قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله المطيري

ضمن تعليقات القراء على مقال الأسبوع الماضي طرح الأستاذ حمد الربيعة هذا السؤال: كيف نستطيع السيطرة على الفكر بحيث يبقى فكراً ولا يتحول إلى سلطة مع الأخذ بعين الاعتبار أن الفكرة ما خرجت إلا لتتوسع وتنتشر وتطبق ولن تطبق بدون أن تتبناها سلطة؟. وهو سؤال يفتح لنا المجال هنا للتفكير في قضية مهمة تتعلق بكيف تتحول الأفكار إلى برامج عمل للمجتمع خصوصا أنه لا يوجد مجتمع يتحرك بدون أفكار عامة تتحول إلى قوانين يجب تطبيقها. في هذه النقطة تحديدا يجب التفريق بين الفكر والقانون. القوانين مؤسسة على أفكار ولكن الفكرة التي يراد تحويلها إلى قانون يجب أن تمر باختبارات عديدة تعطيها الحق في التحول من فكرة مطروحة في ساحة الأفكار وللناس الخيار في تبنيها من عدمه إلى قانون ملزم للجميع ويعتبر الخارج عليه خارجا عن القانون. في هذه المقالة سأتحدث عن اختبارين أساسيين لأي فكرة يراد لها أن تتحول من فكرة إلى قانون. الاختبار الأول هو اختبار المبادئ والاختبار الثاني اختبار الشرعية.
الاختبار الأول هو اختبار مدى اتساق الفكرة مع المبادئ العامة التي هي مبادئ الحرية والعدالة والمساواة. أي أن الفكرة التي يراد لها التحول إلى قانون يجب أن تتسق مع المبادئ العامة التي تقوم عليها حياة المجتمع. عادة ما يقوم الخبراء الدستوريون بهذه المهمة فهم يدرسون الأفكار ويتأكدون من أنه لا يترتب على تطبيقها حد من حرية الفكر والنشر والمعتقد والحياة الخاصة والاعتراض. ولا يترتب عليها تفريق بين المواطنين نتيجة لعرق أو جنس أو معتقد خارج عن الإرادة الفردية أو يدخل في الخيار الشخصي. تعتبر هذه المرحلة هي المفرزة الأولى لمشاريع القوانين وهي التي تحمي المجتمع من شر المقترحات التي تخترق مبادئ الحرية والعدالة والمساواة حتى ولو حظيت بانتشار ورغبة من الأغلبية. وهذا الفرق بين الديموقراطية المطلقة التي تعني حكم الشعب مهما كان هذا الحكم وبين الديموقراطية الليبرالية التي لا تسمح لاختراق مبادئ الحرية والعدالة والمساواة مهما كانت الظروف والتوجهات الشعبية. للتمثيل على هذه الحادثة ما جرى في الخمسينات من حملة قادها السيناتور الأمريكي جوزف مكارثي على الشيوعيين الأمريكان أو من يتهمون بأنهم كذلك. ترتب على هذه الحملة الكثير من التجاوزات للحريات الفردية لعدد من المواطنين الأمريكان مما أدى إلى إنهاء هذه الحملة وإدانتها باعتبار أنها تخترق مبادئ الحرية والمساواة. في ذات الوقت فشلت محاولات كثيرة لقمع الشيوعيين الإنجليز إبّان الحرب الباردة. في تلك الأجواء كان يمكن الحصول على أغلبية مؤيدة لأعمال قمعية من هذا النوع تحت حمى الحرب وشعارات الأمن الوطني لكن الذي حمى المجتمعات الغربية من التحول لتوجه مشابه لما حدث للسوفييت هو هذه المفرزة الأولى التي تمنع مثل هذه الأفكار أن تتحول إلى قوانين ملزمة. وفي حال أنه تم تشريع ما يخالف المبادئ الأساسية فإن المحاكم الدستورية لها الحق في نقض هذه الأحكام باعتبارها غير دستورية وهذا ما حدث مع قوانين التمييز العنصري في الستينات الأمريكية حيث توجهت الطبقات المضطهدة للمحاكم الدستورية لتنقض قوانين الولايات التي تتضمن خرق لمبادئ العدالة والمساواة.
الاختبار الثاني هو اختبار الشرعية فبعد أن يتم التأكد من أن مشروع القانون لا يتعارض مع حقوق الإنسان ومبادئ العدالة والمساواة فإنه يحتاج ليمر عبر المؤسسات التشريعية التي يحق لها تحويل الأفكار إلى قوانين. المؤسسات التشريعية يجب أن تكون معبرة عن إرادة الناس الذين هم محل تطبيق المشاريع. مرور القوانين عبر هذه المحطة يجعل من القوانين قوانين للشعب اختارتها الغالبية بإرادتها الحرة وهذا ما يعني تحمل هؤلاء مسؤولية تطبيق القوانين ودعمها بل ومراقبة تطبيقها والعمل على تحديثها وتطويرها باستمرار. إذن تحتاج الفكرة لتتحول إلى قانون إلى إرادة الغالبية من الشعب التي يتم التأكد منها عبر مرشحيهم في المجالس التشريعية.
بهذه الإجراءات يتوفر للمجتمع الفرصة في أن تتحول الأفكار الجديدة والتطورات في العلم والحياة إلى قوانين تنظم حياة المجتمع وتعطيه الفرصة للتقدم والحركة كما أنها في نفس الوقت تعطي الفرصة المستمرة لتعديل القوانين بل وتغييرها إذا لزمت الأمور وأدرك المجتمع أنه من الأفضل إجراء التعديلات والتغييرات.
هنا لا يخفى على الأستاذ حمد أو على القارئ الكريم أن هذه الأفكار كلها مستمدة من مفهوم الدولة الحديثة الذي هو مفهوم الدولة المتعارف عليه عالميا لا بوصفه المفهوم الكامل بل بوصفه أفضل مفاهيم الدولة المطروحة في التجربة البشرية. الدول اليوم غالبيتها موقعة على قوانين حقوق الإنسان وكثير من الاتفاقيات الدولية المستمدة من مفهوم الدولة الحديثة الذي هو مفهوم دولة المؤسسات. ضمن هذا المفهوم تتحقق المعادلة الصعبة: تحقق حركة فكرية قوية دون أن تتحول هذه الأفكار إلى سلطات تقمع المخالفين. في الدولة الحديثة ضمانة أساسية لمبدأ حرية التعبير والتفكير بقوة القانون. كما أن هناك فرصة للأفكار الجديدة لكي تساهم في حركة المجتمع بأن تتحول إلى قوانين ملزمة للجميع. الطريق مفتوحة بشرط عدم المساس بحقوق الآخرين وحريتهم ومبدأ المساواة كما هو مشروط بأن يعبر القانون عن رغبة الغالبية من المواطنين. ضمن هذه المعادلة تحققت أكبر ثورات الفكر والثقافة والعلم والفلسفة في التاريخ البشري كما تحققت أعلى مستويات معروفة لحقوق الإنسان والعدالة والمساواة. في هذه المعادلة استطاع الأفراد الوصول إلى درجات متقدمة من الإبداع والنجاح والحياة الكريمة والأمن والاستقرار والطمأنينة على مستقبل أجيالهم القادمة.