قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

تغير المناخ يرفع منسوب البحر المتوسط فتشق مياهه طريقها إلى دلتا النيل، ما يؤدي إلى تأكّل ضفاف النيل وصب المياه المالحة في المحاصيل، ويقلل بالتالي الإنتاج الزراعي في منطقة دلتا النيل التي تمد مصر بالطعام.

نُعَد جميعًا، وبطرائق مختلفة، أبناء مصر وبلاد ما بين النهرين ووادي السند، حيث بدأت هذه الحضارات الثلاث المبكرة في إظهار ما نحن قادرون عليه بوصفنا بشرًا. أنشأ رجال تلك الأراضي ونساؤها أولى البلدات في العالم، وبنوا شبكات تجارية، وروضوا الحيوانات، وزرعوا الطعام، وبنوا أبراجًا شاهقة، وأعطونا الكتابة. لذلك، يمكننا القول إن عالمنا المعروف اليوم انتشر من هذه الحضارات المبكرة.

 الملح لا يروي

كان لدى هذه المناطق الثلاثة شيء مشترك: الأنهار القوية؛ إذ إن لمصر نيلها، ولبلاد ما بين النهرين دجلة والفرات، وهذا يندرج على منطقة السند بطبيعة الحال، ما يدفعنا إلى الاستنتاج أن الأنهار ولّدت حرفيًا تلك العوالم... وعالمنا.

مهم أن نتذكر هذا التاريخ ونحن نفكر في تغير المناخ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم، حيث تواجه مصر التي تستضيف أحد أقدم الأنهار الممجدة في التاريخ مفترق طرق تغير المناخ وارتفاع البحار.

يتسبب تغير المناخ العالمي برفع منسوب البحر وارتفاع درجات حرارة المياه السطحية. بالنسبة إلى مصر، هذا يعني أن مياه البحر المتوسط تشق طريقها إلى دلتا النيل، ما يؤدي إلى تأكّل ضفاف النهر وصب المياه المالحة في المحاصيل. وهذا بدوره يقلل من الإنتاج الزراعي في منطقة دلتا النيل التي تمد مصر بالطعام.

علق أحد المزارعين المصريين على هذا الموضوع للراديو القومي الأميركي العام بالقول: "إذا قمت بسقي (المحاصيل) بالماء المالح، فإنها ستموت على الفور". مضيفًا بتحسر من ارتفاع منسوب مياه البحر: "إذا كان لديّ ماء ملائم، يمكنني زراعة الأرز والبرسيم والقطن. ببساطة يمكنني أن أجعل أي شئ ينمو".

تجدر الإشارة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار يؤثران على الإنتاجية الزراعية المصرية؛ إذ إن حالات الجفاف المتكررة تلحق الضرر بالمزارعين وتضغط على المجتمع المصري.

مناخ الربيع العربي

في الواقع، هناك حجة تشير إلى أن تغير المناخ لعب دورًا مهمًا في الانتفاضات العربية. عبّر عن هذا الرأي تروي ستيرنبرغ، عالم الجغرافيا بجامعة أكسفورد، حين قال إن الجفاف الشتوي الكبير في الصين وموجات الحر والفيضانات في الدول المنتجة للقمح الرئيسية أديا إلى ارتفاع مفاجئ وحاد في الأسعار في عام 2010. وهذا أثّر بشكل كبير في مصر التي تُعتبر أكبر مستورد للقمح.

أضاف ستيرنبرغ: "يوفر الخبز ثلث السعرات الحرارية في مصر، حيث يتم إنفاق 38 في المئة من الدخل على الغذاء. كانت أسعار المواد الغذائية العالمية تصل إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق عشية الانتفاضات. وهذا يذكرنا بالشعار الشهير الذي هتف به المتظاهرون في مصر : "خبز وحرية وعدالة اجتماعية".

تغير المناخ يضرب مصر بطرائق مفاجئة. أحد أسباب ارتفاع منسوب سطح البحر هو ذوبان الأنهار الجليدية والأغطية الجليدية في منطقة القطب الشمالي. يتسبب هذا الأمر بتأثير من الدرجة الثانية على مصر، فهو يهدد قناة السويس.

على الرغم من أن هذا قد لا يبدو منطقيًا أول وهلة، فعندما تذوب الأنهار الجليدية وتهدأ الصفائح الجليدية، يصبح المحيط المتجمد الشمالي فجأة طريقًا ملائمًا للشحن في أشهر الصيف.

ندرة مائية شديدة

لكن لماذا يضر ذلك بقناة السويس؟ الإجابة بسيطة، حيث يمكن السفن القادمة من الصين إلى أوروبا أن تقلل من وقت السفر بتجنب طريق السويس لصالح القطب الشمالي. كما إن الغاز الطبيعي المسال الآتي من روسيا إلى الصين لن يحتاج عبور السويس، بل يعبر البحر الشمالي. وببساطة، ستتشكل طريق حرير قطبية جديدة، ما سيضرب طريق السويس وطرق الشحن التقليدية الأخرى.

لا بد من الإشارة إلى أن مصر تواجه توترات على طول نهر النيل بسبب قضايا تقاسم المياه مع السودان وإثيوبيا. وفي تقرير حديث صادر عن معهد الموارد العالمية (WRI)، صُنفت مصر بين البلدان التي تشكو الندرة المائية الشديدة، وهي درجة أفضل من الدول التي تندرج في فئة "ندرة مائية غاية في الشدة". وأشار المعهد العالمي لحقوق الإنسان إلى أن من 17 دولة تعاني الندرة المائية في العالم، ثمة 12 دولة واقعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

يشير المؤلف البريطاني إرنست هانز جوزيف غومبريتش إلى أن المصريين القدماء فهموا قوة النيل، وكان النشيد الفرعوني يقول "المجد لك أيها النيل، تقوم من تحت الأرض، وتأتي لتغذي مصر؛ تروي السهول، وبقوتك تُطعم جميع المواشي. تروي الصحراء العطشى بعيدًا عن أي نبع. تحمل الشعير وتنبت القمح. تملأ الصوامع والمخازن، ولا تنسى الفقراء. من أجلك نعزف على قيثاراتنا ونغني".

تقلل من إمكاناتها

يعرف مراقبو الاقتصاد المصري منذ فترة طويلة أن الحفاظ على قوة المؤشرات المرتبطة بالصحة في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا، ولا سيما إيرادات السياحة وإيرادات قناة السويس والتحويلات وصادرات النفط والغاز، هو أمر حيوي لمصر لتحقق كامل إمكاناتها الهائلة.

على العموم، يمكن القول إن مصر تقلل من إمكاناتها الاقتصادية. فمع كثافة سكانية تصل إلى نحو 100 مليون نسمة، وجغرافيا تجارية تحُسد عليها تربط أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، وتمتد على شاطئي البحر الأبيض المتوسط والأحمر، ومع امتلاكها كنوز السياحة وطبقة متوسطة تتمتع بمستوى تعليمي جيد، ينبغي أن تكون في الجزء العلوي من جدول الأسواق الناشئة.

لكن ما يحدث هو العكس تمامًا. فالناتج المحلي الإجمالي المصري يتماثل تقريبًا مع الناتج المحلي الإجمالي في فنلندا، البلد الذي لا يتجاوز عدد سكانه 5 ملايين نسمة. كما يُعد نصيب الفرد المصري من إجمالي الناتج المحلي بين أدنى المعدلات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

من المسلمات القول إن المنطقة تحتاج إلى مصر مزدهرة، لأن وجود مصر مزدهرة يعني تغذية منطقة البحر الأبيض المتوسط، ومنطقة البحر الأحمر، والعالم العربي، وأفريقيا، وحتى أوروبا، بالطريقة نفسها التي يُطعم بها نهر النيل مصر.

في الختام، لا بد من القول إن الوقت حان لمواجهة تحدي تغير المناخ في مصر، سواء بالنسبة إلى المصريين أو العالم أجمع.

المادة الأصل:  http://www.arabnews.com/node/1543251
 
* أفشين مولافي هو كبير زملاء معهد السياسة الخارجية في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، ورئيس تحرير صحيفة "طريق الحرير الجديد".