بغداد: بعينين دامعتين وأمل مفقود بغد أفضل يمضي غسان المسيحي النازح من محافظة نينوى في شمال العراق، عيد الميلاد في غرفة لا تتعدى مساحتها 30 مترا مربعا ويقيم فيها عشرة اشخاص، في احدى مدارس وسط بغداد.
وتبدو الغرفة في المدرسة التابعة لكنيسة سيدة النجاة في حال مزرية اذ تملأ الرطوبة جدرانها الرمادية اللون، وتغطي شبابيكها الخشبية ستائر من القماش المهترئ مثبتة بمسامير. وعلى ارض الغرفة، وضعت فرشات رثة للنوم بينما تتكدس في احدى الزوايا الاحذية العائدة للمقيمين.
&
على مقعد دراسي خشبي في الغرفة التي تغيب عنها اي زينة ميلادية، يجلس غسان (40 عاما) ويقول بصوت متهدج "لم يعد هناك عيد ميلاد".
&
ويضيف الرجل ذو الوجه الشاحب لوكالة فرانس برس وهو يحضن طفله حسام البالغ من العمر سبعة اعوام "لم يعد هناك مستقبل لحياة افضل (...) ما هو مستقبل اطفالي؟ هل هناك ما يؤمن حياتهم؟".
&
نزح غسان واشقاؤه الثلاثة وعائلاتهم وهم من المسيحيين الكلدان، في آب/اغسطس من بلدة القوش شمال الموصل، مركز محافظة نينوى، نحو محافظة دهوك الحدودية مع تركيا. وفي النصف الاول من كانون الاول/ديسمبر، انتقلوا الى بغداد حيث يقيمون حاليا في المدرسة.
&
وكانت الموصل كبرى مدن شمال العراق، اولى المناطق التي سيطر عليها تنظيم "الدولة الاسلامية" في هجوم كاسح شنه في حزيران/يونيو وادى الى سيطرته على مناطق واسعة في شمال البلاد وغربها.
&
وفرغت المدينة التي تضم نحو ثلاثين كنيسة يعود تاريخ بعضها الى 1500 عام، من سكانها المسيحيين الذي يقدر عددهم بنحو 25 ألف شخص، بعدما خيرهم التنظيم المتطرف بين اشهار اسلامهم او دفع الجزية او القتل.
&
ويقيم غسان حاليا وعائلته المؤلفة من زوجته وطفل وطفلة، وشقيقه فلاح (49 عاما) وزوجته واولادهما الاربعة، في الغرفة نفسها. وتمضي العائلتان عيد ميلاد حزين يخلو من اي مظاهر احتفالية اقتصر على قداس في كنيسة سيدة النجاة والعودة الى الغرفة التي يقيمون فيها.
&
وتقول بسمة (27 عاما) وهي تجلس بجانب زوجها غسان "كانت احوالنا افضل (...) كنا نستعد للعيد ونحتفل" خلال الاعوام الماضية.
&
وكانت العائلة تزين منزلها في الموصل بشجرة ميلادية في زمن الاعياد، وتجتمع مع الاقارب ليلة العيد حول العشاء قبل حضور قداس منتصف الليل في كنيسة القلعة في مدينة الموصل، بحسب غسان.
&
ويوضح الرجل الذي كان يعمل مع اشقائه في مجال البناء ان "العيد كان حياة (...) كان له طعم ومعنى"، آسفا لان طفليه "لا يعرفان معنى العيد".
&
ويشير الى انه يحتفظ من طفولته بذكريات عيد الميلاد في الموصل "كنا نلعب ونذهب الى مدينة الملاهي. لم نترك مكانا لم نذهب اليه للفرح". اما هذه السنة "فلن يكون هناك احتفال بالعيد، لا للكبار ولا للصغار".
&
وينعكس تراجع الاحتفالات بالميلاد على معظم المسيحيين في العراق الذين تراجع عددهم بشكل كبير منذ الغزو الاميركي للبلاد في 2003 واعمال العنف التي تلته. وتعرضت 61 كنيسة على الاقل لهجمات منها كنيسة سيدة النجاة، حيث قتل 46 مسيحيا على الاقل في هجوم وقع في 31 تشرين الاول/اكتوبر 2010، وتبناه تنظيم القاعدة.
&
وادت احداث الاشهر الماضية الى تهجير اكثر من 150 الف مسيحي لا سيما من شمال العراق، نزحت غالبيتهم الى اربيل عاصمة اقليم كردستان، وكركوك وبغداد. ويقيم هؤلاء في ظروف قاسية لا سيما في الشتاء.
&
واعلن مسؤولون كنسيون مسيحيون، ان احياء عيد الميلاد هذه السنة سيقتصر على اقامة الصلوات والقداديس في الكنائس، نظرا للظروف الصعبة التي يعيشها المسيحيون والعراقيون بشكل عام.
&
وقال رئيس اساقفة كركوك والسليمانية للكلدان المطران يوسف توما الاربعاء "سنكتفي بالصلاة والدعاء (...) لا يمكن ان نفرح والناس تحت الخيم".
&
وقال بطريرك الكلدان لويس ساكو الثلاثاء ان النازحين المسيحيين في العراق "لا زالوا يعيشون وضعا مأسويا ولا توجد أي حلول سريعة لهم".&
&
اضاف ان هؤلاء "قلقون على بلداتِهم وبيوتهِم ووظائفِهم ومستقبلِ أبنائهم"، معتبرا انهم "يحتاجون، بخاصة في عيد الميلاد هذا والسنة الجديدة، الى علامات مطمئنة بانهم ليسوا متروكين وحدهم، وليسوا منسيين".
&
ويدرك غسان جيدا ان معاناته تماثل العديد من القصص التي يعيشها المسيحيون والعراقيون منذ سنوات طويلة، في بلاد اختبرت سلسلة من النزاعات المتتالية منذ اربعة عقود.
&
ويقول "لم تعد ثمة (رغبة) نفسية لدى الناس بان يقوموا بشيء... كل الناس، ليس فقط نحن (...) القلب لم يعد فرحا". ويضيف "انكسر الانسان... بات مكسورا ومحطما".
&