تواترت الادانات لتفجيري برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية، بينما عمل المسؤولون اللبنانيون على وأد فتنة لبنانية فلسطينية أوشكت ان تندلع بعدما شاع أن منفذي التفجير هما فلسطينيان من مخيم برج البراجنة.


مروان شلالا من بيروت: تلملم ضاحية بيروت الجنوبية جراحها بعد عملية التفجير المزدوجة التي استهدفت شارع عين السكة المحاذي لبوابة مخيم برج البراجنة للاجئين الفلسطينيين، العملية التي أسفرت عن سقوط 44 قتيلًا ونحو 240 جريحًا.

وبحسب تقارير إعلامية لبنانية، فإنّ بين القتلى حسين ياغي، مسؤول أمن حزب الله الملقب بـ"أبو مرتضى"، إلا أن أي تأكيد لم يصدر بعد عن الحزب في هذا الشأن.

معلومات وتحقيقات

كانت كل الأخبار تدل على أن انتحاريين نفذا الهجومين، بينما قتل ثالث قبل أن ينفجر حزامه الناسف، في حين فرّ رابع. إلا أن القاضي سمير حمود، مدعي عام التمييز، أكد أن "العمل الإرهابي ناتج عن تفجير مزدوج نفذه انتحاريان، والحديث عن وجود انتحاري ثالث معلومات غير مؤكدة، والتفجير الأول وقع في دراجة نارية كانت مجهزة بسبعة كيلوغرام من المتفجرات، فيما التفجير الثاني نتج عن حزام ناسف كان يرتديه احد الأشخاص ويحمل متفجرات تزن كيلوغرامين".

وقيل أيضًا إن منفذي الهجومين فلسطينيان، لكن تبين أن هذا ليس صحيحًا، وأنهما لبنانيان. لكن تقارير إخبارية نقلت عن مصادر أمنية ترجيحها أن يكون هذان الانتحاريان قدما من مخيم برج البراجنة سيرًا على الأقدام إلى مكان الانفجار.

وكان وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق أبلغ "رويترز" بأن الانفجارين وقعا بفارق خمس دقائق، والانتحاريين كانا راجلين عندما فجرا نفسيهما، وهناك انتحاري ثالث قتل في أحد الانفجارين.

قراءة أولية

لكن، أكانا فلسطينيين أم لبنانيين، وبعدما أعلن تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) مسؤوليته عن التفجيرين، نقلت صحيفة "الجمهورية" اللبنانية عن مراجع مطّلعة قراءة أوّلية لجريمة التفجير.

حسب الصحيفة، يعد التفجير المزدوج أول اختراق كبير لأمن الضاحية الجنوبية لبيروت بهذا المستوى، إذ تمكن الانتحاريان من تخطّي كل الحواجز الأمنية بأحزمتهم الناسفة. وخِلافًا للتفجيرات السابقة التي كانت تحمل طابع الإعداد الفردي، ظهر جليًا أن العملية الأمنية أعِدّ لها بإتقان وحرفية عاليين. فقد تمكّن الإرهابيون من تحديد نقطة الضعف الامنية للنفاذ منها الى الضاحية، ونفّذوا جريمتهم في مكان حدّدوه سلفًا بعد رصدٍ مسبَق، بحسب الصحفية. كما اختار المنفذون بدقّة توقيت تنفيذ عمليتهم بحيث يكون عصرًا، وهو وقت الذروة في الازدحام.

وتبيّن من التحقيقات الأوّلية أنّ الأحزمة الناسفة التي استُعملت في التفجير مغايِرة للتي استُعملت في عمليات سابقة، بحيث تبيّن انّها تحتوي مادة "سي فور" ممزوجة بكرات حديد لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.

تبنّي داعش التفجير جاء على طريقة تبني هذا التنظيم تفجير الطائرة الروسية في سماء سيناء، وهو الامر الذي يبعث على الاعتقاد بأنّ تهديد "داعش" وخطره اصبح مباشرًا.

داعش والمخيمات

إلى ذلك، علق سراج الدين زريقات، الناطق الاعلامي باسم كتائب عبد الله عزام، على تفجيري برج البراجنة بالقول في تغريدة على تويتر: "ها هي الضاحية الجنوبية لبيروت معقل حزب إيران مضرجة بدماء قتلاها في بيئة لطالما أرسلت إلى سورية قتلة ومجرمين! اخرجوا من سورية !"

أضاف زريقات: "لن تنفعكم بعد الموت رايات يا زينب ويا حسين، قد شاركتم حزبكم قتل أهل الشام وفتحتم باب حرب لن يكون إغلاقه بإيديكم!".

وبعد هذا التبني والتهديد، شدد حزب الله مراقبته لمداخل المخيمات الفلسطينية في الجنوب، لا سيما في عين الحلوة ومخيمات صور، لأن لداعش مؤيدين في مخيمات الجنوب. كما أفادت التقارير بأن الحزب شدد إجراءاته الأمنية حول المساجد في حارة صيدا وصور والنبطية وبنت جبيل ومرجعيون، بعدما وردت إليه معلومات تفيد بأن منفذي التفجيرين انطلقوا من مخيم برج البراجنة الفلسطيني، وان وجودًا مشابهًا لـ"داعش" يسجل في المخيمات الاخرى في بيروت والجنوب، لذا انتشر عناصر الحزب تحسبا لاي طارئ، خصوصًا أن تسجيلات صوتية انتشرت ليلًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي تهدد بتفجير مماثل في حي السلم، وكان المتصل فيها يتحدث بلهجة سورية.

وفي ردة فعل على تعميم الانتماء الفلسطيني لمنفذي التفجير، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري إن وعي أهل الضاحية أكبر من كيد المعتدين، "فالجهات الارهابية عممت هويات الارهابيين للايقاع بيننا وبين اشقائنا"، ويعني أهالي المخيمات.

أضاف: "لبنان يواجه حربًا ارهابية جديدة على حدوده السيادية، واسماعيل هنية وخالد مشعل أكّدا لي أنّ الفلسطينيين اللذين قيل إنّهما فجّرا نفسيهما في برج البراجنة قتلا منذ اكثر من سنتين في سوريا وليسا من لاجئي لبنان".

إدانات عربية

إلى ذلك، توالت الادانات العربية والدولية لجريمة برج البراجنة، فأكد السفير المصري محمد بدرالدين زايد إدانته الشديدة للعملية الإرهابية، وأعرب عن ثقته بأن يزيد هذا الحادث الشعب اللبناني وحدة وصلابة، "في مواجهة محاولات دنيئة من قوى الإرهاب والتطرف لنشر الفتنة بين مكونات الشعب والمجتمع الواحد، سواء في لبنان أو في المنطقة أجمع"، مؤكدا ثقته بقدرة السلطات اللبنانية على كشف تفاصيل هذه الجريمة النكراء وملاحقة القائمين بها.

وأشار إلى أن هذا الإرهاب الأسود الذي يعم المنطقة يتطلب الوحدة في نبذ التفرقة والتمسك بالهوية الوطنية، مؤكدا موقف مصر الثابت بضرورة تبني إستراتيجيا شاملة لمواجهة الإرهاب بجميع أشكاله وصوره من دون إستثناء.

ودانت الكويت حادث التفجيرين الإرهابيين، كما دانهما الأردن مؤكدًا الوقوف إلى جانب لبنان وشعبه في كل الظروف والأحوال، كما دان أحمد الجروان رئيس البرلمان العربي التفجيرين الانتحاريين، وقال إن "البرلمان العربي يدين كافة أشكال العنف والقتل والإرهاب، ويرفض عمليات الاغتيال والتفجيرات الانتحارية كافة".

لمعاقبة المسؤولين

عبر السفير السعودي لدى لبنان علي عواض عسيري عن إدانة المملكة واستنكارها الشديدين للتفجير الإرهابي.

وشددت الولايات المتحدة على أنها تقف مع حكومة لبنان في سعيها لتقديم المسؤولين عن هذه الهجمات إلى العدالة.

وأرسل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برقية تعزية إلى بري في ضحايا تفجيري برج البراجنة، مؤكدا استعداد موسكو للتعاون مع بيروت لمكافحة الإرهاب.

وأوضحت الدائرة الصحافية في الكرملين الجمعة أن الرئيس الروسي أعرب في برقيته عن أمله في أن يعاقب منفذو وممولو هذه الجريمة عقابًا عادلًا، مشددا على استعداد روسيا للتعاون مع السلطات اللبنانية بأوثق قدر ممكن، في مكافحة الإرهاب.

وطلب بوتين من بري نقل كلمات التعاطف والدعم إلى ذوي الضحايا والتمنيات بالشفاء العاجل للمصابين.

فرنسا: عمل دنيء

وأعرب الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند مساء الخميس عن صدمته وسخطه من الاعتداء الدامي في الضاحية الجنوبية، ووصفه بأنه عمل دنيء.

وقالت الرئاسة الفرنسية، في بيان: "إن رئيس الجمهورية يعبر عن سخطه وصدمته إثر الاعتداء الذي خلف عشرات القتلى وأكثر من مئتين من الجرحى في حي برج البراجنة في بيروت، ويندد بهذا العمل الدنيء ويتقدم بتعازيه إلى أسر الضحايا وأقاربهم".

وأضاف البيان أن الفرنسيين يشاطرون اللبنانيين الحداد الوطني، وأن فرنسا ملتزمة أكثر من أي وقت مضى من أجل السلام في لبنان ووحدته واستقراره.

وأبلغ وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف الوزير المشنوق أنه على أتم الاستعداد للبحث معه في سبل تدعيم التعاون الأمني بين فرنسا ولبنان. وأكد كازنوف وقوف بلاده إلى جانب السلطات اللبنانية والشعب اللبناني في معركتهم ضد الإرهاب، وذلك في برقية تلقاها المشنوق من نظيره الفرنسي، أعرب خلالها عن الصدمة والحزن الكبيرين لدى تلقيه خبر حصول التفجيرين الدمويين في ضاحية بيروت.

وقال كازنوف في برقيته: "متابعة للمناقشات القيمة والفنية التي تمت خلال زيارتي الأخيرة إلى لبنان، فإنني على أتم الاستعداد للبحث معكم في سبل تدعيم التعاون الأمني بين بلدينا".