بلغت كلفة بناء جدار برلين سنة 1961 نحو 400 مليون مليار مارك شرقي (35 مليون يورو اليوم)، ولم تزد كلفة الاسمنت الذي بني به على 25 مليوناً، لكن القطع التي بيعت منه كتذكارات بعد انهياره، فاقت هذا المبلغ. ومازالت ملايين القطع الصغيرة منه تباع للسيّاح في برلين.
ماجد الخطيب: احتفل الألمان يوم 9 تشرين الثاني (نوفمبر) بالذكرى الخامسة والعشرين لانهيار جدار برلين، الذي كان رمزًا للحرب الباردة على مدى 28 سنة. وكتبت المؤرخة المعروفة جابريللا كامبهاوزن للمناسبة: "لا أحد يسأل عن الجدار غير السيّاح، فالجدار سقط من رؤوس الألمان منذ سنوات طويلة".
وللمؤرخة كامبهاوزن كل الحق بربط الجدار بعقول السيّاح، لأن شظايا الاسمنت القديم الملونة (ألوان الرسومات والشعارات التي كتبت على الجدار) مازالت تباع للسيّاح بأسعار باهظة في برلين، رغم أن زيف هذا الاسمنت لا يمكن أن يكشفه إلا جيولوجي أو مهندس مواد متخصص في البناء. هكذا تحول جدار اسمنتي هائل، طوله 155 كم، بين ليلة وضحاها، إلى آلاف البلوكات وآلاف القطع الكبيرة والقطع الأصغر وملايين من الشظايا. ويمكن للسائح في برلين الحصول على شظية صغيرة من الجدار مقابل 5 يورو، أو قطعة أكبر مقابل 10 يورو.
وبمناسبة مرور ربع قرن على انهيار الجدار، خصصت صحيفة "بيلد" الواسعة الانتشار عددًا خاصًا بالمناسبة، وزّعت منه 42 مليون نسخة مجانًا. وطرحت الجريدة 50 سؤالًا بسيطًا عن الجدار بشكل مسابقة اختبار معلومات. ويمكن للفائز أن يحصل على قطعة كبيرة من الجدار وزنها 2.8 طن، وعرضها 2.10 متر، وسمكها 1.20 متر، وارتفاعها 3,60 أمتار، هذا فضلًا عن جوائز ثانوية عبارة عن عشر نسخ من "كتاب بيلد" حول الجدار الذي يباع في المكتبات بسعر 2495 يورو للنسخة الواحدة، إضافة إلى عشرات القطع الصغيرة من الجدار.
لوحات لفنانين مشهورين
باعت الحكومة الألمانية، بحسب إحصائياتها الرسمية، قطعًا من الجدار إلى مختلف الحكومات والمعاهد والمتاحف مقابل 900 ألف مارك في العام الأول الذي تلا انهيار الجدار. ولا توجد إحصائية للفترة التي أعقبت عام 1990، لكن يعتقد أن الحكومة باعت قطعًا أخرى تعادل قيمتها أكثر من 3 ملايين يورو.
ونالت شركة ليمكس حقوق شراء وبيع 100 قطعة كبيرة (بلوك)، شرط أن يذهب نصف مبلغ البيع إلى صندوق الرعاية الصحية في شرق ألمانيا. لكن آنا كامينسكي، من معهد جدار برلين، الذي تم تأسيسه لهذا الغرض، تقول إن 2 مليون مارك فقط دخلت في هذا الصندوق في السنوات التي سبقت التحوّل إلى اليورو، في حين اختفت عشرات الملايين الأخرى.
اختارت ليمكس قطعًا من الجدار رسم عليها فنانون مشهورون لوحات وغرافيتي ملونة على الجهة الغربية منه إبان أيام الحرب الباردة. بين الفنانين تيري نوير وكيدي سيتني وكيث هارنغ وغيرهم، ويقال إن 70 قطعة من هذه القطع بيعت إلى أثرياء في موناكو، في السوق السوداء، مقابل 170 ألف مارك للقطعة. وتعترف ليمكس بأنها باعت قطعًا من الجدار مقابل 6 ملايين مارك فقط، في حين يرجّح أن الرقم أضعاف ذلك.
لا أحد يعلم قطعة نقلها الجيش الأميركي إلى الولايات المتحدة، بحسب آنا كامينسكي، لكن المعروف أن هناك شركة في نيوجيرسي تطلق على نفسها اسم "وكالة ترويج جدار برلين" باعت 500 قطعة ملونة كبيرة من الجدار في الولايات المتحدة. ثم إن هناك عددًا لا يحصى من القطع الصغيرة التي وجدت طريقها إلى مختلف المدن الأميركية.
بين جامايكا وتايلاند
يمكن للمهتمين بالتاريخ من السيّاح أن يشاهدوا قطعًا من جدار برلين، بأحجام مختلفة، في 120 مدينة في العالم. كما تعرض هذه القطع في مئات المتاحف العالمية، التي تمتد بين "المتحف والمكتبة العسكرية في جاميكا"، و"معهد تايلاند للدراسات الديمقراطية"، وحدائق الفاتيكان، وفي متحف التاريخ الحديث في موسكو، وفي متحف بكين التاريخي.... إلخ.
لم يتبقَ من جدار برلين اليوم سوى بضع مئات من الأمتار، تم الاحتفاظ بها لأسباب تاريخية وسياحية، وهي لا تشكل سوى 4.4 من طول الجدار. وهذا يعني أن كيلومترات من الجدار تم بيعها مقابل الملايين، فضلًا عن قطع غير ملونة (خارح برلين) تم استخدامها في بناء الطرقات في العاصمة الألمانية.
جزء في بيته
بينما كان الشعب يرقص على الجدار، وتخترقه معاوله ليلة 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989، كان الهم الوحيد لأوسكار باك، من مدينة أويسكرشن (قرب كولون)، الحصول على قطعة من الجدار& لبيعها لاحقًا بسعر خيالي. ركب سيارة النقل خاصته، المزودة برافعة، وقادها طوال الليل إلى برلين، انتزع قطعة كبيرة من الجدار، وعاد بها إلى بيته. حمل باك قطعة عرضها ثلاثة أمتار، وتزن أطنانًا عدة إلى بيته، و"زرعها" في حديقته منذ ذلك اليوم.
لم يبع باك القطعة، ومات قبل سنوات، لكن الجدار ينتصب حتى الآن في حديقته، ترعاه أرملته هيرتا. تحوّلت الحديقة إلى متحف غير رسمي يزورها المواطنون والسيّاح ويدفعون مالًا مقابل مشاهدة القطعة الأثرية والتصوير أمامها. وكان بارك يعتقد أنه سيبيع القطعة يومًا مقابل مليون يورو، لأن سعر الجدار بكامله يزيد على مليار يورو.
وقطعة الجدار الكبيرة في حديقة بارك ملونة وجميلة، كتب عليها الكثيرون شعارات بالأحمر والأزرق والأخضر، إضافة إلى بعض رسومات الأطفال. لكن قيمة القطعة تكمن في شيء آخر، وهو أن فيها رصاصة أطلقها حرس الحدود الشرقيون آنذاك ضد متسلل مجهول قد يكون شهيدًا الآن. وللعلم فإن الدولة الألمانية لا تحبّذ بيع& قطع الجدار الملوثة بالدماء، أو التي استقر بها الرصاص، احترامًا لشهداء الجدار.
ضحايا الجدار
رغم مرور فترة زمنية طويلة نسبيًا على سقوط الجدار الكونكريتي، فإن لجان التحقيق الألمانية التي شكلت، والمنظمات الإنسانية المختلفة المهتمة بالموضوع، عجزت عن تحديد عدد الضحايا بالضبط. إذ عرفت وزارة أمن الدولة في ألمانيا الديمقراطية السابقة (شتازي) كيف تخفي ملفاتها السرية عن أجهزة المخابرات الغربية. ولم يقع المحققون الألمان على ملفات واضحة تشي بعدد الضحايا الذين قتلوا على الجدار، ولم يجد الباحثون في ملفات "شتازي" التي صودرت، والبالغة 100 ألف ملف، على توجيهات تشي بوجود أوامر إطلاق النار إلا يوم 12 آب (أغسطس) 2007، أي قبل يوم واحد من الذكرى الـ46 لبناء الجدار.
تتمسك منظمة "13 أغسطس" (يوم تدشين الجدار) حتى الآن بأن عدد الضحايا على جدار برلين بين 1961 و1989 يبلغ 268 ضحية. لكن النيابة البرلينية العامة حددت عام 2000 عدد الضحايا، الذين تم التثبت من وجودهم، بـ 190 شخصًا. وكانت اللجنة التحقيقية في محاكم "إطلاق النار على الجدار" قد قدرت عدد الضحايا بنحو 238 ضحية.
وقعت معظم حوادث الموت، أو القتل، على جدار برلين في السنوات الخمس الأولى التي أعقبت بناء الجدار، أي بين 1961 - 1974. وكان معظم محاولي التسلل هم من الذكور الشباب، وتقل أعمارهم عن 30 سنة. ولم تسجل اللجنة سوى مقتل 10 نساء وطفلين.
ومثل أمام محاكم برلين الشرقية، بتهمة محاولة التسلل والخيانة، أكثر من 75 ألف شخص منذ أن بني الجدار. تراوحت العقوبات بشأنها بين 3- 8 سنوات، ونال الذين حاولوا التسلل بالسلاح أعلى العقوبات. إلا أن عقوبة المساعدة على التسلل، التي سرت حينها على الألمان والأجانب أيضًا، كانت ترتفع إلى المؤبد.
&




















التعليقات