قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

تحول حليفا روسيا في سوريا الى عبءٍ مُكلف لها، أحدهما قد يكون مُكلِفاً عسكرياً والآخر مُكلِفاً اقتصادياً، فموسكو تدرك أن واشنطن عازمة على دفعها الى التوقف عن دعم إيران حتى وان أدّى ذلك الى عقوبات عليها.

المؤسسة العسكرية في روسيا حازمة في دفعها الى احتواء تركيا في سوريا ووضع حد لتجاوزات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلا أن المؤسسة الديبلوماسية تأمل أن يعدّل أردوغان مواقفه من أجل تجنّب المواجهة العسكرية الخطيرة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما زال يأمل أن يؤثّر شخصيّاً على نظيره التركي، تقول المصادر، لكنه يُزَّج في زاوية اتخاذ القرار الضروري بسرعة.
الواضح أن روسيا لن تتخلّى عن سوريا، وانها تعتبر الرئيس السوري بشار الأسد أساسياً لها في توطيد تواجدها الدائم هناك، وهي تريد دستوراً وحكومة تُشرّع بقاءها عسكرياً في قواعد استراتيجية.

الأجواء تفيد أن لا مناص من الانفصال نتيجة مواجهة عسكرية روسية - تركية في سوريا أو نتيجة إعلان الموت السريري لاتفاقيات "استانا" و"سوتشي" التي نظّمت العلاقات الثنائية بين موسكو وأنقرة وشملت تفاهمات على مصالح الطرفين في سوريا. هذا يعني أن الطرف الثالث في تلك التفاهمات، أي إيران، مرشّح ليصبح ذات قيمة أكبر لدى روسيا في غياب الشراكة مع تركيا.

الدخان يتصاعد إثر غارة جوية قرب مركز مراقبة تركي في إدلب في 20 فبراير 2020

المعضلة هي أن تعزيز موسكو علاقاتها مع طهران داخل وخارج سوريا تترتّب عليه مراقبة ومحاسبة وإجراءات أميركية ضد روسيا عقاباً لها وتعطيلاً لمشاريعها – وهذا يشدّد خناق العقوبات الاقتصادية على روسيا ويضرب مشاريعها الممتدّة من فنزويلا الى إيران. حليفا موسكو في سوريا تحوّلا الى عبءٍ مُكلف لها، أحدهما قد يكون مُكلِفاً عسكرياً والآخر مُكلِفاً اقتصادياً. والمأزق يتسع.

على هامش مؤتمر لنادي فالداي Valdai في موسكو عُقِد هذا الأسبوع تحت عنوان "الشرق الأوسط في زمن التغيير: نحو هندسة استقرار جديدة" توافرت فرصة اللقاء بشخصيات مطّلِعة على ما يجول في فكر القيادة العسكرية والمدنيّة الروسية بالذات نحو تركيا وإيران بوصفهما حديث الساعة، إنما دائماً نحو الولايات المتحدة. يمكن تلخيص ما يجول بالتالي:

ترى المؤسسة العسكرية ان "إعفاء أردوغان من التطاول على روسيا في سوريا" سيكون له مردود في غاية السلبية على "المصالح والهيبة الروسية"، وهي تعتقد أن "الوقت حان لإيقاف أردوغان". وزارة الخارجية ما زالت تدفع نحو الحلول السياسية لكن اندفاع المؤسسة العسكرية له عُنصر ميداني، وبالتالي عُنصر زمني. القرار في موسكو هو أن سوريا أهم لروسيا في هذا المنعطف من تركيا، وان لا مجال للتفرّج على معركة عسكرية بين رجب طيب أردوغان وبشار الأسد بدون تدخّل فلاديمير بوتين لمعونة الأسد.

لقد حَمَلت الحرب الروسية في سوريا عنوان: الحرب على الإرهاب. اليوم، قد تتحوّل المعادلة الى حرب من أجل سوريا، وهذا تطوّر مهم. الرأي العام الروسي قد لا يستهضم الفكرة في البدء، إنما عندما توضع في إطار المصالح الاستراتيجية الدائمة داخل سوريا وفي إطار عدم السماح للرئيس التركي إهانة الهيبة الروسية، فإن ذلك لحديثٍ آخر لأن "سوريا تعني كرامة روسيا".

روسيا لا تريد استخدام قوّتِها العسكرية في الشرق الأوسط لكنها مصرّة على قواعد عسكرية لعلّها تكون رمزية في السيناريوهات الجيو-سياسية، لكنها ضرورية، و... مُكلِفة جداً مادياً. هذه ناحية مهمة نتيجة ما تُسببه العقوبات الأميركية من تقليم لأظافر روسيا وخنقها اقتصادياً. البعض في موسكو يعتقد أن إدارة ترمب تريد أن يخسر فلاديمير بوتين روسيا وان خطتها هي إضعاف بوتين اقتصادياً عبر العقوبات لدرجة شلّه داخلياً وشلّ مشاريعه في السياسة الخارجية الروسية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلقي خطاباً خلال زيارته قاعدة حميميم في سوريا

هذا لا يعني أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ينتصر لرجب طيب أردوغان، كتركيا أو كشخص في إطار المعركة بينه وبين فلاديمير بوتين. في باله، على الأرجح أن يتعاطى مع مشكلة أردوغان لاحقاً، أما من خلال ترويضه شخصياً أو عبر نسف فوقيته وغطرسته بوسائل عديدة أبرزها سلاح العقوبات الاقتصادية، وتشجيع القوى السياسية المعارضة له داخلياً، وإنماء النقمة الشعبية عليه، وكشفه أمام المؤسسة العسكرية.

يرى البعض في موسكو ان العلاقة الأميركية – الروسية هي في أدنى مستوياتها وأن روسيا تقع في فخ في سوريا بسبب تركيا وكذلك بسبب السياسات الأميركية. وأن واشنطن تُحضّر المقالب لروسيا ليس فقط في سوريا وإنما في ليبيا وفنزويلا وفي إيران – وكذلك بسببها.

هناك قلق كبير في روسيا من تطوّر الأوضاع الإيرانية الداخلية – تلك عبر المظاهرات وتلك المعنية بما بعد الانتخابات الإيرانية. يقول أحد المُطلِعين على التفكير في طهران ان المتشدّدين بقيادة مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي وقيادات "الحرس الثوري" و"فيلق القدس" يعتبرون الانتخابات الإيرانية "فرصة تنظيف الحُكم من الليبراليين".

فكرتهم هي أن نتيجة الانتخابات التي تم استبعاد معظم الليبراليين عن خوضها ستكون عبارة عن "تفويض وطني" National Mandate لتبني سياسات صارمة وقاسية نحو الغرب وبالذات الولايات المتحدة. إدارة ترمب تتربّص للقيادات الإيرانية ومن يدعمها في قمع الانتفاضة داخل إيران وفي العراق وكذلك في لبنان وقد فرضت العقوبات على مسؤولين في اللجنة المعنية بإقصاء المُعتدلين عن خوض الانتخابات، "هيئة الانتخابات التشريعية"، والأمين العام "لمجلس صيانة الدستور" آية الله أحمد جنتي.

القيادة الإيرانية حريصة على "طمأنة" روسيا أن سيطرتها على الأمور مكبّلة داخلياً – لكن موسكو قلقة سيّما وإذا كان استبعاد الليبراليين سيتبعه التخلص من الرئيس حسن روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف مما يعني فعليّاً صدّ الباب كليّاً في وجه أية مفاوضات مع الولايات المتحدة والعزم على التصعيد لربما في عمليات جديدة ضد مواقع حيوية في منطقة الخليج.

موسكو لا تشجّع هذا التوجّه لكنها مضطرّة للرضوخ للوعود الإيرانية "المطمئنة" على نسق تباهي طهران أمام موسكو أنها وعدت ونفّذت في لبنان حيث تم "إخماد الثورة" – في رأيها – وأن "حزب الله" رسّخ حكمه وشدّد قبضته على البلاد. فلبنان آخر هم موسكو اليوم، واذا احتاجت إيران معونةً مادية لـ"حزب الله"، ان روسيا، حسب أحد المصادر، ستُلبي بمقدار مليار أو مليارين تُقتطع من مبيعات النفط الإيراني الذي تقوم به روسيا بالنيابة.

العقوبات التي فرضتها واشنطن يوم الثلاثاء الماضي على ذراع التجارة Rosneft فروسنفت شركة النفط الروسية العملاقة المقرّبة من الرئيس بوتين موجّهة بالدرجة الأولى للإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إنما تصيب روسيا بالعمق وتصيب أيضاً الجمهورية الإسلامية الإيرانية. موسكو وصفت العقوبات بأنها غير شرعية وهدّدت بدراسة الخيارات ضدّها. خسارة روسيا المالية ضخمة نتيجة هذه العقوبات، وهي تنظر اليها من زاوية السعي للإطاحة بحكومة مادورو المقرّب من الكرملين – وبالتالي انها ضربة هدفها إقصاء روسيا عن أميركا اللاتينية، وتجريد روسيا من المال ومن النفوذ مع طهران عبر البوابة الفنزويلية. كما يشير البعض في موسكو الى قوانين أميركية جديدة تفرض القيود على الاستثمارات الأجنبية في روسيا مما هدفه، في رأي هؤلاء، استهداف الاستقرار المالي في روسيا.

تتحدّث الأوساط الروسية عن "ترمب الجرّافة" Bulldozer Trump الذي سيظهر في أعقاب الانتهاء من الدراسة الشاملة حول السياسة الخارجية الأميركية برمتها والتي يُفترض أن يتم الانتهاء منها شهر آذار (مارس) وتشمل السياسة الأميركية نحو الصين وروسيا والهند ودول منطقة الباسيفيك وفنزويلا وإيران وسوريا وغيرها. تراقب هذه الأوساط زيارة ترمب القريبة الى الهند وتتعمّق في دراسة أبعاد ما يسمى بالاستراتيجية الأميركية ذات البُعد الجغرافي – السياسي – الأمني – المالي للمنطقة الممتدة من الهند الى دول الباسفيك Indo-pacific والتي تُشكّل عمليّاً احتواءً أميركياً لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يخاطب تجمعا انتخابيا في كولورادو سبرينغز بولاية كولورادو

الجميع يراقب ماذا ستكون عليه السياسة الأميركية في المرحلة المُقبلة نحو الصين عندما يتم الكشف عن السياسة الكبرى في مارس والبعض يتوقع أن تحمل واشنطن ورقة حقوق الإنسان في وجه الصين للتملّص من سياسة "صين واحدة" تضم تايوان. ما يتوقعه ويخشاه البعض في موسكو هو أن تكون هناك موجة نفوذ أميركي عالمي جديدة، وأن يكون جزءاً كبيراً منها موجّهاً ضد روسيا ومصالحها وموقعها العالمي ونفوذها واقتصادها لاستنزافها ولاستهدافها بالذات عبر علاقاتها مع فنزويلا وإيران اللتين ستكونان محطتين أساسيتين في السياسة الأميركية المتشدّدة والحازمة.

تدرك موسكو أن واشنطن عازمة على دفعها الى التوقف عن دعم إيران حتى وان أدّى ذلك الى عقوبات على روسيا لا تتوقعها، وهي تراقب ان كان ذلك إنذار روسيا رسمياً وبحزم سيُتخذ في مارس. ففي ذلك الشهر سيُعقد اجتماع مهم حول السياسة الأميركية نحو إيران ومن يدعمها، وفي ذلك الشهر تنتهي رسمياً الاتفاقية النووية مع إيران المعروفة بـ JPCOA. وفي ذلك الشهر قد تتوضح الصورة عن فيروس كورونا على أساس انتهاء فترة الاحتجاز لأسبوعين قبل التعرّف الى مدى تفشي الفيروس الى درجة الوباء أو مدى لجمه. ثم ان هذا الفيروس بات اقتصادياً أيضاً يصيب الاقتصاد الصيني بالدرجة الأولى لكنه يعطّل عالمياً لأن الصين مصدراً مهماً لِقُطع الغيار وللمواد الأساسية الصناعية. ثم ان أنباء وصول الفيروس الى إيران لا تريح روسيا.

هذا المشهد العام لحال السياسات الروسية الخارجية يضع الكرملين على المحك ويهدّد بسلبه بعض الإنجازات التي تباهى بها وافترض أنها دائمة. المصلحة الروسية تقتضي إعادة النظر وحماية المصلحة الروسية عن طريق شراكات جديدة وليس التمسّك بشراكات تدفع ثمنها روسيا غالياً.