تتعرض مدن العالم الكبيرة باستمرار&للتلوث البيئي بخليط دخان السيارات والضباب المسمى "سموغ"، وتنطبق هذه الحال على لندن ونيويورك كما تنطبق على شانغهاي. طوّر العلماء الألمان الآن مادة بناء تحتوي على ثاني أوكسيد التيتان يمكن أن تلعب دوراً مهماً في المستقبل كسلاح في الحرب على تلوث المدن.
ماجد الخطيب: فضلاً عن مشاكل الزحام والاختناقات المرورية وأزمة السكن، تعاني مدن العالم الكبيرة من الغيوم الخفيضة التي يشكلها تفاعل غبار الشوارع ودخان عوادم السيارات والضباب (سموغ)، والتي تضر بصحة الإنسان والنبات والحيوان.
وتبدو الحالة في تينامين الصينية من السوء بحيث أنه لا يمكن للمرء مساءً سوى التعرف على الاعلانات الملونة وأضواء السيارات. ويطلق العلماء الصينيون على شتاء تينامين المعبأ بالسموغ اسم "الشتاء النووي" تحذيراً من عواقب هذه الحالة.
وفي ألمانيا، فرضت العديد من المدن مناطق بيئية على مراكزها بهدف عكس عملية التلوث البيئي في المدن، وظهر بعد مرور أربع سنوات على "المناطق البيئية" فإن فرض الحظر على السيارات غير المزودة بالفترات في مراكز المدن لم يفعل الكثير لتنقية هذه الأجواء الضارة بالصحة والبيئة.
وتشير معطيات منظمة الصحة العالمية إلى أن تلوث أجواء المدن يودي بحياة مليوني شخص على المستوى العالمي، ناهيك عن ملايين مضاعفة من المعانين من مختلف أمراض التلوث التي تمتد بين التهاب الجهاز التنفسي المزمن وأمراض القلب والدورة الدموية.
ومن ناحية العواقب الصحية للضجيج، تكشف معطيات وزارة الصحة الألمانية أن 2000 ألماني يموتون سنوياً بسبب أمراض القلب الناجمة عن الضجيج.
وطبيعيًا، فإن ذرات السخام الصغيرة المنطلقة من عوادم السيارات، ودخان المصانع القريبة، والغبار الذي تثيره حركة السيارات على الشوارع، إضافة إلى عوامل أخرى، هي المسؤولة عن الضرر الصحي لـ"سموغ".
وبعد أن كان خبراء البيئة يقيسون خطر السيارة بعدد ذرات السخام المنطلقة عنها، صاروا يقيسون هذا الخطر الآن بعدد ذرات السخام الصغيرة (من قطر يقل عن 2,5 ميكروميتر). ولايمكن هنا التقليل من خطر الضجيج في الشوارع، لكن المشجع أنه من الممكن استخدام ثاني أوكسيد التيتان في بناء جدران تبتلع الضجيج أيضاً.
سلاح اسمه ثاني أوكسيد التيتان
يعتبر ثاني أوكسيد التيتان من مركبات المعادن الطبيعية البيضاء المعروف باستخدامه كـ(صبغة) في صناعة الأغذية، وفي إنتاج العلكة، وفي صناعة مواد التجميل، إلا أن علماء معهد فراونهوفر الألماني ركزوا على قابليته العظيمة على امتصاص ذرات السخام والغبار التي تلوث أجواء الشوارع. علماً أنه استخدم بشكل محدود حتى الآن في بناء واجهات العمارات، كمادة بيضاء جميلة، إلا أن قطاع البناء لم يعرف عن خاصيته الفيزياوية المذكورة كثيراً.
وذكر الباحث ميشائيل فيرغول، من تحالف فراونهوفر-الليانس للأبحاث الضوئية، أن ثاني أوكسيد التيتان يعمل مثل مادة السيليكون، بمثابة مادة نصف موصلة للكهرباء، ويمكن لتسليط نور الشمس عليها أن يفعّل الكترونات داخل بنيته.
وتمكن الاستفادة من هذه الخاصية في العديد من المجالات الاقتصادية والعلمية، ولكن، على وجه الخصوص، في مجال بناء واجهات البنايات في الشوارع كمادة ممتصة لذرات الغبار الملوثة.
ويعمل ثاني أوكسيد التيتان كعامل مساعد يتولى تحييد محتويات الدخان المنطلق من عوادم السيارات وتحويلها إلى مواد غير ضارة.
ويتفاعل أوكسيد النتروجين، المتواجد في غبار الشوارع الملوثة، مع ثاني أوكسيد التيتان وينجم عن المعادلة الكيميائية ملح نترات الكالسيوم غير الضار بالإنسان والبيئة.
يطلق العلماء على هذه العملية اسم "التحفيز الضوئي"، وهو تفاعل يجري بمساعد الأشعة فوق البنفسجية في ضوء الشمس.
ويدخل ثاني أوكسيد التيتان في المعادلة كعامل مساعد، وهو في حالة أجزاء نانوية.
اكتشف العالم الكيميائي الياباني أكيرا فوجيشيما هذه الخاصة في ثاني أوكسيد التيتان قبل 40 سنة، لكن العلماء لم يعيروه الكثير من&الإنتباه إلا في السنوات الأخيرة، وخصوصاً في الانتاج الاقتصادي.
استخدامات مختلفة
انضمت 8 معاهد علمية من أسرة معهد فراونهوفر إلى الأبحاث الدائرة حول ثاني أوكسيد التيتان، وحول طرق تطوير مواد وصبغات منه تستخدم في مختلف نواحي الحياة.
وإذ ركز معهد فراونهوفر على تطوير مادة بناء تعمل على تحييد ذرات السخام الملوثة في الجو، وتؤدي عملها في مختلف الشروط المناخية، عمل "معهد البيولوجيا الجزيئية والبيئة التطبيقية" على تطوير مادة تستخدم في بناء الحواجز المانعة للضجيج على الطرقات السريعة.
ويعمل معهد فراونهوفر للأبحاث الطبية على تجربة استخدام ثاني أوكسيد التيتان في انتاج مادة تستخدم في طب الاسنان تعين، بمساعدة الأشعة فوق البنفسجية، على التخلص من تكلس الأسنان بسهولة.
وتولى مهندسو "معهدالبيولوجيا الجزيئية والبيئة التطبيقية"، على الطريق السريع 61 قرب مونشنغلادباخ، بناء جدران مطلية بمادة نانوية من ثاني أوكسيد التيتان يفترض أن تساعد في صد الضجيج وفي التهام ذرات السخام المنطلقة من السيارات.
قاسوا نسبة التلوث والضجيج في المنطقة قبل بناء الجدران، ويخططون بعد سنتين لقياسها مجدداً بهدف قياس مدى نجاح المادة في عملها ضد هذين العاملين.
فضلاً عن ذلك، يتولى معهد الأبحاث الصحية مهمة التأكد من عدم وجود مضار صحية قد تنجم عن استخدام ثاني أوكسيد التيتان في الحياة العامة.
واجهات بيوت ضدّ التلوث
بتعاون مثمر مع معهد فراونهوفر عملت شركة ايليجانت امبليشمنت البرلينية على تطوير أول مادة بيضاء تستخدم في بناء واجهات المدن.
وتولت الشركة حتى الآن عدة مشاريع بيئية بينها تغليف واجهات مستشفى مانويل- جيا غونزالس في مدينة مكسيكو بواجهات من ثاني اوكسيد التيتان.
ووصف دانييل شفايغ، مؤسس الشركة، المادة التي تم بها كسو المستشفى بأنها بمثابة "غشاء ترشيح" يتولى بلا كلل التهام غبار التلوث من محيط المستشفى.
وتم تغليف 2500 متر مربع من واجهات المستشفى بالمادة، وظهر أنها تواصل عملها بفعالية في الأيام الممطرة أو الغائمة مستفيدة من نور الشمس غير المباشر.
انتجت المادة التي استخدمت في مكسيكو بتقنية نانوية تجعل قوام غلاف ثاني أوكسيد التيتان يبدو مثل كتل مكورة من الجزيئات تحت المجهر.
ويمنح هذا الشكل الكروي السطح مساحة واسعة للتعامل مع ضوء الشمس، كما يسمح للأشعة فوق البنفسجية بالتخلل إلى داخل المادة من عدة زوايا، وليس من الجهة المواجهة لضوء الشمس المباشر فقط.
وتشكل الكتل الكروية مع بعضها مادة متجانسة لا تسمح بتخلل الهواء بينها، وهو ما يمنحها عمراً طويلاً، وفعالية متواصلة، كما يمنح الجدار حماية مناسبة ضد العوامل الطبيعية مثل المطر والرطوبة والتآكل...إلخ
ويعترف الباحث ميشائيل فيرغول، من معهد فراونهوفر-الليانس للأبحاث الضوئية، بأن بعض الشركات الأميركية بحثت في استخدام ثاني أوكسيد التيتان في مجالات مختلفة، لكن تقنياتهم لم تكتمل بعد، ولم تنل البراءة من التأثير على صحة الإنسان.
ويعود الفضل الآن إلى فريق العمل من المعهد الألماني في تطوير أفضل مادة رادعة للتلوث في بناء واجهات البيوت، وربما في صناعة ورق الجدران، وفي مواد تسقيف البيوت والعمارات.
المهم أيضاً، بحسب تصريحات فيغول أن هناك أبحاثًا في المعهد حول مدى تأثير ثاني أوكسيد التيتان على جدران الجراثيم والفيروسات والفطريات الخطيرة.
ومن المؤمل إنتاج صبغة معينه يمكن، بمساعدة الاشعة فوق البنفسجية، أن تكسر حاجز الفيروسات وتسمح للأدوية المختلفة بالتسلل إلى داخل هذه الخلايا وقتلها.
هذا لا يستبعد، مستقبلاً، البحث في إمكانية استخدام هذا "التحفيز الضوئي" في كسر جدران الخلايا السرطانية أيضاً.














التعليقات