قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

6 سنوات مرت على ثورة 25 يناير، هذه الثورة التي راهن شباب مصر عليها لبلوغ مستقبل مدني اقتصادي وسياسي أفضل، كيف تبدو تداعياتها بعد هذه الأعوام.. مثقفون مصريون يقيّمون في مقابلات مع "إيلاف" التجربة ويستشرفون المستقبل.

إيلاف: هلت الذكرى السادسة لثورة الـ 25 من يناير.. وكان سؤال النجاح والفشل، فالشعب المصري الذي خرج مطالبًا بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية، لم يلمس لمطالبه تحقيقًا حتى الآن، بل ازدادت الأوضاع سوءًا في رأي الغالبية، ليتم التنكيل بهذه المطالب، رغم تولي أكثر من إدارة شؤون البلاد: المرحلة الانتقالية الأولى بقيادة المجلس العسكري، ثم تسلم جماعة الإخوان المسلمين الحكم بقيادة محمد مرسي، فسقطوا وتولى المستشار عدلي منصور السلطة كمرحلة انتقالية، وأخيرًا عبد الفتاح السيسي، فضلًا عن 7 حكومات بدءًا من الفريق أحمد شفيق، وانتهاء بالمهندس شريف إسماعيل.. فما الذي جرى، وكيف يقيّم المثقفون والكتّاب ثورة 25 يناير، وما جرى بعدها؟، وما الذي يرونه آتيًا في المستقبل؟.. "إيلاف" تستطلع عبر هذا التحقيق رأي هؤلاء الكتّاب والمثقفين.. فماذا قالوا؟. 

رأى الباحث والإعلامي مجدي شندي، رئيس تحرير جريدة المشهد، أن "نجاح الثورات وفشلها لا يمكن أن يقاس بالمدى الزمني القصير الذي يعقبها، وإنما تحتاج مساحة زمنية أرحب، وتقاس تأثيراتها بما تتركه من بصمات في الضمير الجمعي العام". 

مجدي شندي

 ردة 
وقال "انطلاقًا من هذه الرؤية يمكن القول إن الثورة نجحت على مستوى تغيير النسق الفكري والثقافي للمصريين، حتى وإن كانت قد انتكست على مستوى التمكن من مفاصل السلطة على الأقل حتى هذه اللحظة. وفي حالة ثورة يناير كانت لهذه الانتكاسة أسبابها، فالذين شكلوا قوى الثورة لم يكن يجمع شتاتهم إلا الإطاحة بنظام مبارك، كما إنها بسبب عفويتها لم تضع برنامجًا واضح المعالم لما بعد تحقق هدفها الأولي، المتمثل في سقوط النظام، بل اختزلت النظام في قمته، المتمثلة في رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان، ولم تنبه إلى النخبة وجماعات المصالح المرتبطة به. مما أتاح الردة على المكاسب التي تحققت، ومن بينها ارتفاع سقف الحرية وتغيير الدستور ونزاهة الانتخابات والقبول بالآخر".

أضاف "كل نظام من الأنظمة التي أعقبت الثورة له مثالبه ومزاياه، فالمجلس العسكري حاول إدارة الفترة الانتقالية بحكمة ودهاء وقبل التعددية السياسية، لكنه بمكر شديد مكن تيارًا محافظًا ودينيًا، ومهّد له الأرض، حتى يصعد عبر صناديق الانتخابات ومن خلال صفقته مع جماعة الإخوان، التي حاول بها ضرب القوى الثورية الأخرى.. وكان له ما أراد". 

نسخ الأخطاء
تابع: "أما حكم الإخوان فقد حاول أن يكون امتدادًا لحكم مبارك، فأقصى المخالفين، وحاول فرض أتباعه مع التصالح مع النخب القديمة ومعاداة النخب الثورية، وذلك لم يكن غريبًا، فالجماعة وأنصارها يمثلون الوجه الآخر لنظام مبارك.. وفي فترة حكم الإخوان كان المجلس العسكري وأجهزة الدولة القديمة موجودين في الخلفية، فاستغلوا ارتفاع سقف الطموحات ومناخ الحرية وتبعية النخب الإعلامية لها في خلق موجة ثورية ثانية، أذكاها حكم الاخوان بسذاجة سياسية ورغبة في إقصاء المخالفين". 

واستطرد قائلًا: "أما نظام ما بعد 30 يونيو، فقد مارس أقصى درجات الخداع.. حيث ركب الموجة الثورية بفعل غطرسة الإخوان، ثم صادرها لنفسه تمامًا، بفعل تهديدهم بالعنف وممارستهم له فعليًا في حرق الكنائس وأقسام الشرطة، وتحت دعوى مواجهة الإرهاب وفرض الاستقرار، أطاح النظام بكل التيارات السياسية التي شاركت في 30 يونيو 2013.. وبدأ حرق السلالم التي صعد بها إلى السلطة، ومنها حرية الإعلام وحرية التظاهر السلمي.. وبدأ صياغة تشريعات وقوانين تقضي على كل المكتسبات، وجنّد الشرطة والقضاء في تعقب المعارضين، لكن ذلك لا يعني انتهاء اللعبة ولا فشل الثورة، فما وقر في الضمير الجمعي للمصريين من مبادئ العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية سيجعل المستقبل مفتوحًا على موجات أخرى من الحراك الشعبي حتى تتحقق أهداف الثورة".

سيناريوهات الثورة المضادة
بدوره، يلفت الشاعر سمير درويش إلى أن "الثورة المضادة" بدأت في اللحظة نفسها التي بدأت فيها "ثورة 25 يناير". وقال "في الوقت الذي كان فيه الناشطون يتدبرون أمورهم، ويحاولون جمع أكبر عدد ممكن من الغاضبين، كي يتجمعوا في خمس مناطق في القاهرة صباح يوم الأحد 25 يناير، كان النظام يضع خططه لإحباط هذا التحرك، وكانت القوى المحلية والدولية المهتمة بالشأن المصري، والتي ترتبط مع مصر بروابط مالية، تضع هي الأخرى سيناريوهات بديلة للتعامل مع الأمر في كل احتمالاته، خصوصًا الولايات المتحدة الأميركية ودول أوروبا المتحالفة معها، وإسرائيل، باعتبار أن الحدث يمكن أن يطالها.

سمير درويش

تصور درويش أن "كل تلك القوى سمحت بانتصار شكلي محدود للشباب، تمثل في تخلي حسني مبارك عن الحكم، وعززوه بتصريحات تظهر الابتهاج بالثورة المصرية، التي هي نموذج يحتذى في الرقي، وبالشعب المصري الذي أبهر العالم.. إلخ، وبينما انشغل الشباب، الذين شاركوا في الثورة، بالانتشاء بهذا المديح الأجوف، كانت سيناريوهات شيطانية يتم تنفيذها على الأرض، كي يعود النظام نفسه إلى الحكم، بصورة تبدو ملساء لامعة من الخارج، لكنها أكثر بشاعة من باطنها، حيث استفحل الفساد الذي تحميه قوة عسكرية، تم تمويلها ببذخ غير مسبوق". 

ويكمل: "لهذا، فإن الثورة قد أحبطت بالكامل، ليس لأنها لم تحقق النتائج التي قامت من أجلها فقط، ولكن لأنها جاءت بنتائج عكسية تمامًا، فرموز الشباب تم إيداعهم في السجون لمدد طويلة إثر محاكمات صورية سريعة، وبعضهم تم اعتقاله، والبعض تم إخفاؤه قصريًّا، غير الذين قتلوا والذين أصيبوا ليعيشوا بعاهات مستديمة، والنظام أصبح أكثر قمعًا وديكتاتورية باسم الحفاظ على الدولة وحمايتها ومحاربة الإرهاب، وتم تنفيذ خطط إفقار للطبقات الفقيرة أصلًا من المصريين، برفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية، ليس لمصلحة صنع نهضة، ولكن لمصلحة إرضاء الفاسدين لقاء عمولات ضخمة.. يستوي في ذلك كل من أتى على الحكم منذ فبراير 2011 وحتى الآن، ومن سيأتي بعد، إذ لا أمل يظهر في الأفق".

تنكيل وقتل وحبس
الشاعر محمد عيد إبراهيم يؤكد لـ"إيلاف" أن "ما حدث في ثورة 25 يناير كان غير مسبوق في تاريخ الشعب المصري، خروج الناس بوعي وبراءة ضد المظالم وتعرية كل شيء في عالم الاستبداد والمطالبة بحقوق أساسية: العدل والحرية الخ، لكن أيضًا ما حدث بعدها لم يحصل لأي شعب على وجه الأرض، من تنكيل وقتل وحرق وحبس ومظالم أكبر وأشدّ هولًا مما قبل يناير". 

محمد عيد إبراهيم

أضاف "أدار المجلس العسكري الأمور بطريقة جهنمية، إذ أعاد كل شيء إلى الوراء، وخرّب الانتخابات الرئاسية، فحصرها بين اثنين، كلاهما مرّ، بل ساعد الإخوان على تسلّم سدّة الرئاسة، ومن ثم على التشهير بهم، حتى جاء أحد من المجلس العسكريّ، واشترى كلّ شيء في مصر: الشرطة، القضاء، الإعلام، ليدعم أركان حكمه، وساعتها ظهر الوجه القبيح: لم تعد ثمة حريات إلا بأوهى صورة، وساند رجال الأعمال ضدّ الطبقة الوسطى فأفقرها، ناهيك عن الفقراء أصلًا، فزادت رقعة الظلم الاجتماعي اقتصاديًا حتى تكاد تغطّي غالبية الشعب، وتهلهلت الدولة، صارت المؤسسات ألعوبة، وكلّ شيء في يد الحاكم، بالشكل البدائيّ القديم". 

وأسف لأنه "لا أدري ما الحل، متى تجتمع ثلة من النخبة، من كلّ وأيّ فصيل سياسيّ معًا، للتباحث ومحاولة بثّ الأمل من جديد، إذ لا بد من أن يعيش هذا الشعب الكريم بصورة تليق به، لا بد من كفّ يد المظالم عن الناس، والوقوف ضدّ الباطل، فقولة حقّ أمام سلطان جائر تعدل ثمن الوعي الذي به قد تتغير الأمور!".

رهان على المصالح
وأكد حاتم الجوهري أن "ما حدث في 25 يناير كان ثورة حقيقية عبّرت عن طموحات حبيسة، كانت ثورة على الإرث التاريخي لدولة فرض النمط الواحد، كانت الإعلان عن

حاتم الجوهري

نهاية دولة المياه المركزية في مصر، وقدرتها على فرض سمات وطباع التكيف، فبناء السد العالي وضعف المياه وانخفاض مساهمة الزراعة في المجتمع؛ أنتجت أجيالًا لم تتنمط، وتملك أدوات الاتصال والحركة والتعبير، قدرة دولة المياه المركزية على تشكيل المجتمع انتهت بلا عودة، وكلما أدرك ورثتها ذلك سريعًا، كان الانتقال إلى دولة المستقبل أكثر سلاسة، لكن للأسف لا يوجد هناك من يخبرهم بأن بنية مصر تغيّرت للأبد، مثقف السلطة يراهن على مصلحته القريبة، ولا يغامر كي يخبرهم الحقيقة".

وأوضح أن "الأنظمة التي تعاقبت على البلاد منذ 25 يناير تنتمي فى معظمها إلى البنية السياسية القديمة؛ نحن في حاجة إلى المزيد من الوقت، كي تُخْتبر معظم البدائل السياسية القديمة أمام الناس، وكي تكتسب النخب الجديدة مهارات العمل السياسي، والقدرة على الحسم". 

نخبة جديدة
وأشار إلى أن "الإخوان والنخب العسكرية ومعظم التيارات القديمة يحكمها سياق تاريخي ضاغط، يحملون معارك ونزاعات قديمة، لا يملكون القدرة على الخروج من سياقهم ولا البنية النفسية لذلك!. لذا فالتغيير الحقيقي في مصر سيكون عبر مراحل زمنية، وفي نهاية المطاف الذي سيخرج بمصر من السياق التاريخي القديم، لا بد أن تكون نخبة جديدة لا تنتمي إلى المسار السياسي القديم".

ورأى الجوهري أن "المستقبل سيأتي، لكنه محل الخلاف سيكون موعدا لك؛ البنية السياسية القديمة تزيد من الاستقطاب وخلق التناقضات داخل المجتمع، لتجعل من تكلفة العبور للمستقبل باهظة، لكنهم لا يدركون أن فكرة "النمط السائد" تاريخيًا عبر "فلسفة التكيف"، ستعمل ضدهم في حينه، التناقضات والبنية الطبقية التي يستثمرون فيها، في لحظة معينة ستختار المستقبل لا الصدام!، وستتنحى طواعية من دون أن تتنازل عن مكتسباتها بين يوم وليلة.. لذا فالمستقبل في مصر مصيره محتم نحو التغيير، لكنه سيأتي عبر مراحل، ولن يكون - في الغالب- عبر ضربة قاضية".

جسر للإسلاميين
أما الروائي صبحي موسى فيرى أن سؤال النجاح والفشل يبدو محسوم الإجابة ظاهريًا على الأقل، "فأول ما يتبادر إلى الذهن هو القول إن الثورة لم تنجح، فلا العيش ولا الحرية والكرامة الإنسانية تحقق منها شيء، بل على النقيض، فقد الناس ما كانوا يمتلكونه في زمن مبارك، وهو الاستقرار والأمن والدعم، ودخلوا في دوامة من ارتفاع أسعار كل شيء، هكذا يمكننا بجرة قلم القول إن 25 يناير فشل".

أضاف "لكني أتصور أن من يقول هذا هم أصحاب المطالب الفئوية، وليس الثوار أنفسهم، فمقدمات الثورة اختلط فيها الثوري مع صاحب المطالب التي لا ترفض النظام، ولا تطالب بتغييره، لكنها تمارس ضغطها عليه للحصول على تحسين في الدخل أو الصحة أو غيره، أما الثوار أنفسهم فكانوا يطالبون بدولة مختلفة كليًا، دولة قوية تقوم على أساس المواطنة، بعضهم أيضًا كان يحلم بدولة دينية، وهؤلاء أعطتهم الثورة ما حلموا به لعقود طويلة، لكنهم لم يكونوا مؤهلين لإدارة دولة بحجم مصر، فسعوا إلى جعلها (ولاية عثمانلية)، وأعلنوا (الجهاد على سوريا)، وكانت النتيجة أنهم بدوا كمحتلين جدد". 

تآكل مدني

صبحي موسى

يتابع مسترسلًا: "ما يحدث الآن هو في جانب منه ينتظم مع الثورة، خاصة وأنها ثورة شعبية، فتاريخ الثورات الشعبية، سواء في فرنسا أو روسيا أو غيرها، شهد الكثير من الأخطاء، وضل الطريق كثيرًا، ووصلت خسائره إلى حد الحروب الأهلية، وبلغت قوة الثورات المضادة فيه أن قامت ديكتاتوريات أعنف من الأنظمة التي ثار عليها الناس، لكن ذلك كله لم يحل دون وصول النهر إلى المصب، فقامت دول، وتحولت إلى إمبراطوريات كبرى في العالم، قبل أن يشعر المواطن نفسه بأنه أصبح راقيًا ومميزًا، وله حرية وحرمة اجتماعية، هذا جميعه يتحقق، لكن لا بد من اقتصاد قوي، لا بد من قوانين قابلة للتفعيل، ولا بد من يقين بتوازن القوى بين المواطن وبين الحكومة". 

ختم حديثه بالقول: "أخطر ما نعيشه الآن هو تآكل مساحة المجتمع المدني من جانب، وموت الأحزاب السياسية من جانب آخر، لتبقى أدوات التواصل الاجتماعي هي الحزب الأكبر والأهم والأبرز في تاريخ الثورة المصرية حتى الآن، فهذه المواقع هي التي حيّدت العسكر في إدارتهم للبلاد في المرحلة الأولى، وهي التي أسقطت الإخوان، وهي التي مازالت تمارس ضغطها على السلطة الحالية، من أجل الحفاظ على مدنية الدولة، وقد يكون الانتقاد الأبرز للسلطة الحالية أنها تعتمد على أهل الولاء والثقة، حتى وإن لم يكونوا اصحاب كفاءة، كما إنها تعتمد على حكومة تكنوقراط "موظفين"، في حين إنها بحاجة إلى حكومة مبدعين في مجالاتهم، حتى وإن لم يكونوا من أهل الولاء".