"الحق يعلو ولا يُعلى عليه"!
هذا القول المأثور الذي غدا مثلاً ومثالاً، ترداده اليوم هو بمثابة التحدي للبنان...
والتحدي ليس مطلوباً أن ترفعه الحكومة، ولو كان رئيسها قد بشّرنا يوم تقديم "القاضي" ميليس تقريره وطلبه توقيف من أوقف (احتياطياً، لا بأس...) وقد وصفهم رئيس لجنة التحقيق الدولية بأنهم الأربعة الذين اجتمعوا أو كانوا يجتمعون لتهيئة عملية الاغتيال التي تردد في وصفها صراحة بالمؤامرة... وإنها لمؤامرة، وأعظم!
التحدي مطلوب رده، بل رفعه من القضاء.
والقضاء، في هذا "الإطار التاريخي"، ليس جسماً هيولياً، مكوّناً نظرياً وغير ملموس ولا محسوس... إنه كيان إنساني مؤلف من بشر كسائر البشر، لهم أسماء علم، ووجوه نعرفها ونلقاها كل يوم!.
وكحقيقة كيانية إنسانية، مطلوب منه الآن أن يستعيد ضمير لبنان السليب، بل ضميره كجسم وكسلطة يطالب لها كبارنا وحتى المبتدئون الصغار باستقلالها التام، مضموناً - في وجه السلطات الاخرى كي تضمن هي للمواطنين حرياتهم وحقوقهم، بما فيها حقهم في الحياة.
لسوانا أن يحرّض القضاء ليتحرك...
وقد أثبتت النيابة العامة التمييزية أنها في غنى عن تحريض المحرّضين، وأنها أدركت أنها، ولو كانت قانوناً، ذراع الحكم بكل سلطاته وفي وسع وزارة العدل أن تأمرها، فتأتمر "خطياً" إنما تتمرد شفهياً، لأن كلمتها تظل لها حرية الكلمة!
وجاء ادعاؤها على المتآمرين الموقوفين لديها عنوان حريتها المستعادة في التحرّك، وكأنها أدركت أن الشعار الذي أطلقه رئيس الحكومة فؤاد السنيورة بأن "الدنيا ستنقلب على رؤوس المجرمين" هو بمثابة الرسالة الموجّهة الى القضاء بالذات، (لا الى "القدر"!!!)، بدءاً بالقضاء "الواقف" (أي النيابة العامة) ثم انتقالاً الى "القضاء الجالس" (أي الجالس على قوس الحكم... تماماً كشهداء العدالة الأربعة الذين اغتيلوا وهم جالسون على القوس، ولم ينصفهم زملاؤهم من أربع سنوات، وتزيد، لان "النظام الامني" المستبد بـ"دولة الامن والنظام" منعهم من ذلك.
هؤلاء القضاة حسن عثمان، وليد هرموش، عماد شهاب وعاصم بوضاهر نتصورهم الآن، حيث هم، يصفقّون للعدالة المنتقمة لهم، فترتاح نفوسهم التي كانت معذّبة، كما النفوس المظلومة في فردوس "دانتي" الضائع، او في جحيم ابو علاء المعرّي...
كانت حرية القضاء، بل كانت ضمائر القضاة، مسترهنة للرباعي الأمني الذي تأسره هي الآن، والذي كانت مؤسساته وشركاؤها وأولياؤها قد حكموا القضاء وكأنهم المقدّر بفعل انقلاب عسكريتاري حقيقي على ديموقراطية لم يبقوا منها الا القناع والاسم الفارغ لرئاسات وهمية، والشعارات المسوّقة في بازارات الكلام الخشبي الفارغ، العاجز، صار، حتى عن غش بلهاء المصفقين في مهرجانات تقنّع مجالس العزاء!
أيها الناس، صفّقوا مع قضاة صيدا الشهداء لقرار هو بداية انقلاب الحرية على حكم الزور والظلم.
ثم اغتسلوا، وتوضّأوا، وصلّوا ألا يسوقنا متسرّع ما الى هدر رعاية الضمير الذي يحرس العدالة المستعادة.
فحذار زلاّت قدم، وزلاّت الألسنة الطويلة.















التعليقات