كان موريس دريون المولود في باريس سنة1918 والمتوفي سنة 2009 سياسيًا وكاتبًا وصحافيًا. وكان عضوًا في أكاديمية اللغة الفرنسية، وفي الأكاديمية الرومانية، وعضوًا لسنوات طويلة في البرلمان الأوروبي.

وفي سنوات شبابه التحق بحركة المقاومة الفرنسية مناصرًا للجنرال ديغول الذي كان يقودها من لندن. ولقد ألف العديد من الكتب حول قضايا سياسية مختلفة، وحول التاريخ الفرنسي المعاصر إلاّ أن كتابه الأكثر أهمية هو الذي تضمن مذكراته والذي صدر قبل بضع سنوات من رحيله.

احتلال باريس
وفي بداية الحرب العالمية الثانية كان موريس دريون يقود كتيبة عسكرية على نهر "لوار". وفي الرابع عشر من شهر حزيران-يونيو 1940 احتل النازيون باريس.
وفي الثاني والعشرين من الشهر والعام المذكورين، أمضى الحكام الفرنسيون بقيادة الماريشال بيتان وثيقة الاستسلام. أما الذين رفضوا ذلك مثل الجنرال ديغول، فقد شرعوا يهيئون أنفسهم لمواجهة العدو النازي، ومحو المذلة الشنيعة التي لحقت ببلادهم. ويقول موريس دريون بإن سقوط فرنسا لم يحدث لأن أبناءها لم يرغبوا في المقاومة والنضال والتصدي للعدو بحزم وعزم، وإنما لأن المسؤولين السياسيين والعسكريين ارتكبوا أخطاء فادحة على جميع المستويات استغلها الألمان لصالحهم.

ذكريات
ويروي موريس دريون بأسلوب بديع ذكرياته عن بدايات الحرب، أيام وجد نفسه وحيدًا تائها في البرية، مُتخفيا عن الأنظار، باحثا عن بقايا الجيش الفرنسي الذي انهار تماما بعد إمضاء وثيقة الاستسلام، ورضوخ الجنرال بيتان لشروط القيادة الألمانية، مُنتقدا بشدة دلاديي وزير الخارجية الذي أمضى "وثيقة ميونيخ" التي شجعت النازيين على شن الحرب.
وبنفس الحدة ينتقد الجنرال غاملان الذي كان قائدا للقوات المسلحة، والذي لم يكن_ بحسب رأيه_ يتمتع بالكفاءة العسكرية اللازمة.
ولقد استجاب دريون للنداء الذي وجهه الجنرال ديغول انطلاقًا من لندن وذلك في الثامن عشر من شهر حزيران-يونيو1940 .
وكان ديغول قد طالب الشعب الفرنسي بمقاومة الاحتلال النازي بكل الطرق والوسائل.
وخشية القبض عليه، أمضى دريون أشهرًا طويلة مُتخفيا في أحد الأديرة بالقرب من مرسيليا. ثم لم يلبث أن التحق بحركة المقاومة مقتربًا من زعمائها من أمثال هنري فريسنان الذي كان قائدا لحركة "المعركة"، وايمانوييل داستيي دو فلافيجيري الذي كان مقربًا من الشيوعيين، وجوزيف كيسال الذي كان كاتبًا وصحافيًا مرموقًا.
وبإعجاب كبير يتحدث موريس دريون عن ضابط يدعى غابريال تصدى لدبابتين ألمانيتين ولا سلاح له غير مسدس. ورغم الجراح الخطيرة التي أصيب بها، فإنه ظل على قيد الحياة.

وفي شهر نوفمبر -كانون الثاني1942 فرّ موريس دريون إلى اسبانيا عبر جبال "البيرينيي". وهو يقطع الحدود، التفت إلى وطنه وكتب يقول: "من ذلك المكان، وفي تلك اللحظة، تحمل كلمة وطن معنى آخر لم تحمله أبدًا. فهو ليس أسطورة، ولا قيمة، ولا تاريخًا، بل هو واقع مرئي، قطعة من الأرض تمتلكها، والانفصال عنها يكون بمثابة الاجتثاث الجسدي".
ومن اسبانيا، انطلق موريس دريون إلى البرتغال ومنها ركب باخرة إلى لندن ليكون نصيرا للجنرال ديغول.