جورج علم
كتب سفير الولايات المتحدة الأمريكية لدي لبنان جيفري فيلتمان رسالة الي اللبنانيين بمناسبة قرب انتهاء مهمته في بيروت يحثهم فيها علي التعلق بالديمقراطية.
وتأتي هذه عملياً في ظل تخبط سياسي كبير يشهده لبنان، المحاصر بين فكي كماشة، اسرائيل من جهة الحليفة الأولي للولايات المتحدة، والتي شنت حروبا عدة مكلفة ضد لبنان ولها مطامح واضحة في أرضه ومياهه، لا بل في صيغته الحضارية القائمة علي التعددية الطائفية، والتي تسعي جاهدة الي تدميرها لأنها تشكل النقيض للصيغة العنصرية التي تفاخر بها.
وسوريا التي أثبتت أن لها مطامع تاريخية في لبنان، والتي لا تعترف عملياً باستقلاله وسيادته، وتتعامل معه وكأنه امتداد للساحل السوري، وقد وفرت الولايات المتحدة الفرصة المؤاتية لها لاجتياح أراضيه وممارسة هيمنة مطلقة علي مقدراته استمرت ثلاثين عاماً، أثبتت خلالها عدائية لا توصف من خلال اعتمادها سلوكاً استيعابياً لهذا اللبنان؟
وعندما قضت المصالح الأمريكية بوضع اليد مباشرة، أصدرت واشنطن بالتعاون مع باريس القرار 1559 عن مجلس الأمن في الأول من سبتمبر ،2004 وطالب في بنده الأول بخروج القوات السورية فوراً، وهذا ما تحقق فعلاً في نهاية أبريل، أي بعد أشهر قليلة علي صدوره.
والأدهي أن هذا القرار قد تدخل في شؤون لبنان الداخلية، وطالب بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وكانت ولاية الرئيس أميل لحود قد شارفت علي نهايتها، فجاء الرد السوري حينها فورا، وتم التمديد في اليوم الثاني ولمدة ثلاث سنوات.
لقد أفرغت الديمقراطية الأمريكية التي يطالب بها السفير فيلتمان، ويحرص عليها، رئاسة الجمهورية من محتواها، وحثت واشنطن كل الدول الغربية والحليفة علي مقاطعة الرئيس لحود، وأحدثت شرخاً ما بينه وبين حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. ودفعت بالعديد من الوزراء والنواب الي مقاطعة الرئيس والقصر الجمهوري، وعندما استقال عدد من الوزراء الذين ينتمون الي كتل معارضة في 11/11/،2006 حرصت واشنطن علي دعم الرئيس السنيورة وحكومته، وثبتت أقدامه في الحكم رغم مقاطعة المعارضة له، ومكّنت حكومته من الاستيلاء علي صلاحيات رئيس الجمهورية، وكانت تصدر المراسيم وتحيلها فوراً الي الجريدة الرسمية كي تكتسب الطابع التنفيذي من دون ان تحمل توقيع رئيس الجمهورية.
ولم يعرف لبنان منذ قيام دولة اسرائيل، طعم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي نتيجة الدعم الأمريكي اللامحدود للدولة العبرية، وكانت الولايات المتحدة وما تزال، المؤازر الأول لإسرائيل في اعتداءاتها المتكررة علي لبنان، فالسلاح أمريكي، والذخيرة أمريكية، والتدريب أمريكي، وأيضاً الخطط والتسهيلات اللوجستية، وعندما كان يلجأ لبنان الي مجلس الأمن ويتقدم بشكوي ضد هذه الاعتداءات، كانت تسارع واشنطن الي الوقوف بجانب اسرائيل وتستخدم حق النقض الفيتو لإسقاط القرار، ولتحرير الدولة العبرية من أي تبعية جرمية، أو من أي مسألة دولية، وعندما كانت، ولضرورات معينة لا تستخدم الفيتو، ويصدر القرار عن المجلس بإدانة اسرائيل فإنه يبقي حبراً علي ورق، وغير قابل للتنفيذ دفاعاً عن المصالح الاسرائيلية؟!..
ومع ذلك يأتي فيلتمان، وقبله وزيرة الخارجية السيدة كونداليزا رايس، وقبلهما الرئيس جورج بوش ليؤكدوا الحرص علي أمن لبنان، وحريته وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه؟!، فأين كل هذه الشعارات من الاعتداءات الاسرائيلية ضد هذا اللبنان الذي تدعمه الادارة الأمريكية؟!.
ولا تتعلق سياسة التاجر الأمريكي حيال لبنان بإسرائيل ونهمها المستمر، بل بسوريا ايضاً حيث أثبتت الأحداث والوقائع بأن واشنطن تبيع لبنان ومصالحه لهذه الدولة أو تلك حفاظاً علي مصالحها، وكسبا لسياستها في المنطقة، وعندما كانت لعبة المصالح تقتضي من سوريا بضبط المنظمات الأصولية المناوئة للسياسة الأمريكية في المنطقة بادرت واشنطن الي إطلاق يد نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد في لبنان تحت شعار ضبط أمنه واستقراره، فتعطلت الديمقراطية التي تنادي بها الإدارة الأمريكية، وتدعي الحرص عليها، وراحت سوريا تتدخل في كل شاردة وواردة، فتعيّن الوزراء والنواب، وتعطل الحياة السياسية وتتصرف علي أنها الآمر الناهي وفي كل الشؤون اللبنانية من دون أي رادع أو مانع؟
والآن ومع مرور نيف وثلاث سنوات علي صدور القرار ،1559 يتساءل اللبنانيون: أي نموذج من الديمقراطية قدمت الولايات المتحدة للبنان؟ هل بعدوان يوليو الاسرائيلي والذي استمر 33 يوماً، وأدي الي سقوط 1200 شهيد، فضلاً عن الدمار الهائل الذي ألحقه بالمباني والمؤسسات والبني التحتية؟ وهل بوجود ما يقارب ال 15 ألفاً من القوات الدولية اليونيفيل علي أرضه، وهي أي واشنطن الحريصة جداً علي سيادته واستقلاله؟، وهل بعدد القرارات الدولية التي صدرت عن مجلس الأمن ما بين الأول من سبتمبر ،2004 ولغاية تاريخه، والتي فاق عددها ال 12 قراراً، والتي تتدخل في مختلف شؤونه الداخلية، وعلاقاته مع محيطه؟!، أم بالانقسام الداخلي الذي أحدثته نتيجة تدخلها السافر في شؤونه، وتأليب فريق علي فريق آخر، وفئة ضد أخري، والدخول في بزار التصنيفات كأن تصف المقاومة الباسلة التي حررت الأراضي اللبنانية المحتلة من قبل اسرائيل ب الإرهابية ، وحزب الله بالحزب الإرهابي ، والمعارضة بالتبعية السياسية لسوريا، والموالاة بالمؤتمنة علي ثورة الأرز..؟!















التعليقات