قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ضيقوا عليه.. أوقفوه عن الكتابة.. هاجموه.. كفروه.. لكن بقي عيسى الغيث قاضيًا بالعدل من دون قوس، متفوهًا بالحق من غير خوف... ولهذا يخشونه. وفي حواره الخاص مع "إيلاف"، يسمي الأشياء بأسمائها.

الرياض: القاضي السعودي السابق وخبير الفقه والقضاء الشرعي في جامعة الدول العربية، عيسى الغيث، كاتب رأي في عدة صحف ومجلات سعودية وعربية، مميز من غيره بجرأته في طرح فكره المتنور وفتاواه المثيرة للجدال، يقف اليوم كما في كل يوم حاملًا راية الاسلام القويم، اسلام الاعتدال والوسطية. لكنّ المتشددين يرون فيه مداهنًا للحكومة. أما هو فصريح في التعريف عن نفسه: الإسلامي الوسطي التجديدي المستقل غير المتطرف غير التقليدي غير الحزبي.
في لقاء خاص مع "إيلاف"، تكلم الغيث على سجيته، مدليًا بدلوه في كل أمور الساعة، وخصوصًا في أمور تهمه، كمسائل الفتاوى والتكفير وداعش والتدعيش والاخوان واختراقهم بنية الدولة السعودية.
وفي ما يأتي متن الحوار:
• بعد غياب طويل عن الصحف والكتابة، عدت بمقالات نارية تتناول هيئة الأمر بالمعروف وشرعيتها، فتعرضت لهجوم كبير. ما سبب الغياب والعودة القوية؟
بداية، أشكر "إيلاف" وجميع العاملين فيها، على رأسهم الصديق عثمان العمير، على هذه الاستضافة، وأتشرف أن أكون الضيف الثاني في سلسلة اللقاءات التي بدأتم بها في هذا العام، ولا سيما أن اللقاء الأول كان مع المفكر السعودي الدكتور تركي الحمد، ويسعد الإنسان أن يكون بجانب هؤلاء الرموز الكبيرة الفكرية. من ناحية الانقطاع، فقبل وفاة الملك عبدالله بأشهر، بدأت بالانشغال بمجلس الشورى والسفر إضافة إلى أعمالي الخاصة، ثم بعد ذلك حدث العديد من التحولات السياسية والفكرية والاجتماعية، وحدث العديد من المستجدات التي تتطلب اعادة نظر وعليها يُبنى مسار جديد.
توقفت ما يقارب السنة، ثم عدت تدريجيًا بدءًا من تويتر، ومن ثم كتابة مقالة أسبوعية في صحيفة الوطن، أكتب عن دفع المجتمع نحو التجديد والوسطية والاعتدال. وهناك سبب آخر للتوقف، ففي العهد الجديد في المملكة يحتاج الإنسان إلى التوقف لمعرفة الوضع السياسي الجديد، فقد تحتاج إلى إعادة تموضع، لترى هل الفكر الذي تطرحه موافق للفكر السياسي الحالي. فكما هو معلوم، سقف مقالاتي أو الفكر الذي أكتب عنه عالٍ، وإن لم تكن مدعومة فعلى الأقل لا يوقف في طريقها، وأنا أحمل فكرًا مستقلًا أعتقد أنه وسطي وتجديدي ومستقل بعكس الفكر المتطرف والتقليدي والحزبي، فإما أن أعبر عنه أو عن بعضه بحسب المتاح أو السكوت خير من التلون لأن لساني وقلمي لا يمكنهما الخطاب بغير القناعات التي أتقرب إلى الله بها وأرى فيها اعتدالًا وتجديدًا واجبًا يخدم الإسلام والمسلمين.
ضيقوا عليّ
• هل تكتب ما تريده القيادة السياسية؟
المقصد أن أكتب بناءً على سقف الحريات ونوعية الفكر، ولا أعني أن أكتب ما يُراد مني. لكن أحيانًا لا يستطيع الشخص أن يكتب إذا لم يرد منه ومن غيره الكتابة بهذا الشأن. ولو كنت أكتب بناءً على الطلب لما توقفت أصلًا عن الكتابة. عمومًا خطابي لم يتغير منذ أن عدت إلى الإعلام قبل سبع سنوات. وبالمناسبة، أنا لم أعد إلى الإعلام إلا في عام 1430هـ، وتوقفت قبلها سبع سنوات عن الكتابة والمشاركة الإعلامية أسميها بالسنوات السبع العجاف.
• لماذا توقفت عن الكتابة؟
بسبب الشيخ صالح اللحيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى. هو لم يمنعني صراحة، لكن تمت محاسبتي على مقالاتي الوسطية الوطنية، والتضييق عليّ من خلال النقل التعسفي ومنع الترقيات، فتوقفت عن الكتابة وعدت بعد إبعاده عن القضاء، وكان معروفًا بتعسفه تجاه القضاة، وهذا الكلام أقوله للمرة الاولى، وهو جزء من مذكراتي الطويلة التي دونتها وأوصيت أولادي بنشرها بعد رحيلي.
الإخواني والسروري
• بعد إعدام 47 ارهابيًا، هوجمت السعودية من الدول الغربية، ما رأيك في هذه الأحكام؟
بداية، لدي ملاحظات على ملف مكافحة الإرهاب منذ عام 2003، من بطء التحقيق وبطء المحاكمة وعدم وضوح في التنفيذ، بسبب عدم خبرة وقدرة المباحث العامة آنذاك في التعامل مع هذه الحوادث الكبيرة والكثيرة والمتوالية. تجاوز عدد المقبوض عليهم الآلاف، فتعدى ذلك القدرة على التعامل. أنا هنا أفسر ولا أبرر الواقع، بعكس ما يحدث الآن من سرعة تحقيقات ومحاكمات لا يتجاوز زمنها 6 أشهر منذ الاعتقال وفقًا للقانون. أرى جهاز المباحث يؤدي عمله بامتياز، وكنت سابقًا أطالب دائما بتنظيف السجون، ليس بمعنى دموي بل بمعنى عدم التأخير في تنفيذ الأحكام. فمثلًا، التأخير في تنفيذ بعض الأحكام هو ما جعل رجال الدول عرضة للخطف والمساومة، كما حدث للقنصل السعودي في اليمن، ولتنفيذ أحكام القصاص أثر خاص على المنتمين إلى القاعدة وداعش، حتى لو بالعقل الباطن، اضافة إلى أن استمرار بقاء الإرهابيين في السجون يؤثر في أهاليهم والمقربين منهم والأمن والمنظمات الحقوقية في الخارج.
حين يفتي ارهابي من عشرات السنين بقتل رجال المباحث ورجال الدولة ويحكم عليهم بأنهم كفار وأعداء للدين، بأي حق يجلس هذه السنوات كلها من دون محاكمة وعقوبة وتصرف له الرواتب وهو في السجن؟ وبأي حق يصرف المال على هؤلاء الإرهابيين القتلة الأموال وهم من المفترض وجودهم تحت الأرض وليس فوقها.
لا بد للدم من أن يمنع الدم، وأكبر دليل الأثر الإيجابي الكبير بعد تنفيذ الحكم الاخير في 47 إرهابياً، حيث أعاد للدولة هيبتها وقوتها في الداخل والخارج.
• كانت لك تغريدة بعد العمليات الإرهابية أن لا حل لمشاكل الإرهاب والتطرف إلا بتجفيف منابع الإرهاب. ما هي هذه المنابع؟
كي تحارب أي منتج يجب أن تحارب المصنع الرئيس لهذا المنتج. حين نشاهد الشباب المشارك في الأعمال الإرهابية والتفجيرات نجدهم نتاج التجنيد، سواءً من القاعدة أو داعش، أي هناك شبه توافق فكري بينهم، وجميع من يشارك في هذه التنظيمات من السعوديين هم نتيجة بعض المحاضن التربوية عندنا في المملكة، فبعض هذه المحاضن تخرج شباباً داعشياً بنسب متفاوتة، وأقرب مثال الآن شاهدنا من قبل حملة طائفية تحريضية شنيعة على الشيعة السعوديين من مشايخ التطرف، وفي الوقت نفسه هؤلاء المشايخ لم يطالبوا بالهجوم عليهم ولا قتلهم لكنهم وضعوا أرضية مناسبة للشباب المتحمس لممارسة هذه الأعمال. وحينما تتم هذه الأعمال، نجد مشايخ التطرف في مقدمة مهاجمي ومنتقدي هذه العمليات الإرهابية، وقس على ذلك ما نشاهده من هجوم متطرف وتحريضي من بعض دعاة الدين تجاه الإعلاميين من خلال وسم #اعلاميون_يخدمون_أعداءنا وهذا الهجوم الذي لو تنتج عنه لا سمح الله عملية ارهابية تجاه أحد الإعلاميين، فسوف تشاهد نقد هذه العمليات الإرهابية من هؤلاء الدعاة أنفسهم !
انقل عني: التنظيمان الإخواني والسروري [تنظيم متطرف أسسه الشيخ محمد سرور زين العابدين من حوران السورية، وكان من الإخوان المسلمين فانشق عنهم] يحرضان على الإرهاب، وداعش والقاعدة ينفذان العمليات الإرهابية، ومعظم كوادر القاعدة وداعش من السعوديين هم من مخرجات هذين التنظيمين السريين لدينا.
• ألا يسبب لك أن يكون معظم الهجوم من التيار الديني الانزعاج والإحراج كرجل دين؟
أؤكد أنه لا يوجد في الإسلام رجل دين، وإنما عالم دين. لأن الإسلام ضد الكهنوتية الموجودة في اليهودية والنصرانية، وبالتالي فكل مسلم هو رجل دين. وأما الهجوم على عيسى الغيث فلأن الغيث محسوب على المؤسسة الدينية لأنه فقيه شرعي، وظيفته قاضٍ شرعي ومختص في علوم الشريعة، أي رجل متخرج في كلية الشريعة ومعه ماجستير من المعهد العالي للقضاء ودكتوراه من جامعة الأزهر وقاضٍ لمدة عشرين عاماً ومفتٍ بالشريعة، وبالتالي عندما يطرح طرحًا مخالفًا للسائد فهو يهاجم من ثلاث فئات: أولى تقليدية لا تريد أن يتغيّر شيء تقف ضد تعليم المرأة وضد منحها بطاقة الأحوال الشخصية، تمرر كل شيء جديد على بوابة (التحريم أولًا) وما زلت أذكر أن أحد المشايخ حرم الانترنت في أوله، وقال هو حرام مثل الخمر والميسر، وكتب ذلك بمانشيت عريض على غلاف مجلة الدعوة السعودية؛ ثانية متشددة، قد تجده متعلماً في أميركا وأوروبا، لكنه لا يريد أن تأتي بشيء خلافًا لما اعتاد عليه، وبالتالي الأصل عنده هو التحريم؛ وثالثة تابعة لأحزاب وجماعات لها أجندات خاصة، مثل التابعين لجماعة الأخوان المسلمين في السعودية، أو التنظيم السروري، أو حزب التحرير، أو حتى أحيانًا جماعة التبليغ، فضلًا عن المنتمين تنظيميًا أو فكريًا للقاعدة وداعش.
تكفير... فتفجير
• ذكرت أن التعليم في المملكة مخترق من أربعين عامًا؟
وما زال... الدولة مخترقة، فليست لها أجندة للأمن السياسي الحركي، ولا استراتيجية ولا خطة واضحة. تجد سياسيين كباراً لا يعرفون عن هذا التنظيم السري للإخوان المسلمين الذي يخترق الدولة، لأن العديد من أعضاء هذه الجماعة يتبوأ مناصب قيادية في الدولة. في السعودية، ينفعك انتماؤك إلى التنظيم السري للإخوان المسلمين أكثر من ولائك للنظام. فلو كان الوزير أو عضو هيئة كبار العلماء أو عضو السلك القضائي أو عضو هيئة التدريس الجامعي أو العام من أتباع هذا التنظيم السري، فسيجد منهم كل الدعم والمساعدة، وفي أقل الأحوال إن لم ينفعوك فلن تجد منهم الضرر، وربما حموك ودافعوا عنك، خلافًا لما يحصل لو كان ولاؤك للحكام، وطرحك مخالفا لطرح هذا التنظيم أو ذاك، فسوف يحاربونك بالدولة التي اخترقوها، فالدولة ليست لها معرفة عميقة بخطر هذا التنظيم خلافًا لمصر والإمارات مثلًا. في الإمارات ومصر، لا تجد أحد المنتمين إلى الإخوان في مناصب مهمة بسبب خبرتهم في التعامل مع التنظيمات السرية، وعليه من المعروف أن تنظيم الأخوان السعودي أكثر اختراقًا للدولة في حين أن التنظيم السروري أكثر اختراقًا للمجتمع، وكلاهما محاضن لكوادر القاعدة وداعش. في عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي، انكشف الأمر فوجدنا العديد ممن ينتمي إلى هذا التنظيم يقف ضد سياسة الدولة في الربيع العربي، وهم في مناصب قضائية وتشريعية وتنفيذية وأكاديمية واجتماعية. عمومًا لا أواجه مشكلة مع الإخوان والسروريين، وأرى أن من حق أي انسان أن ينتمي إلى من يشاء، سواء أكان اخوانياً أو حتى ملحداً ما دام مستترًا ولسنا مكلفين باختبار القلوب، بشرط عدم المجاهرة وأذية الآخرين. ومهمة الدولة حماية الوطن والمواطنين وهي المسؤولة عن مكافحة هذه التنظيمات وليس أنا، وعندما أقف ضد الإخوان والسروريين فلا أتقمص دور الدولة وإنما أدافع عن نفسي وأولادي وجيلي ومستقبل شعبي وأحتسب المصلحة العامة لأن طرحهم وأجندتهم تشكل خطرًا علينا نحن كأفراد. أغرد برأي فقهي مختلف عنهم فيهاجمونني لأني أختلف عنهم لا لأني أختلف معهم، وهذا ما لا يتحملونه أبدًا، فيبدأون بوصفي بالعلماني والتغريبي والليبرالي والمنافق، وهذه أوصاف تكفيرية. تجد الأخواني والسروري يحرض على الآخر ويكفره بمثل هذه الأوصاف ثم يأتي الدور على القاعدة وداعش لينفذا الاغتيال والتفجير، فهم يتوزعون الأدوار بكل احترافية: الأخواني والسروري يقومان بمهمة التكفير ثم يأتي القاعدي والداعشي ليقوما بمهمة التفجير.
• وأنت ماذا تصنف نفسك؟
أنا إسلامي وسطي تجديدي مستقل غير متطرف وغير تقليدي وغير حزبي.
• لكن هناك من لا يراك مستقلًا بل شيخ سلطان؟
المشكلة ليست فيّ، وإنما في من يتهمني، واقصد الإخوان والسروريين وفروخهم من القواعد والدواعش، تجد أحدهم في تركيا جاميًا مع إردوغان وفي مصر جاميًا مع مرسي، وفي الوقت نفسه خارجي هنا ضد الملك. والجامية تيار فكري لا تنظيمي منسوب إلى الشيخ المرحوم محمد أمان الجامي الذي اشتهر بوطنيته ووسطيته وطرحه المختلف عن طرح الإخوان والسروريين في فترة غليان الصحوة، ومن ثم فترة دخول صدام إلى الكويت ووقوف السروريين ضد الدولة. لو عدنا إلى محاضرات الشيخ الجامي لوجدناه يرى السمع والطاعة لولي الأمر بالمعروف وفي ما لا يخالف شرع الله، وهذا مفترض أن يكون لسان كل مواطن، لذا إذا كان المقصود بهذا الاتهام بأني جامي فأنا أفتخر، لكن الإشكالية أتت من فئة أخرى تصنف جامية وهي شوهت هذا الفكر الوطني بالمزايدة على وطنية الناس، كمزايدة الإخواني والسروري على إسلامية الناس، فنفروا الناس من محبة ولي الأمر. تجدهم بمجرد أن تنتقد أداء الحكومة يخونونك ويتهمونك بأنك حزبي. طول حياتي لم أنتم لأي تيار أو فكر أو جماعة، فأنا إسلامي فقط بمنهج النبي صلى الله عليه وآله وسلم. أحيانًا في الساعة الواحدة، يتهمك الإخواني بأنك جامي ويتهمك الجامي بأنك أخواني لأنك حر مستقل تعتبر الحكمة ضالة المؤمن.
الاباحة هي الأساس
• يتحدث الكاتب خلف الحربي في مقالته القديمة "يسرقون أعمارنا ثم يعتدلون" عن تغيير الفتاوى من نفس المشايخ. فما رأيك في ذلك؟
الأصل في كل شيء الإباحة ما لم يرد دليل على تحريمه. المفترض أن من يحرم الشيء يأتي بالدليل وليس العكس، وتجد عندنا خصوصًا في ما يتعلق بقضايا المرأة أن التحريم أول مرحلة ثم بعد سنوات وسنوات نجد الفتوى تغيّرت. لماذا؟ لأن الأمر لم يكن محرمًا من الأساس. شئنا أم أبينا، قيادة المرأة السيارة قادمة لا محالة عاجلًا أو آجلًا، لكن السؤال من يتحمل تأخير هذا الأمر لسنوات وسنوات ومن يدفع ثمن حرمان المرأة عشرات السنين من هذا الأمر وتسببنا بكثير من المنكرات بل والكبائر والظلم بسبب ذلك.
هذه قصة حصلت لي شخصيًا: قبل سنوات، عند تعيين الوزير محمد العيسى وزيرًا للعدل، كانت هناك مطالبة بأن تكون المرأة محامية أسوةً بالرجل، ولا سيما أن هناك اتفاقًا بين دول الخليج يقضي أنه يجوز لأي محامٍ خليجي أن يحامي في أي دولة خليجية. فبقوة القانون، يحق لأي محامية خليجية أن تترافع في أي محكمة سعودية. فهل أقبل بالترافع من محامية خليجية وفي الوقت نفسه أرفض القبول بمحامية سعودية؟ هذا ظلم صريح. كما أن المحاكم مليئة بالقضايا النسائية، ولا شك في أن ترافع المرأة المحامية عن قضايا بني جنسها أحشم لها. تبنيت في عدد من المقالات فكرة السماح للمرأة السعودية بالمحاماة، فتعرضت لحرب شعواء من الإخوان والسروريين ورموزهم من الدعاة المشهورين، نعتوني ومن أيدني بأقذر الأوصاف.
قبل ثلاث سنوات، صدر قرار مجلس الوزراء بالسماح للمرأة بمزاولة المحاماة، فأصبح الأمر حلالًا بعدما كان محرمًا. السؤال المكرر: من يتحمل تأخير هذا الأمر لسنوات؟ ومن يدفع ثمن الهجوم والشتم وتشويه السمعة الذي واجهنا ذلك الوقت، وكل ذنبنا أننا استبقنا التفكير في هذه المسألة وغيرها؟
حرّم تسلم
• تكثر فتاوى التحريم من باب سد الذرائع ما أغلق أبوابًا كثيرة في وجه المجتمع السعودي. ألا يدل ذلك على كسل المشايخ؟ أين التحليل والاستنباط والاستنتاج؟
هناك قاعدة لغوية دارجة عند الناس، وهي "سكّن تسلم" فلا ترفع منصوبًا ولا تنصب مرفوعًا. أقول قياسًا على هذا إن واقعنا التقليدي هو "حرّم تسلم". في البيئة السعودية، تجد السائل يسألك ما حكم شرب الماء فعندما تجيبه بالتحريم يقول كثر الله خيرك يا شيخ!!! لكن لو قلت حلالاً أجابك مستغربًا: ليش حلال يا شيخ؟؟؟ والسبب هو العقل الباطن الذي جعله يتربى على أن الأصل هو التحريم، وبالتالي هات دليل الإباحة. المجتمع عندنا يزيد في تدينك بكثرة تحريمك ويعتبرونك منتكسا لكثرة ما تبيح، وهذا بسبب سوء التربية في مجتمع تربى على التناقض. مهمتنا الشرعية كدعاة ومشايخ وعلماء ومفكرين أن نقود مجتمعنا إلى التغيير ونبين له الخطأ ونتحمل الأذى لأن المجتمع تعود على الرأي الواحد والسير كالقطيع من دون تغيير أو حتى تساؤل. للأسف، من يقود المعركة ضد التجديد وضد الاستقلال وضد الحرية هم أناس متعلمون.
هناك حديث ورد عن الرسول عليه السلام يقول "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، وللأسف كلما أتينا بتجديد للطرح وتبين أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان ترى الهجوم تجاه كل مجدد في الفكر. وإذا أردت معرفة توجه المجتمع هل هو ايجابي أو سلبي، هل هو مجتمع مريض أو صحيح فشاهد موقفه من الواعين والمفكرين والمجددين في المجتمع. المجتمع السعودي ليس مريضًا وإنما مختطف جزئيًا. لكن التغيير بدأ بدخول القنوات الفضائية قبل ربع قرن، ومرورًا بالإنترنت ووصولًا إلى مواقع التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية والله أعلم ما سيأتي في المستقبل.
• كانت لك فتاوى عديدة عن الاختلاط وعمل المرأة وعمل الهيئة هاجمك المشايخ والناس بسببها. لماذا عودونا على عدم تقبل تعدد الآراء في مجتمعنا؟
بسبب التربية الاجتماعية التقليدية، الفطرة تدفع الطفل الصغير إلى الأسئلة، فهو لا يؤمن بشيء إلا عندما يفهمه. تجد الأبوين يجيبان على تساؤلات الطفل حتى سن معين، ثم يبدأ التوبيخ والملل. هذا يحطم الطفل ويؤثر فيه مستقبلًا، فيصبح تقليديًا. نتج من ذلك مجتمع تقليدي يمشي باعتقادات وأفكار سلوكية من دون أن يعيها ويؤمن بها، وبرأيي هذا أهم سبب لتزايد الإلحاد في المجتمع السعودي، لأن الناس لم يؤمنوا بقناعة أفكارهم وسلوكياتهم. تجد المرأة تخرج من السعودية فتخلع عباءتها كاملة بعكس الإماراتية أو القطرية، فلبسها للحجاب تقليد من دون قناعة. نتج من ذلك مجتمع متناقض وكأنه منافق. وأقول هنا إن أكثر المنافقين في مجتمعنا هم من المتدينين الذين لا يأخذون من الدين إلا الثوب القصير واللحية ويخفون أفكارًا وسلوكيات متطرفة ومتناقضة في حين يتهمون غيرهم بالنفاق، وهذا هو النفاق المسكوت عنه الذي كتبت عنه مقالًا بهذا العنوان. وهناك نقطة مهمة وهي أن الإسلام لم يكن في بدايته اسلام مظاهر، أما الآن ليس عليك سوى اطلاق لحيتك وتقصير ثوبك لتصبح متدينًا والدليل شاهد بعض المقيمين بعد فترة من بقائهم في المملكة تجد بعضهم يلبس الثوب القصير ويطيل اللحية لمعرفته أن الشعب السعودي شعب مظاهر يسهل خداعه.
ضد العرب والمسلمين فقط
• تتهم السعودية بأنها من أسباب ظهور داعش، بينما قلت إن داعش عراقية؟
قد تكون لنا ملاحظات على بعض أقوال الشيخ محمد بن عبدالوهاب أو ابن تيمية من قبله، ففي أثناء دراستنا الجامعية ونقاشاتنا الفقهية نرد بعض الآراء ونجعلها مرجوحة وهي قد تكون لكبار الصحابة أو أحد الخلفاء الراشدين. لكن اليوم لمجرد أنك ترد قولًا لأحد من مشايخ الدعوة السلفية الراحلين أو المعاصرين، يهاجمونك وربما يكفرونك عبر اتهامك بالنفاق، وهو تكفير غير مباشر، في حين هم المنافقون، يتظاهرون بالتدين ويكفرون خلق الله بلا حق.
التطرف كان موجودًا قبل محمد بن عبدالوهاب، فالخوارج موجودون منذ عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه. قد يكون هناك شيء من التشابه بمعنى أن جماعة الإخوان خرجت منها جماعات متطرفة كالقطبيين وجماعة التكفير والهجرة. لذا قد يكون هناك تشابه بين بعض آراء جماعة داعش وآراء بعض الوهابيين المتشددين، لكن لا نحمل كل الوهابية مسؤولية تطرف بعض الوهابيين، ولا نحمل الإسلام تطرف بعض المسلمين، وهذا لا يعني عدم النقد الدائم لأنفسنا وخطابنا.
عندما أقول إن داعش عراقية فلأن قادتها عراقيون من حزب البعث والطرائق الصوفية، ومشايخهم الشرعيين مختفون والمعروف منهم من بعض الدول العربية ممن لم يدرس منهج محمد بن عبدالوهاب، لكن هذه الاتهامات مجرد تصفية حسابات من إيران حيث تريد توريط السعودية بمثل هذه الخطة مثل ما فعله الهالك أسامة بن لادن حين حاول أن يورط السعودية بثلاثة أرباع الإرهابيين الذين نفذوا عملية 11 ايلول (سبتمبر) لكونهم من الجنسية السعودية.
عمومًا، داعش تختلف عن القاعدة، هي النسخة الرابعة من الإخوان. فالإخوان هم النسخة الأولى، ثم انشق عنهم السروريون وهم النسخة الثانية، وتلتها القاعدة النسخة الثالثة حتى خرجت لنا النسخة الرابعة وهي داعش.. وكل نسخة أكثر تطرفًا وإرهابًا من التي قبلها.
أود أن ألفت الانتباه إلى كلمة مهمة أقولها دائمًا: "القاعدة هي أيديولوجيا وضعت لها أجندة لتحقيق أيديولوجيتها، أما داعش فهي أجندة بحثت لها عن أيديولوجيا متشددة لتحقيق أجندتها لكون أجندتها استخباراتية بحثت عن ايديولوجيا تركب عليها بخلاف القاعدة التي لم تنشأ مخابراتية وإنما اخترقت لاحقًا وتم توظيفها لصالح أجهزة مخابرات متعددة، تجدها في إيران بيد مخابرات الولي الفقيه، وتجدها في اليمن بيد مخابرات عفاش حتى اليوم حيث تجد عمليات القاعدة وداعش في اليمن تخدم الحوثيين وعفاش وضد التحالف العربي ومصلحة المسلمين، وهكذا أبو عدس في لبنان حيث حاولت مخابرات حزب الله تعليق اغتيال رفيق الحريري به، ومثلها داعش في سوريا بيد مخابرات الأسد. فهذه الجماعات الإرهابية أجهزة مخابرات بقناع ديني أيديولوجي انخدع بها الشباب والكبار من صغار العقول.
• هل فتاوى ابن تيمية ومن بعده محمد بن عبدالوهاب هي السبب الرئيس في كثرة فتاوى التكفير ؟
فكر ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب جزء من المشكلة لكنه ليس كل المشكلة. القاعدة وداعش لا تنطلقان أساسًا من فكرهما، ومن ذلك كتاب الدرر السنية وبعض تراث ما يسمى بأئمة الدعوة النجدية. لكن اذا أتينا لجماعات التكفير مثل جماعة الهجرة والتكفير لم يكن من ضمن مراجعهم في التكفير لا محمد بن عبدالوهاب ولا ابن تيمية، مع العلم أن بن تيمية وبن عبدالوهاب ليسا تكفيريين، لكن قد يكون بعض طلباتهما وبعض من تولى ايصال خطابهما هو التكفيري.
• هل السبب في اتهام فتاوى بن عبدالوهاب وابن تيمية بالتكفير أنهما أخرجا فرقًا وجماعات كثيرة من الإسلام كالشيعة والصوفية مثلًا؟
غير صحيح. داعش لا تنطلق من ابن تيمية وابن عبدالوهاب، بل فكرها استنساخ مخابراتي لفكر قديم مدجن ومخلوط بشكل يحقق أشد أنواع التطرف لتحقيق أجندة مخابرات دول كبرى، هي الفوضى الخلاقة وتشويه سمعة الإسلام وجعل الإرهاب في داخل الوطن الإسلامي ليشغله عن الانتقال للغرب، فضلًا عن إنهاك الدول الإسلامية وابتزازها السياسي والأمني والتسويق لمشاريع تسلح وإعادة أموال البترول للدول الغربية. فتش عن المستفيد من داعش وستعرف من يقف وراء تأسيسها ودعمها. لن تجد رصاصة من داعش ضد إسرائيل وإيران وأميركا والغرب وإنما إرهابهم موجه ضد العرب والمسلمين.
جماعات ماسونية
• لطالما سمعنا بعبارة حديث الخاصة والعامة. وفي أحيان كثيرة، نجد تناقضًا بين هذين الحديثين. ما أصل هذا؟
ممكن أن ننظر لهذا الموضوع من جهتين: من جهة الفتاوى فهي تختلف أحيانًا بحسب الحالة والفروقات الفردية بين الأشخاص. قد تفتي بالجواز لشخص بسبب حالته هو دون غيره لاختلاف الحالتين. أما من ناحية تغيير الآراء كقولك للمقربين لك قولا يناقض رأيك أمام الجمهور خشية الجمهور فهنا المشكلة. تجد بعضهم يفتي بجواز كشف المرأة وجهها، وعندما يخرج أمام الشاشات تجده يقول إن هذا حرام. أتقبل أن لا تقول رأيًا تستعدي فيه الناس لكن لا تقل رأيًا يخالف رأيك تمامًا. فهذا تناقض.
• لماذا سيطرت سلطة الجمهور على العديد من المشايخ والدعاة؟
إما خوفًا من ضياع جماهيريتهم أو طمعًا في مزيد من الجماهيرية، والعلماء ثلاثة أنواع: نوع يخضع لسلطة الجمهور فيسكت عمّا لا يريدونه، ويقول ما يريدونه حتى لو خالف ذلك رأيه؛ ونوع لا يفتي حسب رغبة الجمهور لكنه لا يستطيع مواجهتهم ويخشاهم؛ ونوع يقول ما يراه حقًا، سواء أوافقه الجمهور أم لم يوافقه. وأرى نفسي من النوع الثالث.
• لماذا لا نرى تعزيز المواطنة هدفًا من أهداف العديد من رجال الدين. بمعنى: عند أي حدث تجاه أي ثغر من ثغور الإسلام كالتدخل الروسي مثلا في سوريا نجد البيانات الموقعة من العديد من المشايخ، على العكس في الحوادث الوطنية كإعدام 47 ارهابياً وعاصفة الحزم، تختفي هذه الأصوات؟
عاصفة الحزم ومكافحة الإرهاب مشروع دولة وليس مشروع تنظيم، وأغلب البيانات موقعة من عدد من أفراد التنظيم الإخواني او التنظيم السروري. كما أن الثورة في سوريا بدأت من درعا بلد محمد سرور بن نايف زين العابدين مؤسس التنظيم السروري المعروف، وتلتها الثورة في العديد من المناطق، إذًا يرون الهجوم السوري هجومًا على جماعتهم، لذا وجب اخراج هذه البيانات التي يرون فيها نصرة للتنظيم. لكن قد يخرجون بيانات تتكلم عن عاصفة الحزم في حال ضمنوا أن في التدخل السعودي نصرة لجماعة الإخوان في اليمن.
كنت أعتقد قبل أكثر من 15 عاماً أن هذه الجماعات والأحزاب الإسلامية مصدر قوة للإسلام وفيها نصرة للإسلام والمسلمين ووجود جماعات منظمة عمل يخدم الدين، لكن بعد أحداث 11 ايلول (سبتمبر)، آمنت بأن هذه الجماعات عبء على الإسلام والمسلمين، تختطف الإسلام من يد المسلمين وتزايد على المسلمين في إسلامهم، وتستخدم الإسلام والمسلمين لمصلحة التنظيم لا الدين، فليسوا سوى تجار دين. شاهد موقفهم من مرسي وإردوغان تجدهم يتعامون ويتغاضون عن المنكرات الموجودة في بلادهم. مرسي زاد مدة تراخيص الكباريهات، وإردوغان تجد في بلاده شواطئ العراة وخمورا بل وفرض كشفاً صحياً على البغايا ليحمي الزناة ولم نشاهد من مناصري جماعة الإخوان أي نقد أو هجوم لقراراتهم، لأن مرسي وإردوغان من الإخوان، يحجون إلى قطر ويخطبون من منابرها ولم يستنكروا وجود أكبر القواعد الأميركية فيها، ولا وجود ممثلية إسرائيلية، ويهاجمون السعودية بلاد الحرمين والشريعة. وشاهد عبد المجيد الزنداني الإخواني المعروف، فالحرب مستعرة في بلاده اليمن وأولادنا فلذات أكبادنا يقتلون هناك دفاعًا عن شرعية اليمن وهو هارب من بلاده يتنقل بين جدة والرياض، بين وليمة هنا وزواج ابنه هناك. أين فتاويك بجواز قتل اليمني الجنوبي أيام حرب الوحدة اليمنية؟ لم نجد منه أي تصريح عن عاصفة الحزم أو حتى فتوى عن الحوثيين لأنها باختصار لن تخدم الإخوان المسلمين، فأصبحت هذه الجماعات الإسلامية وكأنها جماعات ماسونية.
مَشْيَخنا من ليس شيخًا
•ما رأيك بقول رجل الدين علي المالكي إن المرأة عار؟
لماذا نسميهم رجال دين؟ ليس في الإسلام رجال دين، فرجال الدين عند اليهود والنصارى فقط، كل مسلم هو رجل دين، لذا لا نقول عن العلماء والمشايخ رجال دين. وحين نطلق هذا المصطلح على المشايخ والعلماء نجعل لهم كهنوت. الحق ما جاؤوا به وإن كان باطلًا، الباطل ما جاء به مخالفوهم حتى وإن كان حقًا. وللأسف، المجتمع جعل من بعض الدعاة بل وحتى جعل من بعض المفحطين مشايخ يؤخذ كلامهم ويعتد برأيهم، فقط لأنهم أطالوا اللحية وقصروا الثوب.
لم نتربّ على معرفة الحق من أنفسنا أو نميز الحق من الباطل، فأغلبية المجتمع السعودي جامعي ومع ذلك تجده يسأل مفحطاً سابقاً او ملتحيًا سمى نفسه شيخًا عن فتوى معينة!!! يا أخي أنت بعلمك أعلم من هذا وأفهم منه. هناك أمر آخر، هو اعطاء هؤلاء الدعاة أكبر من قدرهم وحجمهم، ونحن نتحمل مسؤولية ذلك أيضًا. فعلي المالكي... هل هو شيخ شرع؟ هل هو قاضٍ؟ هل هو مفتٍ؟ هل لأنه ربى لحيته صار شيخًا؟ بموجب القانون لقب الشيخ لا يطلق إلا على شخص تخرج من كلية الشريعة. نحن "مَشيَخنا" من ليس بشيخ ثم رحنا نلطم أنفسنا.
•نشاهد تغريدات بعض أئمة الحرم في هجومهم على الشيعة. ما الرسالة التي تصل لمسلمي العالم من هذا الخطاب؟
عندما يكون هناك شيعي ولاؤه لإيران، تجد البعض يتهم كل الشيعة بالولاء لإيران. لكن في نفس الوقت لا تجد خطيبًا يوجه نفس الانتقاد إلى من يكون ولاؤه لمرشد جماعة الإخوان. عمومًا، يجب أن يكون منبر الحرم ساميًا عن الطائفية والحزبية، وبالتالي طالبت في مجلس الشورى بفرض مراجعة خطب الجمعة والعيدين وقنوت التراويح لتحقيق المصلحة العامة. لكن للأسف لم أجد إلا الهجوم على هذا المقترح.
• في الأسابيع الأخيرة حدث العديد من القضايا كقضية فتاة النخيل مول، وقضية التشهير بالإعلامي علي العلياني. ما رأيك في هذه الحوادث؟
يبنى أي عمل في الشرع على دليل، من القرآن أو السنة. الهيئة لم تكن موجودة في زمن النبوة، والشرع كذلك نهى عن التجسس الذي تمارسه الهيئة اليوم، ولم يرد عن الرسول ولا عن أصحابه عن مطاردة الناس في بيوتهم والتجسس عليهم، وأسوأ ما يحدث أن تستغل سلطة جهاز حكومي تجاه اعلامي انتقد أداءها، فهذا فعل ميليشياوي وليس جهازاً حكومياً محترماً. لو كل جهاز حكومي يحارب من ينتقده فستقوم الدول داخل الدولة، ونتحول لصومال جديد وعراق جديد!! حتى العاصي في وقت الرسول لم يكن يُفعل به هذا، بل كان يتغاضى عنه ويلتفت عنه ويستر عليه ومن ذلك قصة ماعز والغامدية. باختصار، ما يحدث من الهيئة مزايدة على الله ورسوله في الإسلام. الغريب والمؤسف في الوقت نفسه أن ينتقد الإعلامي وزيرًا بتهمة التغريب مثلًا فيوصف بالمحتسب، ولو انتقد الهيئة فسيوصف بالمنافق الزنديق. هنا نستغرب سكوت مجلس هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للفتوى ومنابر الحرمين وخطب المساجد عبر المملكة وعموم المؤسسات الدينية وصمت النيابة العامة والجهات المختصة المسؤولة التي ترى الفوضى والظلم والافتئات على سلطات الدولة وتقف متفرجة وكأن الأمر لا يعنيها، وأخشى أنها لو نطقت لقلنا ليتها سكتت !!
• سبق أن قاضيت الدكتور محمد العريفي والكاتب عبدالله الداوود لما بدر منهما من اساءات شخصية متكررة تجاهك. هل من جديد في القضية؟
القضايا تحت النظر، والإشكالية في المحاكم السعودية أن بعض - وليس كل - القضاء السعودي ليس آمنًا لكل الناس. أذكر كلمة للمفكر تركي الحمد أنه لما قيل له لماذا لا يذهب يقاضي من هاجمه وكفره، فقال البيئة نفسها التي كفرتني هي البيئة نفسها التي سأرفع القضية عن طريقها، وللأسف وجدت بشكل أو بآخر بعض القضاة غير محايدين ولا متجردين، وبالتالي لا يعتبرون قضاة حقًا لكونهم منحازين لجهة ومتحاملين على جهة. كما أن محكمة الاستئناف لم يكن موقفها كما يجب كما المحكمة العليا والمجلس الأعلى للقضاء، يعني مثل قضية معالي الشيخ عبداللطيف آل الشيخ تجاه من سبه وشتمه في تويتر. تمت تبرئة خصمه من القضية واعتبر القاضي ما فعله تجاه معاليه من الإحتساب، يعني باختصار قذف الناس يعتبر احتسابًا ويبرؤون، واحتساب الناس يعتبر قذفًا.
وكذلك من غير المعقول قضاة يحكمون بأن تويتر ليس من اختصاص المحاكم ثم تقوم بتصديقه محكمة الإستئناف، وفي الوقت نفسه نجد قضايا أناس كثيرين حوكموا بسبب قضايا في تويتر في المحاكم الجزائية وحتى الكثير من قضايا الإرهاب في المحكمة الجزائية المتخصصة.
• كلمة أخير لـ "إيلاف"؟
المجتمع في تطور كبير جدًا ببركة تطور الاتصالات وتقنية المعلومات والهواتف الذكية والتطبيقات المذهلة ولذلك أنا متفائل جدًا للمستقبل ولكني متفائل بالمجتمع أكثر من القيادات الدينية والسياسية لأن المجتمع يتطور أسرع من هاتين القيادتين بعكس السابق حيث كان السياسي متطوراً أكثر من الديني والاجتماعي، لذا يجب أن تجاري القيادات المجتمع في تطوره بل وتقوده للتطور الدائم والنافع في مصالح دينه ودنياه، فيما لا يخالف الشريعة، وختامًا أسأل الله أن يهدينا جميعًا ويوفقنا ويعيننا على مرضاته ويحسن خاتمتنا ويرزقنا الفردوس الأعلى من الجنة.​