أمجد ناصر

قبل يومين كان توني بلير في مجلس العموم.
لم يكن بليغا، ملهما، منفعلا، و مؤيدا بروح القدس كعادته.
كان يقرأ خطابا مكتوبا ولم يترك نفسه للارتجال.
بجانبه رجل يرفع خصلة من شعره ما تني تسقط علي جبينه لكن ملامحه لا توحي بأكثر من الضجر او الانتظار .
رجل يجلس في ظلال القائد الذي لن يطول به المقام طويلا هناك. رجل في انتظار ايامه.
خطاب بلير، كما توقعتم، كان عن العراق.
لكن لا شيء من حماسته المعهودة، ذات النفحات الالهية او الرؤيوية، بدت عليه.
لم يتقمصه اي شيطان.

لم يتراءي الواقعي مختلطا بالميتافيزيقي في عينيه المحدقتين الي التاريخ، لأن لا تاريخ هناك، او بالأحري، لأن التاريخ يهيء له موقعا اخر غير الذي توقعه.
كان خطابه محض جردة حساب مملة لـ منجزات التحالف ، هو نفسه، في اعماقه، اقل الناس تصديقا لها.
انتهت، بالطبع، اكاذيب اسلحة الدمار الشامل، وصلة نظام صدام حسين بالقاعدة، ولقاءات محمد عطا المفبركة مع رسميين عراقيين في براغ تحضيرا لـ غزوة نيويورك، ولا احد يريد ان يتذكر خرائط الخديعة التي عرضها كولن باول علي ارفع محفل دبلوماسي دولي، فتلك أكاذيب انطوت وانقضي اجلها.
فماذا، اذن، في جعبة بلير؟
اكاذيب صغيرة. اكاذيب من نوع الانتخابات و الدستور و تنقيح الدستور و تحقيق تقدم في العملية السياسية ، و تسليم الامن للعراقيين ، لكن الاهم في خطابه هو اعلان هروبه المبكر من العراق. لا يمكن لواحد مثل بلير ان يصف خروجه من الحرب المدمرة التي شنها علي العراق والاثار الوخيمة التي جرها علي بلده بسببها، الا بوصفه انجازا ، ولكنه يعلم ان لا احد يري هذا الانجاز الا كموت مفتوح.

XXX

كنت اراقب الرجل الذي دأب علي رفع خصلة شعره التي ما تني تسقط عن جبينه، فتذكرت الفيلم التلفزيوني الذي شاهدته، اخيرا، عن بلير بعد الخروج من 10 دواننغ ستريت. لم يبد لي الفيلم محض خيال متشف من رجل كذب علي الجميع. بدا كأنه فيلم وثائقي، ولكنه مستقبلي. عدت الي وجه بلير المراوغ ولم استطع ان اتفادي صور المصير المؤلم الذي يرسمه له ذلك الفيلم التلفزيوني.
وقائع الفيلم غير وقائعية.
اي انها محض خيال.
وباستثناء خليفته المتوقع غوردن براون (الذي يرفع خصلة شعره بجانبه في مجلس العموم) فإن باقي (وقائع) الفيلم متخيلة. لكنه الخيال الذي يشبه الواقع، او، لنقل بدقة، الخيال الذي يطمح في ان يتجسد علي ارض الواقع.
يتوجب علينا القول، ونحن نسدد هذه السهام الي توني بلير، ان تصوير وبث فيلم كهذا عن حاكم عربي وهو ما يزال في عز سلطته وجبروته، من سابع المستحيلات، فذلك هو الفارق الضوئي بين اوروبا والعالم العربي. هذه هي ضريبة الديمقراطية ومنجزها في بلدان كافحت طويلا من اجل الحصول عليها ولما حصلت عليها راحت توسع رقعتها، في صراع لم يتوقف، بين قوة الناس وقوة السلطة.

XXX

نعود الي الفيلم الذي اتخذ اسما مفزعا في جرأته وتنبوئه: محاكمة بلير.
يبدأ الفيلم بالايام الاخيرة لتوني بلير في 10 داوننغ ستريت، وزوجته تحصي الاغراض التي ستنقلها الي بيتها الخاص بعد مغادرتها، بحسرة وخيبة امل، هذا المقر التاريخي. الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة الذي تعكسه حركة زوجته في 10 داوننغ ستريت يقابله اهتمام بلير بصورته الكبري في التاريخ. ورغم خروجه شبه المهين من مقر حكومته الا ان بلير يواصل التصرف كرئيس وزراء بريطانيا، بل يبلغ به جنون العظمة الي حد القول انه اصبح الآن اكبر من بريطانيا، ويريد منصبا، دوليا، يليق بحجمه الذي لم تعد تحتمله جزيرة صغيرة. يتكهن الفيلم بتغير رئاسي في امريكا يأتي بهيلاري كلنتون الي البيت الابيض وعن توافق بينها وبين براون لتقديم بلير الي محكمة دولية استنادا الي دعاوي رفعت ضده في محكمة جرائم الحرب التي وقعت عليها بريطانيا ورفضت امريكا الاعتراف بها.
جورج بوش يعود، كما يتكهن الفيلم، الي الادمان علي الشراب في مزرعته في تكساس ويعتزل العالم، فيما يظل شريكه في الحرب غير الشرعية علي العراق توني بلير يردد: لقد كانت حربا عادلة، العالم اصبح اكثر امنا! وهاتان مقولتان هاذيتان دأب بوش علي ترديدهما اثناء فترة رئاسته.

ومن دون ان يعير توني بلير ادني اعتبار الي الكلام المتصاعد حوله عن قرب تقديمه الي المحاكمة يواصل املاء فصول من سيرته علي السكرتيرة الوحيدة التي بقيت معه بعد مغادرة الرئاسة. جنون العظمة يتواصل. الرجل يبدو منفصلا عن العالم. انه يسبح في هيولي المجد التليد الذي لا يلوح لاحد سواه. اجواء شكسبيرية تنداح من منولوغات بلير مع نفسه الطافحة بهلوسات الخلود. وفيما يزداد بلير انفصالا عن العالم الواقعي تقترب نهايته البائسة التي تعكس تواطؤات السلطة وخياناتها حتي مع اقرب المقربين.

وتأتي ضربة الختام عندما يذهب مندوب بريطانيا، قصدا، الي دورة المياه اثناء تصويت مجلس الامن علي تسليم توني بلير الي محكمة جرائم الحرب. يصدر القرار من دون (الفيتو) البريطاني الذي يتوقعه بلير من (رفيقه) براون. يقاد بلير الي محكمة بريطانية ابتدائية للتأكد من الشكليات. قبل ذلك نشاهد بلير في مخفر للشرطة فيطلب منه شرطي ذو رتبة متدنية ان يفتح فمه لأخذ عينة من حمضه النووي. المشهد يستعيد، من دون شك، صورة صدام حسين والطبيب الامريكي يفتح فمه كما لو كان يفحص حيوانا بريا.
الآن يصدق بلير ان الأمر جدي.

لكنه لا يتأمل في ما فعله. لا يراجع نفسه، رغم محاولاته الاعتراف لقسيس في كنيسة بما يبهظ ضميره.
صور اطفال عراقيين قتلي تحاصره في منامه، تقض مضجعه.

سترافقه هذه الكوابيس، علي مايبدو، طويلا في الزنزانة التي سينتهي اليها في (الهيغ) مقر المحكمة الدولية التي حوكم فيها سلوبودان ميلوسفيتش وقضي بين جدرانها (منتحرا).
لا اعرف كيف كان وقع الفيلم علي توني بلير الذي لا بد انه شاهده. لعله قال ضاحكا انه محض خيالٍ متشفٍ، خيال عاجز عن فعل اي شيء في واقع ما ازال امسك بأعنته.

لكن بعد خطابه شبه المهزوم في مجلس العموم ليس من المستبعد ان تكون صور المصائر التي رسمها له الفيلم الذي انتجته القناة الرابعة في التلفزيون البريطاني قد عبرت ذهنه. ليس مستبعدا انه فكر في زنزانه ميلوسوفيتش.

فمن قال ان الخيال لا يتحول، احيانا، واقعا اكثر خيالا من الخيال نفسه؟!