إيلاف من الرباط: يتوزع التقرير العام للنموذج التنموي الجديد بالمغرب، الذي تسلم الملك محمد السادس، الثلاثاء بالقصر الملكي بفاس، نسخة منه، بين تمهيد وورقة حول المهام الموكولة إلى اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي والمقاربة المعتمدة، وثلاثة أقسام رئيسية.
أحدث الملك محمد السادس، في نوفمبر 2019، اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي،مدشنا بذلك ورشا للتشخيص والبناء المشترك للمستقبل الذي يتعين تناوله "بالشجاعة والإبتكار" و"المصلحة الوطنية العليا". فيما تمثلت المهمة الموكولة إلى هذه اللجنة، ذات الطابع الاستشاري، في تشخيص الوضعية الراهنة للتنمية بالمملكة، بصراحة وموضوعية، وفي رسم معالم نموذج تنموي جديد قصد الدفع بالمغرب "للتوجه بكل ثقة نحو المستقبل".

الملك محمد السادس لدى تسلمه نسخة خاصة من التقرير العام للنموذج التنموي الجديد من
شكيب بنموسى رئيس اللجنة الخاصة المكلفة اعداد النموذج التنموي الجديد الاربعاء
أفق 2035
تحدث التقرير العام، الذي جاء في 152 صفحة، عن "أفق 2035"، حيث ينتظر أن "يتعزز المغرب كبلد ديمقراطي يمتلك فيه جميع المواطنين القدرة الكاملة على تولي زمام أمورهم وتحرير طاقاتهم والعيش بكرامة في مجتمع منفتح ومتنوع وعادل ومنصف. بلد قادر على خلق القيمة المضافة، يستثمر مؤهلاته بصفة مستدامة ومسؤولة، مستندا على التقدم المضطرد الذي يحققه على المستوى الوطني"، ويبرز كــ"قوة إقليمية تضطلع بدور طلائعي في مواجهة التحديات التي تواجه العالم".
أوضح التقرير العام أن هذا الطموح يضم اختيارات توجه المغرب نحو المستقبل، متمثلة في "التشبث بالاختيار الديمقراطي ودولة الحق والقانون" و"تثمين الرأسمال البشري وقدرات المواطنات والمواطنين كرافعة أولى لضمان تكافؤ الفرص والادماج الايجابي وتفعيل المواطنة وتحقيق الرفاه"؛ و"التعلق بكل ما يشكل خصوصية المملكة: عمقها التاريخي، هويتها الوطنية الغنية بروافدها وقيمها الثقافية والدينية"؛ "التشبث بالتنوع وبالمساواة بين الرجل والمرأة وبتكريس مكانة ودور المرأة في الاقتصاد وداخل المجتمع"؛ و"نمط إدماجي في خلق القيمة يثمن كافة الطاقات ويضمن التوزيع المنصف للثروة وينتقل المغرب إلى مصاف القوى الصاعدة بشكل كامل"؛ و"نمط لخلق القيمة، هاجسه المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية"؛ و"التشبث بمغرب منفتح على العالم ويساهم بشكل فعلي في رفاه مواطنيه وفي التقدم العالمي".
مغرب الجرأة
شدد التقرير العام على أن تحقيق هذا الطموح يتطلب بلوغ "خمسة أهداف تنموية متداخلة ومتكاملة، بشكل موازٍ، تتجلى في تحقيق الرخاء والتمكين والإدماج والاستدامة والريادة الجهوية في ميادين محددة من خلال رهانات مستقبلية جريئة. وتتمثل هذه الأهداف الخمسة في "مغرب مزدهر يخلق الثروات وفرص عمل جيدة في مستوى طاقاته" و"مغرب الكفاءات، حيث يتوفر جميع المواطنين على مؤهلات ويتمتعون بمستوى من الرفاه يمكنهم من تحقيق مشاريعهم في الحياة والمساهمة في خلق القيمة المضافة" و"مغرب دامج يوفر الفرص والحماية للجميع ويعزز الرابط الاجتماعي" و"مغرب مستدام يحرص على المحافظة على الموارد في جميع أنحاء التراب الوطني" و"مغرب الجرأة يسعى إلى الريادة الإقليمية في مجالات مستقبلية محددة".
مقومات رمزية
شدد تمهيد التقرير على أن نماء الأمة المغربية يستمد جذوره انطلاقا من أرضية خصبة، تتشكل من مقومات رمزية تندرج في إطار الزمن الطويل. وبكونه بلدا ذا عمق تاريخي، شكل مدارا للحضارات على مر العصور، يضيف التمهيد، فإن "المغرب كرس دائما اختيار التعددية والإدماج واشاعة القيم كأساس لتطوره. وتشبثا بهذا الإرث العريق، فإن الأمة المغربية تراهن على تحقيق إقلاع حضاري ينبني على استثمار كافة مقومات التنمية في أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وذلك ضمن رؤية مستقبلية طموحة، ترتكز على الشعور بالانتماء إلى نفس الوطن".
وأشار التمهيد إلى أن المغرب قد عرف خلال العقدين الأخيرين، "تقدما ملحوظا، ساهم في الرفع من سقف المطالب وأضفى شرعية على التطلعات الجديدة. وانسجاما مع روح الدستور واستنادا على الإرث التاريخي الغني، فإنه يصبو إلى نفس جديد، من خلال تعبئة كافة مكوناته وبروح المواطنة وحس التضامن، بغية بناء مستقبل مزدهر يؤمن رفاه المواطنين". فيما "تلتقي مكونات المجتمع المغربي اليوم حول نفس الرغبة الملحة والمتمثلة في تحرير الطاقات من خلال تعزيز قدرات المواطنات والمواطنين؛ واستباق التحولات التي يشهدها العالم من أجل تعبئة الفرص التي تتيحها والتخفيف من حدة المخاطر الناجمة عنها؛ والتعريف بالمبادرات المحلية المبتكرة في بلد يشكل فيه الشباب الشريحة الديمغرافية الأوسع؛ وتحصين الحريات ضمن إطار يكرس الثقة والمسؤولية".
وشدد التمهيد على أن المغرب قام بــتشخيص شمولي لوضعيته التنموية ورصد مؤهلاته والتحديات التي تواجهه وكذا الوعود التي بالإمكان تقديمها، وذلك قبل حدوث الأزمة الصحية العالمية والتي ألقت بظلالها على الدول المتقدمة والنامية على حد سواء، حيث أبان المغرب عن فهم عميق للأزمة الحالية، باعتبارها ليست مجرد أزمة عابرة، بل لكونها تؤشر على تحولات هيكلية عميقة لها انعكاسات على كافة المستويات الترابية ومجالات السيادة الوطنية على المستوى الاقتصادي، الغذائي، الطاقي أو الرقمي. وبالتالي، فقد "حان الوقت" لــ"تجديد الميثاق الوطني": "ميثاق يضمن في نفس الآن الانصاف والحرية، الحماية والتمكين، الابتكار والتجذر، التعددية والوحدة، وذلك خدمة لطموح تنموي جديد".
وذهب التمهيد إلى أنه "لا يمكن الارتقاء نحو مستقبل مشترك دون جذور مشتركة يمكن الارتكاز عليها. كما أنه لا يمكن تحقيق إقلاع دون أرضية صلبة تكرس روح الانتماء الجماعي الذي يضمن التزام وانخراط كافة الأجيال ويعبئ الطاقات بكل تنوعها. إن الأمة المغربية التي تكرس قيم الإسلام المبنية على التسامح والانفتاح، تسعى إلى جعل هذه القيم قوة دفع لمشروعها الجماعي القائم على الاعتزاز بالنفس واحترام الآخر. وفي الوقت الذي يجتاز فيه العالم مرحلة شك على المستوى المؤسساتي، وتطرح تساؤلات حول قضايا الهوية وتزداد حدة التوترات الجيوسياسية في سياق صعود قوى جديدة، فإن المملكة تسعى إلى رسم مسارها التنموي بالاستناد على تطلعات وانتظارات مواطنيها وسعيا منها في المساهمة في بناء عالم أفضل".
وزاد التمهيد قائلا إلى أن هذا الطموح المستقبلي، يستمد جذوره من الإرث التاريخي وإرادة الحاضر، فيما "يأخذ بعين الاعتبار التاريخ الحديث خلال العقدين الأخيرين، اللذين شهدا زخما إصلاحيا خلال عشرية 2000 وعرفا عدة تطورات ذات الصلة بالوعود الدستورية لسنة 2011؛ وقبل ذلك في القرن الماضي، بما يشكله من لحظات اختبار واجهت الأمة، والتي تم تجاوزها بفضل الحماس الذي واكب الاستقلال وتوحيد البلاد، الذي يستمد حيويته من ثورة الملك والشعب ومن التاريخ العريق للأمة المغربية. وباعتبار المغرب مزيج فريد من نوعه لعدة روافد ثقافية؛ العربية الإسلامية والأمازيغية والافريقية والصحراوية الحسانية والعبرية والأندلسية، فإن الشخصية التاريخية المغربية تمزج بين الزمن الطويل والتعددية. وتتعزز هذه الشخصية التاريخية بالتشبث بقيم الاسام المستنيرة والمتجذرة، في انسجام مع القيم الإنسانية. وهو ما يكرس اعتزاز المغرب بخصوصيته وتفرده. إن الشعور بالانتماء إلى أمة تعد من بين أعرق الأمم في العالم يشكل أحد الدعامات لبناء مستقبلنا المشترك".
كما تحدث التقرير عن المؤسسة الملكية بكونها "رمزا للاستمرارية التاريخية والاستقرار، تشكل "الدعامة الأساسية لهذا البناء وتعطي للأمة القدرة والجرأة الضروريين لتطورها وازدهارها". فيما الملك الذي يجسد هذا التفرد، هو "الضامن للتوازن بين دولة قوية وعادلة ومجتمع قوي ودينامي". كما "يكرس القيادة الضرورية لتحقيق الطموحات التاريخية الكبرى ولتتبعها وضمان استمراريتها".
وختم التمهيد بأن المغاربة، نساء ورجالا، أينما وجدوا عبر العالم، يحملون معهم إرثا حيا وذاكرة منفتحة على المستقبل. وأنهم من خلال ضرب موعد مع أنفسهم ومع التاريخ بغية زرع أحلامهم وتنميتها والحرص على تحقيقها، يلتزمون بجعل قيمهم وتعدديتهم وتراثهم جذورا مغذية للمستقبل، وبجعل تطلعاتهم تواكب تطورات العالم وتساهم في بناء مستقبله. وأيضا على جعل وطنهم قادرا على الاستمرار في التشبث بقيم السلم والازدهار المشترك.
مغرب اليوم وعالم الغد
جاء القسم الأول، تحت عنوان "مغرب اليوم وعالم الغد"، وتعرض لـ"المشاورات، والوضعية الراهنة والتشخيص"، من خلال عناوين صغرى: "تصورات مواطنة ومؤسساتية تدعو إلى التغيير" و"لمحة عن مسار التنمية بالمغرب" و"وضعية راهنة تختلط فيها المكاسب ومظاهر النقص " و"معيقات نسقية وكوابح في وجه التنمية" و"التمثلات الجماعية وقيادة التغيير"؛ و"المرتكزات وعناصر الاستشراف في أفق 2035"، من خلال عناوين صغرى: "انتظارات وتطلعات المغاربة" والتحولات الوطنية والعالمية" والإطار المرجعي"؛ و"التغيير ضروري وذو طابع استعجالي".
أهداف التنمية
جاء القسم الثاني تحت عنوان "النموذج التنموي الجديد: مغرب الغد"، وتعرض لـ "طموحنا من أجل المغرب في أفق 2035"، مع ثلاثة عناوين صغرى: "مغرب الغد" و"أهداف التنمية" و"مؤشرات تقييم النتائج"؛ و"مرجعية جديدة للتنمية"، مع أربعة عناوين صغرى: "توجه تنظيمي جديد" و"مبادئ مشتركة للعمل" و"التزامات الفاعلين" و"إطار لترسيخ الثقة والمسؤولية"؛ و"المحاور الاستراتيجية للتحول": المحور الأول: اقتصاد منتج ومتنوع قادر على خلق قيمة مضافة ومناصب شغل ذات جودة، والمحور الثاني: رأسمال بشري معزز وأكثر استعدادا للمستقبل والمحور الثالث: فرص لإدماج الجميع وتوطيد الرابط الاجتماعي، والمحور الرابع: مجالات ترابية قادرة على التكيف : فضاءات لترسيخ أسس التنمية.
رافعات التغيير
حمل القسم الثالث عنوان "رافعات التغيير"، وركز على "الأوراش التحولية لإطلاق النموذج التنموي الجديد"، من خلال "الرقميات" و"الجهاز الإداري" و"تمويل النموذج التنموي الجديد" و"مغاربة العالم" و"الشراكات الدولية للمغرب"، كما تطرق لـ "الميثاق الوطني من أجل التنمية".
إدارة التغيير
ختم التقرير بأن "التنفيذ الفعلي" للنموذج التنموي يتطلب "تعزيز وظيفة القيادة الاستراتيجية والتتبع وإدارة التغيير". فيما "يتسم مسلسل التغيير بالصعوبة أينما كان، إذ يفترض قبل كل شيء وجود قيادة والتزام قوي وأيضا الاستمرارية والمثابرة وتحمل المخاطر والتدبير الدائم لمظاهر مقاومة التغيير. تبين التجربة الدولية أن الرؤى المرتبطة بالتنمية، على مستوى بلد ما، تتوفر على مزيد من حظوظ النجاح عندما تصاحبها مقاربة أكيدة ومدعومة بتعبئة وانخراط الفاعلين، وكذا بآلية للتتبع والقيادة الاستراتيجية، التي تدفع بقوة نحو بلوغ الهدف المنشود، ولتجاوز المعيقات المحتملة".
ومن أجل "ترسيخ النموذج التنموي الجديد كمرجعية مشتركة للفاعلين"، و"حث جميع القوى الحية على إنجازه"، اقترحت اللجنة ترجمته في صيغة "ميثاق وطني من أجل التنمية"، يشكل "لحظة توافقية لانخراط جميع الفاعلين في مجال التنمية حول طموح جديد للبلاد"، و"مرجعية مشتركة تقود وتوجه عمل جميع القوى الحية بكل مشاربها". كما يمكن أن يمثل "الآلية الكفيلة بتجديد علاقات الدولة مع الفاعلين في مجال التنمية (أحزاب سياسية، مؤسسات دستورية، قطاع خاص وشركاء اجتماعيون، مجالات ترابية والقطاع الثالث)، من خلال "تجديدٌ تتلخص عباراته الأساسية في: تحمل المسؤولية، والتمكين، والتفريع، والشراكة، والاستدامة والإدماج".















التعليقات