أكد الدكتور وحيد عبد المجيد، نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في الجزء الثاني من حوار له مع "إيلاف"، أن المشهد السياسي الداخلي مرتبك نظرًا إلى استمرار سياسات السادات ومبارك، فرغم تغيير الشخصيات التي تحكم البلاد حاليًا، إلا أنها تتبع أسلوب الإدارة نفسه الذي اتبعته الأنظمة السياسية قبل ثورة يناير.


أحمد حسن من القاهرة: قال نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وحيد عبد المجيد إن النظام الحالي يفتقد رؤية واضحة، حيث لم يقم بأي نوع من تغيير السياسات التي اتبعها عهد السادات ومبارك، ومن بعدهم جماعة الإخوان المسلمين".

وأوضح عبد المجيد& في الحلقة الثانية من مقابلته مع "إيلاف": أن استمرار حالة الارتباك في المشهد الداخلي سوف يتسبب في تراجع شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث لن يصبر الشعب على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتراجعة كثيرًا، مؤكدًا أن سياسة القبضة الأمنية التي تتبعها وزارة الداخلية ضد الشعب لن تفيد في مواجهة الإرهاب، بل ستعمل على زيادة العمليات الإرهابية خلال الفترة المقبلة، كما طالب بضرورة& تنمية سيناء لتكون عاملًا كبيرًا على نجاح المواجهات العسكرية للجماعات التكفيرية في سيناء، وللمزيد فإلى تفاصيل المقابلة:

هل ترى وجود تغيير في المشهد السياسي الداخلي عقب تولي الرئيس السيسي حكم البلاد؟
&

عاصفة الحزم أوقفت السيطرة الإيرانية على اليمن

حتى الآن لا يوجد جديد، فمازالت سياسات السادات ومبارك هي السائدة والمستمرة حتى وقتنا الحالي، والسياسات نفسها التي استمرت في عهد الإخوان، فهناك أزمات اقتصادية واجتماعية خارقة تمر بها البلاد، فشبكات المصالح التي نمت في عهد مبارك مازالت موجودة، وإن كان يعاد تشكيلها جزئيًا، ولكن جوهر تلك الشبكات مازال مستمرًا.

لا تغيير سياسيًا
لكن الشخصيات التي تقود البلاد الآن تغيّرت تمامًا عمّا كانت في عهد مبارك؟
المهم ليس تغيير الشخصيات، ولكن الأهم تغيير السياسات، فالشخصيات التي تدير الآن تؤمن بضرورة استمرار منهج الأنظمة نفسه الذي يسبقهم، اعتقادًا منهم أن التغيير في الإدارة يؤدي إلى نتائج مختلفة وعكسية، ولكن الحقيقة أنه لا يمكن الوصول إلى نتائج متغيرة إلا بسياسات مختلفة، وليس فقط بتغيير الشخصيات ومن يدير، والفكر الذي يدير البلاد حاليًا تسبب في سياسات صنعت أزمات طاحنة، ولا يمكن أن تحل.

الرئيس السيسي أصدر أكثر من 300 قانون من أجل تحقيق تحول اقتصادي وسياسي، ألا يعتبر ذلك نوعًا من تغيير السياسات؟
المسألة ليس لها دخل في إصدار القانون من عدمه، نحن نتحدث عن& تغيير في السياسات على أرض الواقع، وجميع القوانين السابقة لم يصدر منها قانون واحد في اتجاه تغيير السياسات، فالكم الهائل من تلك القوانين غير المبررة يسعي النظام الحاكم من خلالها إلى تحقيق منظومة يطلق عليها "نيو ليبرالية" قائمة على أساس الانحياز إلى الأغنياء، واستيراد استثمارات أجنبية بغضّ النظر عن مردودها، ونتيجة هذه السياسات أدت إلى مزيد من الأزمات السياسية والاجتماعية، وهي سياسات أكدت فشلها.

ثقافة الأقوى
ما تقويمكم للمشروعات الكبرى التي أطلقها الرئيس السيسي، وعلى رأسها قناة السويس الجديدة؟
هناك اعتقاد خاطئ يرتكبه النظام الحالي ومن قبله الأنظمة التي تولت حكم مصر من عصر جمال عبد الناصر، ألا وهو الاعتماد على أن زيادة النمو الاقتصادي تؤدي إلى رضا الشعب عن النظام، ولكن هذه النظرية فاشلة، ولا بد من تغيير الفكرة بالاعتماد على المشروعات الصغيرة التي تساعد على نشر التعاون بين أفراد المجتمع بعيدًا عن سياسة الجشع، والمشروعات الكبرى قائمة على الاحتكار والبقاء للأقوى، الذي يستطيع أن يقضي على الآخر، في ظل ثقافة عدائية منتشرة في المجتمع حاليًا، والمشروعات الكبرى أيضًا في دولة مثل مصر لها قيمة واحدة، وهي إدخال تكنولوجيا جديدة، وإذا لم ترتبط بوجود مشروعات صغيرة أصبح عائدها الاقتصادي محدودًا.

ولكن المشروعات الكبرى هدفها استيعاب البطالة المتفشية بين الشباب؟
المشروعات الكبرى لا تستطيع استيعاب عمالة كبيرة في ظل اعتمادها بشكل كبيرعلى التكنولوجيا، في حين أن الوضع في مصر خطير جدًا، فالحكومة مطالبة بتوفير مليون فرصة عمل سنويًا، وهناك عشرة ملايين عاطل بشكل كامل، ومثلهم عاطلون بشكل جزئي، وهذا الوضع يحتاج خطة اقتصادية متكاملة بكثرة، كالمشروعات الصغيرة، والعمل على انتشارها على مستوى الحي والقرية في جميع المحافظات، فدور المشروعات الكبرى تكميلي للمشروعات الصغرى بتقديم التكنولوجيا الحديثة، فالصين أسست نهضتها الاقتصادية بالمشروعات الصغيرة، والأمر نفسه تكرر في دول الهند والبرازيل وماليزيا.

غياب الرؤية
كيف ترى حالة الارتباك داخل الحكومة لخروج قانون منظم للانتخابات البرلمانية؟
أي ارتباك سياسي يرجع في الأساس إلى عدم وجود رؤية سياسية واضحة بخطوات ثابتة من جانب الحكومة، والمشكلة في مصر تتمثل في غياب الرؤية وانعكاسها في برنامج واضح، وقد نادينا بعد ثورة& يناير، وتكرر بعد ثورة يونيو بضرورة انتخاب نظام لديه رؤية وبرنامج، ولكن الصوت الأعلى في هذا الوقت كان ينادي بوجود قيادة قوية أولًا ثم يتم بناء الرؤية، وقد أثبتت الأيام خطأ تلك الأصوات، وهو الأمر الذي نعاني منه حاليًا، والدليل ما يحدث الآن من حالة توهان، ثم الارتباك السياسي، فمصر رائدة في العمل البرلماني، فقد أدخلت مصر العمل البرلماني في المنطقة منذ قرن ونصف قرن، وكانت من أول 15 دولة في العالم أجرت أول انتخابات برلمانية، فهل يعقل أن تأتي بنا الحال إلى هذا التدني بالفشل في خروج قانون آمن ينظم الانتخابات البرلمانية؟. إنه بالفعل أمر مخزٍ سببه الأساسي فقدان وجود الرؤية.

ولكن الهجوم الآن على لجنة الخمسين لتسببها في وضع نصوص دستورية قابلة لتعدد التفاسير ومطاطة؟
نصوص الدستور واضحة جدًا، ولا يوجد بداخلها أي نوع من تعدد التفسيرات، ولكن المشكلة في من يضع قانوناً يتوافق مع النصوص الدستورية، ولجنة تعديل قانون الانتخابات لا تستمع إلى أحد، وليست لديها قدرات فنية كبيرة نتيجة الاختيار الخاطئ في تشكيل اللجنة، وهناك عشرات القوانين التي صدرت أخيرًا مطعون عليها بعدم الدستورية، مما يؤكد أن المشكلة ليست في الدستور، ولكن في من يضع القانون.

طعون جديدة
هل تدخل الحكومة والأجهزة الأمنية في عمل لجنة تعديل قانون الانتخابات سبب مباشر في هذا الارتباك؟
هناك تدخل من الجميع، مما تسبب في اختلاط الأوراق، والفريق الذي يملك القوى الأكبر تكون كلمته أمرًا نافذًا على لجنة الانتخابات، وهذا التخبط كان سببًا مباشرًا في تأجيل الانتخابات.

هل تتوقع تقديم طعن جديد على التعديلات الجديدة على قانون الانتخابات؟
هناك طعون جديدة على التعديلات الجديدة بسبب زيادة مساحات الدوائر الانتخابية، وهناك طعون أخرى منتظرة بشأن قانون مباشرة الحقوق السياسية، حيث يوجد به نص غريب غير معترف به منذ مائة عام، قد ألزم المشرع المصري في قانون مباشرة الحقوق السياسية عدم تغيير النائب صفته الحزبية في حالة نجاحه على قائمة حزب ما، وكذلك للمستقبل، وهو ما يخالف نصاً دولياً يطلق عليه حق الضمير، حيث لا يجوز فرض قيود على النائب البرلماني في حال طلبه تغيير صفته الحزبية طالما يتوافق ذلك مع حق الضمير، ومثال على ذلك في حالة إعلان حزب ما رفضه تطبيق الشريعة الإسلامية بشأن قضية ما، وهو ما اعتبره النائب ممثل الحزب مخالفًا لضميره وحرية فكره، فمن حقه فورًا تغيير الحزب تحت قبة البرلمان.

خرجت أصوات في الحكومة المصرية تطالب بتأسيس حزب سياسي يرأسه السيسي، فكيف ترى تلك الدعوة؟
تلك الدعوات "تخريف"، وغير قابلة للتنفيذ من قبل الرئيس، الذي يدرك جيدًا أن الشعب لن يوافق على ذلك، والمشكلة في مصر منذ ثورة 52 هي وجود جماعة وحزب لكل رئيس في السلطة، وآخر تلك الشخصيات وزير الصناعة والتجارة منير فخري عبد النور الذي أطلق تلك الدعوة.

التعددية حاجة
أعلنت بعض القوى الشبابية والثورية تشكيل كيان سياسي على خلفية جبهة الإنقاذ في عهد مرسي بحجة وجود فساد في الحكومة، فهل ترى أنها تمثل ضربة في شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي؟

مصر في حاجة إلى أصوات معارضة متعددة الفكر والتوجه، لأن أخطر ما يواجهنا حاليًا انحسار البلاد بين صوتين فقط، هما الإخوان والنظام، وبالنسبة إلى شعبية الرئيس فهي لن تدوم طويلًا، فالمتفق عليه سياسيًا أنه لا يوجد ما يسمى بجملة الظهير الشعبي التي يرددها الإعلام، وإنما يمكن أن يكون هناك نظام له تأييد عام عند انتخابه، ولكن المتعارف عليه أيضًا أن اتجاهات الرأي العام متغيرة دائمًا، والمثال على ذلك الرئيس الفرنسي شارل ديغول، الذي انتخب عام 58 باكتساح تام من الشعب الفرنسي، وبعد عشر سنوات من الحكم أجبر على الاستقالة، فمن يعتقد أن النظام الحالي سوف يتمتع بالتأييد المطلق ومستمر، فهو نوع من ضرب الخيال، فالتأييد يقل مع الوقت، والأهم عند الشعب الإنجازات ومواجهة الأزمات، التي وحدها القادرة على حفاظ الرئيس على قدر من التأييد يقترب من الذي حصل عليه عند انتخابه.

أسلوب خاطئ
الحديث الآن عن عودة القبضة الأمنية على غرار عهد مبارك، فهل سوف يؤدي ذلك إلى القضاء على الإرهاب في مصر؟&
هناك قبضة أمنية شديدة تمارسها الداخلية على الشعب مثلما حدث في عهد مبارك، وهذا الفكر لن يؤدي إلى تحسن كبير في مواجهة الإرهاب، كما تعتقد الأجهزة الأمنية، وقد يكون ذلك أمرًا موقتًا، ولكن الشعب لن يقبل باستمراره، حيث إن حجة التخويف من الإرهاب لن تكون أمرًا مقنعًا للشعب، ومواجهة الإرهاب تتطلب الإحساس بالحرية حتى يكون هناك تعاون من جانب الشعب أمام سياسة توجيه التهم الجزافية والاعتقالات الظالمة لن تفيد، بل تخلق المزيد من العداء للداخلية، وهو ما يصب في مصلحة الجماعات الإرهابية، التي تستغل الظلم الواقع بسبب التضييق الأمني في حث الشباب نحو الانتقام، فوزارة الداخلية تواجه الإرهاب على طريقة مطاردة تجار المخدرات، وليست هناك خطة حقيقية تتبع الآن في مواجهة الإرهاب في مصر.

وماذا عن الوضع في سيناء وتكرار حوادث استشهاد جنود الشرطة والجيش؟
الفكر نفسه في مواجهة الإرهاب في الداخل هو المتبع في سيناء حاليًا، فالمواجهة العسكرية لم تؤتِ بثمارها حتى الآن، بل كانت سببًا في خلق عداء لقوات الجيش والشرطة، ومن هنا نحن نطالب بضرورة العمل على مسارين التنمية الاقتصادية والاجتماعية في سيناء بجانب المواجهة العسكرية، والقيام بمشروعات صغيرة تحوي شباب البدو في عمل شريف يقطع الطريق على الجماعات الإرهابية في استقطابهم، ما دون ذلك فإن الوضع في سيناء سوف يطول، والإرهاب لن ينتهي قريبًا.
&