قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يغرق أمين معلوف في الماضيين العربي واللبناني، ليختار منه ما يشاء، أو ما يغبطه اختياره من لحظات مجيدة، يؤرخ لها في رواياته وكتبه. هذا التميز سار به من تكريم إلى آخر، وها هو إيمانويل ماكرون يقلّده وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي.

إيلاف من دبي: قلد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الكاتب والروائي اللبناني أمين معلوف وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي، في مراسيم جرت في قصر الإليزيه يوم 29 فبراير الماضي، تقديرًا لعطائه وجهوده وإنجازاته في عالم الآداب. وذلك، رُفع معلوف (71 عامًا) إلى درجة الضابط الكبير، وهي ثاني أعلى درجة في الجدارة بعد مركز الصليب الكبير في فرنسا.

كتب للماضي

في جميع مؤلفاته، آثر معلوف تناول ما هو قد مضى. ففي عام 2016 ، نسبت صحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية الناطقة بالإنكليزية، إلى معلوف قوله إنه يفضل "الكتابة عن ماضينا بدلًا من اللحظات القاتمة التي نشهدها اليوم"، مضيفًا: "كانت هناك لحظات عظيمة في ماضي العالم العربي، والتي قد نفخر بها بالتأكيد. لست متأكدًا من أن أحفادنا سيفخرون بجيلنا. كل ما يراه العالم اليوم هو صور للعنف والدمار والخوف".

في ذلك العام، كان معلوف قد فاز بجائزة الشيخ زايد للكتاب عن شخصية العام الثقافية في معرض أبوظبي للكتاب. وقالت إدارة الجائزة حينها إنه حصل على هذا الشرف "لأنه نقل باللغة الفرنسية بعض اللحظات المهمة في تاريخ الشعوب العربية والشعوب الشرقية الأخرى إلى العالم بأسره".

لكل منا ذاكرته

في لقاء مع مجلة "لا ريفو دو ليبان" اللبنانية بالفرنسية في يناير 2019، وصف معلوف التاريخ بأنه "احتياطي لا ينضب من الشخصيات والحوادث والأمثال والعصور التي يجب إعادة اكتشافها".

قال: "من المؤكد أننا نختار من التاريخ ما نريد اختياره، فيمكننا إظهار ما نريد منه. إنها مادة مهمة لأنها عصارة الذاكرة عن عمق المجتمعات".

برأيه، لا يوجد تاريخ موضوعي بالمعنى الحقيقي للكلمة، "وأعتقد أن لكل شخص ذاكرة خاصة به، يعطي أي حدث قيمة ليست مماثلة لقيمته عند الآخرين".

قال معلوف في المقابلة نفسها: "نحن لا نخترع المستقبل من لا شيء. بل يعاد بناؤه من الأوقات السعيدة الماضية، فهو نوع من الجنة المفقودة. وأعتقد أن ذلك يأتي بشكل طبيعي، وأنا عرفت زمنًا من التعايش الحقيقي في لبنان. وليس من قبيل الصدفة أن أواصل الحديث باستمرار عن التعايش والحياة المشتركة ، بغضّ النظر عن تقلبات التاريخ"

تهانٍ رسمية

هنأ رئيس مجلس الوزراء اللبناني حسان دياب الأديب أمين معلوف بوسام الاستحقاق الوطني الفرنسي، وقال: "على الرغم من الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان على الصعيد المالي والاقتصادي والمعيشي والاجتماعي، يأتي تقليد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأديب اللبناني أمين معلوف وسام الاستحقاق الوطني باسم الجمهورية الفرنسية، ليعكس صورة لبنان الصحيحة والحضارية، لبنان الثقافة والإبداع والامتياز. وإذ نعرب عن فخرنا بالأديب معلوف ونوجه له تهانينا، يضيف هذا التكريم من عزيمتنا للعمل الدؤوب في سبيل مواجهة التحديات وإعادة صورة لبنان المشرقة التي يفتخر بها جميع اللبنانيين".

وغرّدت وزيرة الإعلام اللبناني منال عبد الصمد عبر حسابها على "تويتر" قائلة: "تكريم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للصحافي والأديب اللبناني أمين معلوف بوسام الاستحقاق الوطني تقديراً لعطاءاته في عالم الأدب هو مصدر فخر للبنان وتأكيد أن اللبنانيين أينما حلوا يحجزون مكانة متقدمة لهم".

تغريدات مباركة

غرد النائب ميشال معوض على حسابه على "تويتر": "رغم ما نعيشه من أزمات وتحديات صعبة، فسحة أمل وإبداع من باريس! يأتي تكريم الأديب أمين معلوف من رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون ليعكس صورة لبنان الحقيقية من إبداع وفكر وإصرار على النجاح".

وغردت النائبة رولا الطبش عبر حسابها على "تويتر": "في عتمة الأزمات المؤلمة، بقعة ضوء لبنانية تذكرنا بأن وطننا غني بأبنائه، أينما حلوا. فقد قلد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الكاتب اللبناني العالمي أمين معلوف، وسام الاستحقاق الوطني، في احتفال تقديرا لعطاءاته وإنجازاته في عالم الأدب. هو تكريم ليس للكاتب فقط، إنما للبنان، وطن الإشعاع والفكر. ألف تحية لك، أمين معلوف، فقد أعطيتنا جرعة أمل، في زمن بائس".

وغرد النائب زياد الحواط قائلًا: "رغم كل شيء، لبنان النجاح والتألق حاضر في العالم. فخر واعتزاز لنا كلبنانيين، تقليد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الروائي والكاتب اللبناني أمين معلوف وسام الاستحقاق الوطني في باريس. هذه هي الصورة التي يعكسها اللبناني في الخارج... نجاح وجوائز وتقدير بمستوى عالمي".

وسام على صدر لبنان

هنأ جوزف القصيفي، نقيب محرري الصحافة اللبنانية، معلوف، قائلًا: "إن التكريم الذي حظي به أمين معلوف، هو وسام على صدر لبنان، أستحقه صاحبه، الذي حلق في فضاءات الإبداع، وحقق لنفسه ولوطنه الأم، مكانا ومكانة متقدمة في الأدب العالمي، بإبداعاته وحضوره البارز في المشهد الثقافي".

أضاف: "هو قامة وهامة لبنانية، نفخر بها ونعتز، والمعلوف صحافي وأديب، ابن صحافي وأديب وشاعر هو رشدي المعلوف، الذي ترك بصمة لا تمحى، في تاريخ الصحافة اللبنانية المعاصر".

وختم: "إن تكريمه يؤكد أن لبنان، الذي يعاني من صعاب كثيرة، ويواجه تحديات كبيرة، يظل قويا بأبنائه المبدعين، تحت كل سماء، وفي غير مجال، وإن وطنا يمتلك مثل هذه الطاقات الخلاقة، لن يكبو، بل سيبقى متمردا على كل محاولات إسقاطه".

أبصر النور

أبصر معلوف النور في حي بدارو بالعاصمة اللبنانية بيروت في 25 فبراير 1949، وتعلم في مدارسها حاصلًا على شهادة في علم الاجتماع في جامعة القديس يوسف الفرنكوفونية.

يقول معلوف إن كون الشخص مسيحيًا في الشرق "يخلق لدى المرء أحساسًا بأنه هامشي" على الرغم من أن عائلة معلوف كان لها باع طويل في الشعر والأدب العربيين، فأحد أعمامه ترجم أعمال موليير إلى العربية، وفوزي معلوف من أبرز شعراء المهجر، يُلقب بـ "رامبو العربي".

كان والده مذيعًا وشاعرًاـ يقدم برنامجًا إذاعيًا عن الموسيقى الكلاسيكية الغربية، كما كان صاحب صحيفة وكتب مقالات في الديمقراطية البرلمانية.

في عام 1971، تزوج معلوف من أندريه معلوف التي كانت تعمل مدرّسة للصم والبكم في بيروت، وقال عنها زوجها إنها كانت أول قارئة لكتاباته وكانت قاسية جدًا في تقييمها. أنجبا ثلاثة أبناء في بيروت قبيل اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975.

من "النهار" إلى باريس

في الثانية والعشرين، بدأ العمل في جريدة "النهار" اللبنانية، وبدأ بالترحال حول العالم لتغطية الأخبار العالمية، فزار 60 بلدًا، وأجرى مقابلة مع رئيس وزراء الهند الراحلة، أنديرا غاندي، كما كان شاهدًا على إطاحة إمبراطور إثيوبيا، هيلا سيلاسي، على يد مانغيستو هايلا مريام في عام 1974، وسقوط سايغون في يد ثوار فيتنام في عام 1975، كما كان شاهدًا على عراك وتبادل إطلاق للنار بين مجموعة من الفلسطينيين ومسلحين مسيحيين قرب مكان إقامته وكانت الحصيلة "مقتل 20 شخصًا"، فبات مع زوجته الحامل وابنه الصغير في قبو المبنى حتى الصباح.

بغية تفادي الانجرار إلى الحرب المجنونة التي اجتاحت البلد، وكي لا يصبح طرفًا فيها، استقل معلوف سفينة أقلته إلى قبرص، ثم غادرها إلى العاصمة الفرنسية باريس. وبعد شهرين، لحقت به زوجته وأطفاله.

في البداية، عمل في مجلة "جون أفريك"، وبدأ يكتب أول مرة في حياته باللغة الفرنسية، وأصبح لاحقًا رئيس تحرير المجلة. بين عامي 1979 و1982، كان مدير طبعة "النهار" الأسبوعية التي كانت تصدر في باريس قبل أن يعود إلى "جون أفريك".

شغف معلوف

أصدر معلوف كتابه الأول بالفرنسية "الحروب الصليبية كما رآها العرب" في عام 1983. ظل هذا الكتاب الذي ترجم إلى معظم اللغات الأوروبية يلقى الرواج عشرين عامًا، ولم تتراجع مبيعاته.

يقول معلوف إنه كان شغوفًا منذ بداياته بالكتابة الروائية، فعلاقته بالواقع الذي يعيشه مضطربة: "أنا شخص حالم دائمًا وأحاول الهروب باستمرار من الواقع. لا أشعر بالانسجام مع العصر والمجتمع اللذين أعيش فيهما".

في عام 1986، صدرت أولى رواياته "ليون الإفريقي" التي تتناول السيرة الحقيقة للرحالة الحسن الوزان الذي فر من الأندلس بعد سقوط غرناطة إلى فاس وجح إلى مكة وبعدها اعتنق المسيحية.

كان عمله الثاني رواية "سمرقند" في عام 1988، وتناول فيها سيرة الشاعر الفارسي عمر الخيام، صاحب "رباعيات الخيام".

أما رواية "حدائق النور" الصادرة في عام 1991 فهي سيرة حياة "ماني"، مؤسس الديانة المانوية في بلاد فارس، والذي عاش في القرن الثالث الميلادي
ألّف معلوف روايتين تستعيدان الماضي القريب للبنان وللمنطقة، هما "صخرة طانيوس" في عام 1993 ونال عنها جائزة "غونكور" كبرى الجوائز الأدبية الفرنسية، و"موانئ الشرق" في عام 1996.

أما كتابه "الهويات القاتلة" فصدر في عام 1998، وتلته رواية "رحلة بالداسار" في عام 2000.

صدرت له رواية "التّائهون" التي عاصرت الأجواء والشخصيات خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية، وأصدر أيضًا كتاب "البدايات" في عام 2004، وهو سيرة ذاتية تستعيد تاريخ عائلته.