قالت باحثة بريطانية إن التدخل الغربي في حرب الخليج 1991 كان ناجحًا وحقق أهدافه، بينما التدخل في عام 2003 لم يحقق كل أهدافه.
&
حسن حاميدوي: كشفت دراسة بريطانية حديثة عن ستة فوارق جوهرية ودروس استراتيجية حيوية، لازمت التدخل العسكري الغربي بمنطقة الخليج في حروب عامي 1991 و2003. ورجحت الدراسة التي أعدتها الدكتورة لويس كاتيل، الأستاذة المساعدة بجامعة نوتنغهام البريطانية، كفة حرب الخليج في عام 1991 من حيث كونها تدخلًا عسكريًا ناجحًا حقق أهدافه في وقت قصير وفي منطقة معقدة.
&
ارهاصات مستمرة
&
قالت الباحثة في مستهل الدراسة التي أصدرتها تزامنًا مع الذكرى الـ 25 لحرب الخليج الثانية: "نظرًا إلى وجود إرهاصات لتدخل عسكري غربي جديد بالمنطقة، بسبب تصاعد التهديدات الإقليمية لتنظيم الدولة الاسلامية (داعش)، كان من الضروري، تسليط الضوء على الدروس المستفادة من حروب الخليج، من خلال المقارنة بين النجاحات والإخفاقات، قبل أن يتم النظر في أي تدخل غربي آخر.
&
وأوضحت أن حرب عام 1991 لم تكن مميزة فقط من حيث الحجم، لكن أيضًا من حيث التوقيت، إذ جاءت بعد نهاية الحرب الباردة، وهي مرحلة شهدت انخفاضًا في التوترات الدولية أدى إلى إعادة النظر في الإنفاق العسكري عند عديد من الدول الغربية.
&
ورأت الدراسة أن حرب عام 1991 كانت أول تجربة ناجحة لما عرف "بالنظام العالمي الجديد" بحسب توصيف جورج بوش الأب، ومثلت أنموذجًا لمدى التماسك الدولي واستجابته السريعة للأزمات الدولية، دبلوماسيًا وعسكريًا.
&
وأكدت الباحثة أن حرب الخليج في عام 2003 التي شنها "ائتلاف الراغبين" بقيادة واشنطن نسفت جهود 12 عامًا من التأسيس لنهج دولي متماسك، واحترام القانون الدولي، ما ألحق أضرارًا بالغة بسمعة الغرب، "بما أن المجتمع الدولي يواجه تهديدات مماثلة من خلال تنظيم داعش، فهذه فرصة لإعادة النظر في نظام يقوم على التحالفات المشروعة ويعمل من خلال الأمم المتحدة والشركاء المحليين الإقليميين".
&
فوارق إستراتيجية
&
في ما يتعلق بالفوارق الحيوية والإستراتيجية بين حربي عام 1991 و2003 والتي لخصتها الدراسة في ستة فوارق، جاء الفارق الأول تحت عنوان العلاقات (الغربية – العربية) ممكنة ومنتجة، حيث أوضحت الدراسة أن العلاقات بين الطرفين قبل وأبان حرب 1991 كانت ذات منفعة متبادلة، حيث أثبتت الجهود الدبلوماسية مع العرب جدارتها في توثيق هذه العلاقات، والتي مثلت عمودًا فقريًا لنجاح حرب 1991، حيث كان هناك تفاعل ودعم إقليمي للتدخل الغربي، وهو ما جنّب الجيوش مشاعر السخط والإدانة المحلية والانتقام، والتي شهدتها عمليات الحرب في 2003، وذلك بسبب ضعف الاتصال الدبلوماسي بين الغرب والدول العربية حينها.
&
وبخصوص الفارق الثاني، تمحور حول أهمية الإلمام بالثقافة المحلية للحصول على التأييد والدعم، حيث أوضحت الدراسة أن مسألة دخول قوات أجنبية لدولة ما، تعتبر مسألة مخيفة وغير مألوفة، وهي غالبًا ما تؤدي إلى احتقان ورفض شعبي، لذا فمن المهم للجنود أن يعلموا بأنهم ضيوف، وعليهم احترام المجتمع المحلي ليضمنوا دعمه، وهو ما يتطلب جهوداً مكثفة لبناء التفاهم والاحترام المتبادل.
&
وقالت الدراسة: "في حرب 1991، وزع الجيش البريطاني بالسعودية منشورات على جنوده يطالبهم فيها باحترام مضيفيهم، تضمنت تعريفًا بالثقافة المحلية وإرشادات حول كيفية التصرف في المجتمع العربي، كما حثت الجنود على التصرف باحترام والابتعاد عن شرب الكحول أو أكل الخنزير، كما كان هناك تخطيط مسبق أن تبدأ العمليات العسكرية وتنتهي قبل دخول شهر رمضان، في حين أنه في&حرب 2003 استغرق الأمر أربع سنوات حتى أصدرت وزارة الدفاع البريطانية كتابًا عن الثقافة العراقية ليوزع على الجنود البريطانيين".
&
تغيّر الحكومة
&
في ما يتعلق بالفرق الثالث، أسهبت الباحثة في مسألة تغيّر النظام وما يتطلبه من التزامات محلية كي ينجح، وقالت إن تغيير النظام يمثل تحديًا في أي مجتمع، فالانتقال إلى شكل جديد من أشكال الحكم عملية طويلة ومعقدة وفيها زعزعة لاستقرار الشعوب، ما يتطلب معها إرادة وعزماً وتضافرًا شعبياً. ونتيجة لذلك، يجب أن يأتي هذا الامر من خلال تقرير المصير أو استفتاء ولا يمكن فرضه من قبل جهات خارجية دون التأكد من وجود التزام شعبي.
&
وقالت الدراسة إن هذه النقطة كانت حاضرة في حرب 1991، حيث كان هناك تحذير صريح من الخارجية البريطانية من مغبة الدخول إلي بغداد وإسقاط الحكومة العراقية، إذ سيؤدي هذا إلى تصاعد المشاعر المعادية للغرب، وعليه تم اتخاذ قرار بوقف إطلاق النار قبل وصول قوات التحالف إلى بغداد، وذلك في مقابل حرب 2003 حيث قالت الدراسة إن جورج بوش الابن لم يتعلم من الدرس، بل على العكس قام بإعدام صدام وشكل حكومة انتقالية ليس فيها تمثيل لعناصر حزب البعث، ما تسبب في نفور جزء كبير من الكوادر العراقية التي لم تدعم الحكومة الجديدة. نتيجة لذلك، ظل النظام الجديد ضعيفًا، ما خلق فراغًا سياسيًا وامنيًا ​​شغل لاحقًا من قبل الجماعات الإرهابية، ومن ضمنها تنظيم داعش.
&
مكونات معقدة
&
مكونات شعوب الشرق الأوسط معقدة. تحت هذا العنوان، جاء الفارق الرابع. قالت الدراسة إن مجتمعات دول شرق الأوسط غير متجانسة تقريبًا، تختلف في اللهجات والأعراق والأديان وأشكال الحكم، وتأثر بعضها بطريقة الحكم العثماني وبعضها بحكم الاستعمار، وبعضها بالقومية العربية.
&
وقالت الدراسة إنه في حرب 1991 كان هذا الأمر مأخوذًا في الاعتبار من قبل السياسيين الذين كانت لديهم خلفية معرفية بمكونات المجتمع العراقي من أكراد وسنة وشيعة، وكان هناك تفهم بأن أي تورط في البلاد سوف يحتاج إلى التزام طويل الأجل لإدارة نظام موحد يمكن أن يشمل مجموعة متنوعة من السكان، هذا الوضع أدى إلى التحذير الشهير الذي أطلقته رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، من مغبة الدخول للعراق المعقد، وهو نفس التحذير الذي وجه للسياسيين في عام 2003، لكن لم يلتفت إليه. وفي مقابلة تلفزيونية أجريت في عام 2012، اعترف رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير بأن معرفته بالهوية العراقية قبل دخوله في الحرب كانت ساذجة وسطحية.
&
الشعب الغربي
&
أما الفارق الخامس، فتمحور حول أهمية استمرار دعم الشعوب الغربية لقرار التدخل العسكري. قالت الدراسة إن أنموذج حرب فيتنام كشف أن الحروب طويلة الأمد تقلل من الدعم الشعبي، ما يؤثر على الدعم السياسي ويتسبب في سخط المواطنين وخصوصًا عندما تتصاعد الخسائر. وأوضحت الدراسة انه في الفترة التي سبقت عاصفة الصحراء، أعدت الخارجية البريطانية وثيقة لتخطيط السياسات، والتي أفادت أن التورط في حرب طويلة سيزيد من المعارضة المحلية ويؤثر على سيطرة الحزب الحاكم على الأغلبية البرلمانية.
&
وبينت الدراسة أن الحل الوحيد للخروج من مأزق الحرب الطويلة يتمثل في تقديم ضمانات من أن الحرب ستكون قصيرة وذلك من خلال تحديد أهداف العملية العسكرية بوضوح، والعمل على تحقيقها بكفاءة عالية، وعليه استمرت الحرب شهراً ونصف الشهر&فقط، أما في عام 2003، فكان هناك خلط كبير بين الأهداف العسكرية والمهام السياسية والتنموية، واقترنت مهمة تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل، مع أهداف أخرى مثل وضع حد للدعم الذي يقدمه صدام للإرهاب، أو تحرير الشعب العراقي. وبالتالي، كانت العملية طويلة ومعقدة، ونتيجة لذلك سرعان ما انخفض دعم الشعوب الغربية بسبب تطاول مدة الحرب.
&
وفي ما يتعلق بالفارق السادس والأخير، تناول أهمية الإعلام وكونه عنصراً أساسياً في المعركة، لاسيما أن حرب الخليج - بحسب الدراسة - تعتبر أول حرب في تاريخ الإعلام يتم تغطيتها مباشرة على مدار 24 ساعة، كما كانت أول حرب لا يمكن فيها توجيه المحتوى الإعلامي أو السيطرة على التقارير الإخبارية، حيث كان هناك العديد من الصحافيين المستقلين الذين يبثون موادهم الإعلامية سواء في الصحافة أو التلفزيون أو الإذاعة، وكنتيجة لهذه الحالة، كان الدبلوماسيون والعسكريون حريصين على إدارة التغطية الإعلامية بعناية، وتسهيل وصول الصحافيين.
&
الإعلام حجر الزاوية
&
قالت الدراسة إن وزارة الدفاع البريطانية قامت في حرب 1991 بتأمين تأشيرات لـ 170 صحافياً بريطانياً، كما كان هناك 80 جنديًا لديهم مسؤولية مباشرة عن إدارة العلاقات العامة، واصدرا قرارات لمعاملة الصحافيين معاملة جيدة واطلاعهم على جميع المستجدات، فضلًا عن التصريح لهم بمعلومات خاصة لبناء مزيد الثقة، كما كان بعض الصحافيين جزءًا لا يتجزأ من الألوية العسكرية، مما سمح لهم باستعراض تجارب الجنود من خلف خط القتال، وهو ما كان له تأثير ايجابي على المشاهدين.
&
أما في حرب عام 2003، تم توسيع أسلوب دمج الصحافيين مع الألوية العسكرية حيث تم وضع حوالى 700 صحافي ضمن قوات التحالف، وتكرر النجاح الإعلامي لعاصفة الصحراء لكن بمجرد انتهاء مرحلة الغزو وسقوط بغداد في أيار (مايو) 2003، عاد الكثير من الصحافيين إلي ديارهم، والذين بقوا في العراق عانوا بشكل متزايد من القيود الأمنية، ما قلل من فرصهم لتقديم مواد إعلامية ايجابية، ومع تزايد القيود والتعتيم اتجهت المواد الإعلامية نحو المنحى السلبي، بسبب إحباط الصحافيين، وبالتالي انتقل هذا الإحباط إلى المشاهدين.
&
وخلصت الباحثة في نهاية الدراسة إلى أن حرب 1991 كانت تدخلًا عسكريًا ناجحًا في منطقة معقدة، وهذا النجاح ما كان له أن يتحقق، لولا وعي ومعرفة السياسيين بالعناصر الستة سالفة الذكر، كما كان للدعم المحلي والإقليمي الفضل الكبير في تحقيق هذا النجاح. أضافت "بما أن المجتمع الدولي يواجه تهديدات مماثلة من خلال تنظيم داعش، فهذه فرصة لإعادة النظر في العناصر القائمة على التحالفات المشروعة والعمل من خلال الأمم المتحدة ومع الشركاء الإقليميين، قبل أن يتم النظر في أي تدخل غربي آخر"، بحسب الباحثة.