفت عن ذلك حتى لا أؤذيه.

المخرج الراحل محمد رمضان أثناء مساعدته في قوافل الإغاثة التي كانت تذهب إلى المناطق النائية

هل قرار تصوير الفيلم بالأبيض والأسود كان قرارك منذ البداية؟ وهل تم ذلك ليعكس حالة الفيلم؟
لم يكن قراري منذ البداية، لكني وجدت أن المكان في سانت كاترين بالألوان ساحراً، ويعكس حالة من البهجة لا تناسب الفيلم، فكان قراري بالتخلي عن الألوان واستخدام بالتة الرماديات.

قمت بتصوير الفيلم بكاميرا هاتفك الشخصي، وعمل المونتاج له، وإخراجه، فما دور المنتجة "هالة القوصي" منتجة الفيلم؟
ينظر إلى المنتج في بلدنا على أنه ممول فقط، وهو أمر غير صحيح، وكوني كنت المصور والمخرج والقائم على المونتاج فكنت أحتاج عين أخرى تنظر إلى العمل، خصوصا أنني كنت متمسكا بوضع لقطات تملكتني أحاسيس معينة عندما قمت بتصويرها، بينما كانت هذه اللقطات غير مفيدة دراميا، فكانت "هالة" خير معين في هذه النقطة، بالإضافة إلى أن الفيلم استغرق عامين في معالجة الصوت والصورة واستخدام الخدع والمؤثرات بأجهزة ومعدات باهظة الثمن وفرتها "هالة" كمنتجة، بالإضافة إلى حماسها وتشجيعها لي منذ عرض الفكرة.

ما خطتك للفيلم في المرحلة المقبلة؟
أرسلته إلى عدة مهرجانات ليشارك بها، وأبحث في أكثر من عرض لتوزيعه بحيث يعرض على الجمهور العام، كما أتمنى عرضه في أي مكان يرحب بعرضه، فغرضي من الفيلم ليس الحصول على الجوائز أو الربح التجاري، لكني أتمنى أن تصل قصة أبطاله إلى أكبر عدد من الجمهور، كما أحلم بتحويله إلى فيلم روائي.

وهل لديك مشاريع سينمائية أخرى؟
كل مشروعاتي السينمائية حتى آخر العام تتعلق بكوني مهندس صوت، لكن لدي فكرتين لفيلمين أعمل لخروجهما إلى النور قريبا، من بينهما مشروع لفيلم تسجيلي طويل مختلف عن السائد في الأفلام التسجيلية حاليا، حيث احلم أن أكون امتدادا للمدرسة التسجيلية المصرية التي انحسرت في العشرين سنة الأخيرة، والتي كان من روادها مخرجين منهم (على الغزولي، شادي عبد السلام، خيري بشارة، عواد شكري، سمير عوف)