لم تكفها مساحة الوطن، فمدت صباح جناحيها إلى بلاد العرب والعجم، فليس غريبًا أن يُقال فيها الكثير بعد رحيلها.
بيروت: لم تكن الشحرورة صباح علمًا لبنانيًا، بل تجاوزت بثلاثة آلاف أغنية و85 فيلمًا وعشرين مسرحية حدود لبنان، إلى الوطن العربي. وبوفاتها، خسر العرب وجهًا من وجوه حضارتهم الفنية، التي رصفتها صباح مع خالدين آخرين، من المشرق العربي إلى مغربه.
رحلت صباح، تاركة وراءها إرثًا كبيرًا، أودعته في قلوب ملايين العرب، فأتت تغطية وفاتها في الصحف العربية لتعكس هذا التعلق الشعبي بالـ "ديفا" العربية التي أبت الاستسلام عن الفرح، حتى أسلمت روحها لباريها.
هزيمة المنتصرين
في جريدة الرياض السعودية، قال عبدالله بخيت إن صباح امرأة في غاية الجمال في شبابها وفي منتصف عمرها، "وعندما دخلت الخمسينات لم تتخل عنها الدنيا كثيرًا".
وأضاف أن الدنيا لم تكف عن إسعادها عند هذا الحد الذي تتمناه كل امرأة، "بل وفرت لها المال والشهرة وقيض الله أن تصلها حزمة المنح الإلهية الرائعة هذه في عقد الستينات من القرن العشرين، ذلك العقد الذي ثارت فيه النساء على التقاليد والمواريث الطويلة وسعت لتحطيمها بجرعة من التحدي لم يشهدها التاريخ".
وتابع البخيت: "صباح امرأة كاملة كما تتمنى أن تكونها أي أنثى وما يتمنى الرجل أن تكون عليه أنثاه. لكنها مع الأسف دفعت الثمن وحدها. اندفعت تخوض في مجدها وسعادتها وتستهلك الطاقات المتراصة في جسدها دون هوادة".
وبحسبه، انتصرت صباح في معركتها مع التقاليد ومع التعاسة ومع الحب، فقادتها انتصاراتها إلى أن تتجاوز حدودها القدرية، وذلك أشبه بما يكون أن تعلن حربها على الزمن، الذي تركها فترات كثيرة تتخبط في غرورها وهو يحطمها بشكل ممنهج غير مسبوق.
وختم قائلًا إن صباح تلقت هزيمة ساحقة ونهائية، "بيد أن من يهزمه الزمن بسلاح الشيخوخة لن يتذوق طعم الهزيمة المر، فيحق له أن يرقد مع المنتصرين".
| جثمان صباح ووري الثرى في قريتها بدادون محطتها الأخيرة لبنان ودع الشحرورة بعرس وطني |
![]() |
رجال شهرتهم
وسلطت فيفيان حداد، في "الشرق الأوسط"، الضوء على صياح الانسانة، التي أمسكت بيد رجال وأخذتهم معها في رحلة الشهرة. فإلى أزواجها التسعة، "سطع اسم رجال آخرين عملوا معها في مسرحياتها كالراقص كيغام الذي جعلت منه نجمًا من نجوم أعمالها هذه، والذي تزوج في ما بعد بإحدى شقيقاتها. كذلك الأمر بالنسبة إلى مصففي الشعر الذين رافقوها في مشوار أناقتها الدائم، كالمزين نعيم عبود الذي فاقت شهرته العالم العربي فطالت دولًا أوروبية إثر دعمها له في جميع إطلالتها، فكانت تصر على ذكر اسمه دائمًا، مشيرة إلى أنه أفضل من اعتنى بتصفيف شعرها".
وهناك ايضًا، بحسب حداد، المزين جان عواد الذي كان رفيقها في حفلاتها بلبنان ومصر وأميركا، ولطالما اشارت إلى أنامله السحرية، والمزين جوزف غريب الذي رافقها حتى أسلمت الروح، "فكان يهتم بتصفيف شعرها وبانتقاء ملابسها حتى صار أحد الأصدقاء المقربين منها. آثرت صباح أن يظهر معها جوزف غريب في أكثر من إطلالة إعلامية مرئية وإذاعية، وبقي وفيًا لها طيلة مدة مرافقته إياها التي تجاوزت الـ15 عاما. كما اختارته أحيانا كثيرة ليتكلم بلسانها أو ليحدد لها مواعيد مقابلاتها الإعلامية.
وتتحدث حداد عن مصمم الأزياء وليم خوري الذي لامسته أيضًا عصا صباح السحرية، فصمم لها أكثر من 400 فستان نالت شهرة واسعة في لبنان والعالم العربي، وكان بدعمها من أهم المصممين العرب لثلاثين عامًا.
وتنقل عنه حداد قوله: "كانت تثق بذوقي ثقة عمياء، كان دورها يقتصر فقط على اختيار اللون الذي تريده، أما التصميم فيعود لي، وأحيانا كثيرة كانت تتصل بي من الولايات المتحدة أو فرنسا أو أي بلد آخر موجودة فيه تطلب مني تصميم ثوب لها فأرسله إليها من دون أن تسألني عن أي تفصيل يخصه، فبالنسبة لها وليام خوري يعرفها عن ظهر قلب، ولا يمكن أن يخذلها يوما ما".
صعدت قليلًا
في "الحياة"، كتب محمد غندور عن أهم أسباب نجاح صباح في عالم الأغنية، فرآها أنها "القدرة على التنويع الموسيقي في اختيار أعمالها، والجرأة في الانفتاح على الأنماط الموسيقية الجديدة، وعدم تقيدها بموضوع معين، فغنت للحب والضيعة والمدينة والوطن والعمر، وقدّمت أعمالًا تعتبر من أهم الأغاني الشعبية في تاريخ الأغنية اللبنانية، وعرفت بصوتها المغناج أحيانًا والرصين في أعمال أخرى، ما سحر آذان مستمعيها قبل أن تسحرهم طلتها".
أضاف: "بعيدًا من الفن والغناء والتمثيل، لطالما أغرمت صباح بأنوثتها، وحاولت إبرازها دائمًا في تصرفاتها وحركة يدها الخفيفة، أو في تمايل شعرها الأشقر الطويل أو قدها الممشوق. كانت تهتم كثيرًا بمظهرها الخارجي الذي كان بالنسبة إليها أهم من ثروة مادية جمعتها وتبخرت. وكانت تقول دائمًا: "مستعدة أن أخسر ثروتي ولا أخسر أناقتي وجمالي".
وختم قائلًا: "جانيت التي رحلت باتت أيقونة وشحرورة وأسطورة وأنثى غير عادية. صباح لم تغادرنا، بل صعدت إلى السماء قليلاً".
في الغرب
وكذلك تابعت الصحافة العالمية وفاة صباح، فوصفتها "واشنطن بوست" الأميركية بأنها "الأسطورة التي كسرت المحرمات، وتمردت على شكل الغناء العادي". ووصفت سي أن أن& رحيل الشحرورة بالخسارة الفادحة، بعدما وضعتها في قائمة أعظم النجوم الذين فقدهم العالم في العام 2014.
في بريطانيا، لقبت "إنديباندنت" صباح بلقب "ديفا العرب"، بينما أكدت مجلة& "بيلبورد" في موقعها الإلكتروني أن صباح "ملكة الفلكلور اللبناني من دون منافس".
وقال موقع آي بي سي نيوز الأميركي إن صباح رمز الموسيقى العربية وآخر العمالقة. ووصفها موقع "ذا ناشيونال" بأنها "صوت العسل وتمثل العصر الذهبي للفن". وقال موقع "ذا دايلي كوريير" إنها صاحبة الشباب الدائم.






















التعليقات