قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

أفشين مولافي*
 
في صدفة جيوسياسية فريدة، تؤدي الرياض وأبوظبي والقاهرة أدوارًا مهمة في تشكيل مستقبل الاقتصاد العالمي اليوم، وعلى هذه العواصم الثلاث أن تعبّد الطريق إلى بنية تجارية عالمية جديدة، تحبط التشاؤم الغربي والعولمة العكسية.
 
إيلاف: على مدار معظم التاريخ الحديث، كان الشرق الأوسط أكثر الأطراف تلقيًا للقرارات التي اتخذتها القوى الكبرى. وخارج مجال النفط، كان دائمًا متلقيًا لما ينتج من النظام الكلي، وليس مشكلًا له.

ثلاث دول
لكنّ تزامنًا فريدًا لحوادث حدثت في هذا العام، وستحدث في العام المقبل، يمكن أن يغيّر هذه المعادلة برمتها. لذلك، تأملوا في الحوادث الآتية: انتقلت رئاسة الاتحاد الأفريقي إلى مصر، أول مرة في تاريخ المنظمة الأفريقية، وفي وقت حرج من تاريخ القارة، حيث أقرّت تقريبًا كل دولة أفريقية اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية، وهي واحدة من أكثر الصفقات التجارية طموحًا على الإطلاق. 

في الوقت عينه، تستضيف المملكة العربية السعودية مؤتمر مجموعة العشرين للاقتصادات الكبرى في نوفمبر 2020، وتتولى دولة الإمارات العربية المتحدة قريبًا الرئاسة الدورية لرابطة بلدان حافة المحيط الهندي مدة عامين. والرابطة هذه تضم أكثر من ثلث سكان العالم، وبعض أسرع الاقتصادات نموًا. هذا يعني أنه يمكن كل من القاهرة والرياض وأبو ظبي أن تؤدي دورًا كبيرًا في تشكيل بنية تجارية عالمية جديدة.

يُعد هذا المشهد فريدًا من نوعه، فمن النادر أن تكون ثلاث دول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وضع يمكّنها من تشكيل النظام العالمي، خصوصًا في هذه اللحظة الغامضة في مصير اقتصادنا المعولم. وليس سرًا إذا ذكرنا أن العديد من الدول الغربية ومواطنيها أصبحوا يشككون في التجارة الحرة والعولمة، على الرغم من حقيقة مفادها أن الدول الغربية هي من يسنّ قوانين اللعبة.

مكان ما
ثمة قول قديم: "موقفك من قضية ما مرهون بمكانك". العولمة أنموذج جيد لذلك القول. فإذا "مكانك" في مدينة عالمية كبرى كنيويورك أو دبي أو شنغهاي على سبيل المثال، وتحمل شهادة جامعية، فإن فرص العولمة جيدة بالنسبة إليك. ويمكن القول حينها إنك عضو في المجموعة المهنية العالمية، أو في تعبير أدق، يمكن استعارة مصطلح من المؤلف ديفيد غودهارت، شخص "في أي مكان": حيث توفر لك مهاراتك ومستوى تعليمك القدرة على العيش في أي مكان تقريبًا، وستكون أقل ارتباطًا بـ "مكان ما" نشأت فيه.

أما إذا كان "مكانك" في مدينة أميركية أو أوروبية من الدرجة الثانية أو الثالثة، ولا تحمل شهادة جامعية، وإن كنت تعمل في مصنع، فمن المحتمل أن تكون للعولمة نتائج مختلطة. فالمنتجات المصنعة الرخيصة من آسيا تجعل أسعار الأدوات المنزلية معقولة، لكن نقل التصنيع إلى الخارج والركود في الأجور سيقلص فرصك. بالتالي، أنت، وفقًا لغودهارت، شخص "في مكان ما" مرتبط بالمكان الذي ولدت فيه، ومتجذر في التقاليد المحلية، والأرجح أن تكون مرتابًا من تصاعد الهجرة.

يُعد كتاب غودهارت، "الطريق إلى مكان ما: القبائل الجديدة التي تشكل السياسة البريطانية"، تمهيديًا مفيدًا يتحدث عن طبقة "أي مكان"، ويتناول الموقف العالمي وسط موجة متصاعدة من الشعوبية المناهضة للمؤسسة والشك في التجارة الحرة من اليسار واليمين في العالم الغربي. هل تذكرون جولة محادثات الدوحة التي أطلقتها منظمة التجارة العالمية لتحرير التجارة العالمية؟ إنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. مع ذلك، بمساعدة دول الشرق الأوسط الرئيسة، يمكن تشكيل بنية تجارية جديدة.
 
مقاومة التشاؤم الغربي
على الرغم من السمعة المتدنية المرتبطة الآن بالتجارة الحرة، فإن ازدهارنا الحالي في جميع أنحاء العالم مرتبط مباشرةً بالعولمة التي تربط بين القارات والبلدان والمدن والقرى في اقتصادنا العالمي. لكن النزعة الحمائية المتزايدة والنزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين يؤديان إلى تراجع الاقتصاد العالمي، وهذا يصيب الجميع، من المملكة المتحدة وألمانيا إلى سنغافورة والصين. وبما أن اتفاقية بريكسيت، أو ما يمكن أن نطلق عليه اسم "العولمة العكسية"، تم إعدادها، فهي ستقدم بدورها - عند تنفيذها طبعًا - أدلة دامغة على حكمة التراجع من العالم الأكبر.

يقدم مايكل أوسوليفان في كتابه الجديد "التمهيد: ما الذي سيأتي بعد العولمة"، صورة صارخة لما يعتقد أنه ينتظرنا: وضع طبيعي جديد من النمو الاقتصادي المنخفض، وظهور فقاعات الدين والتقلب السياسي في الاقتصادات الكبرى. ومع ذلك، وفي حين أن البعض استسلم لهذا الواقع، فإن دول الشرق الأوسط يجب أن تقاوم هذا التشاؤم الذي يقوده الغرب، وأن تدفع نحو إقامة بنية تجارية جديدة.

إذًا... ما العمل؟ في البداية، يجب ذكر الآتي: أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار الاقتصادي ستكونان على رأس جدول أعمال رئاسة الاتحاد الأفريقي. طبعًا، ما ذكره السيسي مهم، لكن عليه أن يضع على رأس القائمة تنفيذ منطقة التجارة الحرة لأفريقيا. وفي الوقت نفسه، يجب على الرياض وضع بنية جديدة للتجارة الحرة على رأس جدول أعمال مجموعة العشرين، بصفتها الدولة المضيفة. وعلى دولة الإمارات العربية المتحدة الاستفادة من دورها في قيادة دول المحيط الهندي نحو روابط تجارية أوثق بعضها مع بعض، ومع العالم.

تعزيز العولمة
تقدم دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أمثلة جيدة بالفعل على ما يمكن فعله لتعزيز العولمة. ومن هذه الأمثلة اتصال دولة الإمارات العربية المتحدة البحري والجوي بالعالم، وهو اتصال يفّعل التجارة غير النفطية. من جانبه، استفاد المغرب بفضل موقعه عبر مضيق جبل طارق من أوروبا ليصبح مركزًا لتصنيع السيارات وتصديرها. 

من جهة أخرى، لا تُعتبر المملكة العربية السعودية مجرد قوة تصدير نفطية فحسب، لكنها أيضًا عملاق في قطاع البتروكيميائيات، إذ تغذي الأسواق الآسيوية والأوروبية. كما لا بد من ذكر أن مصر ودبي استفادتا من انخفاض تكاليف السفر الجوي للحفاظ على موقعيهما كمركزين للنقل والسياحة.

ربما استسلم البعض إلى "الوضع الطبيعي الجديد" للعولمة العكسية والنمو المتدني، إلا أن دول الشرق الأوسط يمكنها - ويجب عليها - أن تقاوم هذا التشاؤم الذي يقوده الغرب، وأن تدافع عن بنية تجارية جديدة، مدعومة بسياسات معقولة ومؤسسات قوية تدعم القطاع الخاص المزدهر والمبتكر. على هذا أن يترافق مع الاستثمارات الحكيمة في المهارات والتعليم. وإذا طبقت هذه الخطوات، فستُتاح أمام أبو ظبي والقاهرة والرياض فرصة فريدة لتشكيل مستقبل أفضل للجميع، سواء كنتم "في مكان ما" أو "في أي مكان".
 
 
* أفشين مولافي هو كبير زملاء معهد السياسة الخارجية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز، ورئيس تحرير صحيفة "طريق الحرير الجديد".