محمد عبد الرؤوف
يبدو أن الجدل سيظل يلاحق المفكر المصري الدكتور سيد القمني. فالرجل لا يكتفي بإثارة المواجهات الثقافية عبر كتاباته بل حتى حصوله على التقدير تصاحبة موجة من النقاش والجدل. فبمجرد إعلان نتائج جوائز الدولة التقديرية لعام 2009 حتى اشتعلت العديد من المعارك الثقافية بين مؤيدي منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية للدكتور القمني وبين المعارضين.
يرى المؤيدون أن الدكتور القمني بأعمالية التنويرية النقدية للتراث الإسلامي، والإنساني عامة قد اضاف قيمة للجائزة، بينما يرى المعارضون أن كتاباته تصب في خانة الهجوم على الإسلام وازدراء المسيحية واليهودية أيضا، وأن منحه الجائزة هو تأكيد لسياسة التجني على الإسلام التي يتبعها القائمون على الثقافة المصرية الذين سيمنحون الرجل 200 ألف جنيه مصري ndash; قيمة الجائزة الماليةmdash; من أموال الشعب الذي يعارض في أغلبه ما يدافع عنه ويروج له القمني.
جيل الثورة
ولد القمني عام 1947 في مدينة الواسطي بمحافظة بني سويف بصعيد مصر. وحيث أن الرجل ينتمي إلى الجيل الذي عايش طفولته ومراهقته وشبابه في كنف ثورة 23 يوليو وتوجهها القومي العربي المصبوغ بالاشتراكية، فقد كان من الطبيعي أن تكون أراء وتوجهات الرئيس جمال عبد الناصر القومية بمثابة المرجعية للقمني وأبناء جيله. لكن الحلم القومي الناصري اصطدم بالهزيمة العسكرية في حرب يونيو 1967 ليتحول إلى كابوس استيقظ على اثره أبناء الجيل ليتحول الكثير منهم إلى الإسلام السياسي أو الماركسية أو الليبرالية. ومع ذلك فقد احتاج القمني إلى حدث تاريخي ضخم أخر ليتخلى عن قناعاته القومية الاشتراكية. فقد أدى احتلال العراق للكويت عام 1990 إلى أن يتخلى عن القومية معتنقا الليبرالية.
نقد التوراة
بعد حصوله على ليسانس الأداب في الفلسفة من جامعة عين شمس واصل القمني دراساته حتى حصل على درجة الدكتوراه في علم اجتماع الأديان. وقد بدأ في دراسة التراث الإسلامي والإنساني معتمدا مناهج علوم نقد الكتب المقدسة التي ترى أن أي كتاب مقدس يمثل انعاكسا للثقافة والظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي احاطت بخروجه للنور.
ومثلما بدأ علم نقد الكتب المقدسة بتناول اسفار التوراة الخمس تناولا نقديا، فقد استهل القمني مشروعه الفكري بكتابات تتعاطى مع التوراة من منظور نقدي. ففي كتابه quot;النبي ابراهيم والتاريخ المجهولquot; يخالف القمني وجهة النظر التى تقول أن النبي أبراهيم ولد بالعراق زاعما أنه جاء من أرمينيا التي غادرها متجها شرقا إلى فلسطين ثم مصر التي خرج منها قاصدا جنوب شبة الجزيرة العربية، أي اليمن تحديدا. ويرى أن اليمن كانت بمثابة تجمع للمهاجرين المصريين الذي خرجوا من quot;منفquot; المصرية أثر صراع ديني وسياسي قاصدين اليمن ذات الأرض الخصبة الشبيهة بالأراضي المصرية، وهناك عرفوا بالعماليق.
وفي كتابه quot;النبي موسى واخر ايام تل العمارنةquot; حاول القمني أن يتصدى لمعضلة تواجه علماء المصريات الذين يحاولون أن يربطوا بين التاريخ الفرعوني وروايات التوارة والقرآن عن دخول بني إسرائيل مصر مع النبي يوسف وخروجهم بصحبة النبي موسى. وتتلخص المعضلة في أن تلك الأحداث الضخمة المسجلة في التوراة والقرآن ليس لها أي ذكر في التاريخ الفرعوني. ويحاول القمني في كتابه أن يحل الإشكالية بالزعم أن النبي موسى هو نفسه الفرعون المصري اخناتون الذي اعتنق التوحيد وهو نفسه شخصية أوديب اليونانية.
وقد تبدو الفكرة غريبة بعض الشيء لكنها ليست بالجديدة. فقد سبق القمني مفكرون وباحثون أشاروا إلى التقارب بين التوراة وعقيدة التوحيد المصرية. حيث زعم عالم النفس الشهير سيجموند فرويد في كتابه quot;موسى والتوحيدquot; أن النبي موسى كان مصريا. كذلك أشار عالم المصريات الأمريكي جيمس هنري بريستيد في كتابه quot;فجر الضميرquot; إلى التشابه الكبير بين نصوص فرعونية وأخرى توراتية، وهو تشابه يصل إحيانا إلى التطابق. كذلك فإن الباحث المصري أحمد عثمان قد تبنى في كتاباته القول بأن النبي موسى هو الفرعون اخناتون.
وواصل القمني تناوله للتوراة وتاريخها في كتابه quot;رب الزمانquot; الذي ضم مقالا يهاجم فيه خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي الاسبق اسحق شامير في مؤتمر مدريد ودارسة تتعرض لفيلم المصير للراحل يوسف شاهين والذي اتهمه بالترويج للتطبيع مع إسرائيل. وقد اوصى الأزهر بمصادرة الكتاب.
التراث الإسلامي وبداية الأزمة
لكن مشاكل القمني الحقيقية لن تبدأ إلا مع استخدامه منهجه النقدي في تناول التراث الإسلامي. ففي كتابه quot;الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلاميةquot; يطرح القمني فكرة أن الدولة الأسلامية الأولى بزعامة النبي جاءت لتمثل تجسيدا لتاريخ طويل من المحاولات من قبل أسلاف النبي للسيطرة على قريش والعرب بدءا من قصي بن كلاب مرورا بهاشم بن عبد مناف وصولا إلى عبد المطلب جد النبي.
وقد اثار الكتاب حفيظة الكثيرين الذين أشاروا إلى ان الكتاب يهدف إلى تقويض الأساس المقدس الإسلام وتحويله إلى مجرد حركة سياسية اجتماعية مستشهدين ببيت الشعر الموجود في الكتاب والمنسوب إلى أحد شعراء قريش: لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل
ويتواصل الهجوم على القمني مع استمراره في استخدام المنهج النقدي في التعاطي مع التراث الإسلامي، مثلما حدث في كتابه quot;حروب دولة الرسولquot; الذي يتناول السيرة النبوية محاولا تبصر الظروف الأجتماعية والأقتصادية التي احاطت بظهور الإسلام وانتشاره، كما سلط الضوء على روايات تاريخية يتجاهلها الخطاب الإسلامي المعاصر مثل حادثة مقتل كعب الأشراف ومصير بني قريظة. وبالطبع أثار الكتاب موجة من الجدل حول الرجل وهو الجدل الذي تزايد مع كتابه quot;شكرا بن لادنquot; الذي حمل فيه على التيار الأسلامي المعتدل الذي يعتقد أنه لا يختلف عن التيار المتشدد. ولم يكتفي القمني بالكتابة بل ظهر على شاشة قناة الجزيرة الفضائية أكثر من مرة مدافعا عن تنقية مناهج التعليم في الدول الإسلامية وعن الليبرالية منتقدا التيارات الإسلامية.
ومع ازدياد كتابات ومشاركات القمني النقدية تضخم حجم قائمة معارضيه. لكن المعارضة ستتخذ شكلا مختلفا، فهي لن تأتي عبر دراسات أو مقالات أو حتى دعاوى قضائية بل سيصل الأمر إلى التهديد بالقتل. ففي يوليو عام 2005 اعلن القمني انه تلقى رسالة عبر البريد الالكتروني من قبل جماعة إسلامية تهدده بالقتل في حال لم يتراجع عن أفكاره ويتوقف عن الكتابة خاصة في مجلة روز اليوسف، وهو ما فعله القمني الذي اعلن توقفه عن الكتابة في المجلة ومراجعته لأفكاره. وبالطبع كان للرسالة وموقف القمني ردود فعل مختلفة، حيث تعاطف مع البعض وهاجمه أخرون لتخليه عن أفكاره بينا اتهمه فريق ثالث باختلاق الرسالة. لكن القمني عاد للكتابة مواصلا التمسك بمنهجه النقدي في التعاطي مع التراث.
quot;الكفر البواحquot;
وقد تجدد النقاش حول القمني ومشروعه الفكري مع فوزه بجائزة الدولة التقديرية. حيث تقدم النائب حمدي حسن عضو كتلة الأخوان المسلمين البرلمانية ndash; 86 نائبا ndash; باستجواب لوزير الثقافة المصري فاروق حسني مطالبا إياه بتفسير منح الجائزة للقمني متهما الوزارة بتكريم quot;أشخاص يتطاولون على الإسلام.quot; كما اصدرت جبهة علماء الأزهر بيانا يدين منحه الجائزة متهما إياه بأنه quot;قد أتى بالكفر البواح الذي لا يحتمل تأويلاً.quot; كذلك أعلن كل من المحامي نبيه الوحش والشيخ يوسف البدري المعروفان بملاحقاتهما القضائية للمثقفين أنهما سيقاضيان القمني ووزارة الثقافة مطالبين بسحب الجائزة.
لكن القمني كثيرا ما نفى عن نفسه تهمة الكفر معلنا أنه مسلم. كما أن الكاتب المصري صلاح عيسى رئيس تحرير جريدة القاهرة وعضو اللجنة المشرفة على الجائزة قال في تصريح لموقع العربية. نت أنه quot;منح صوته للقمني مثلما فعل 36 أخرون من أعضاء اللجنة البالغ إجمالي عددهم 48 لانه يرى أن اجتهد، وهو مفكر دؤوب يحاول قراءة التراث قراءة جديدة، ويعمل في مجاله هذا منذ سنواتquot;.
وهكذا جاء فوز القمني بالجائزة ليستمر مسلسل النقاش حول الرجل، وهو النقاش الذي يدور في الأغلب بين معسكر يعارض الخضوع لسلطان الماضي والتراث متمسكا بالعقل وحرية التأويل، وآخر يرفض المساس بالعقيدة التي يرى أنها المرجعية الأولى عند الغالبية من أبناء الشعب المصري.












التعليقات