جهاد الخازن

الجنرال دوغلاس ماكارثر الذي قاد القوات الأميركية في الحرب العالمية الثانية ضد اليابان قال إنه يرى laquo;ان أي وزير دفاع أميركي في المستقبل ينصح الرئيس (الأميركي) لإرسال جيش أميركي بري كبير الى حرب في آسيا أو الشرق الأوسط أو افريقيا يجب أن يفحصوا عقلهraquo;.

ما كنت أعرف هذا الرأي الذي أبداه أحد أبطال الحرب العالمية الثانية سنة 1950 حتى قرأته في خطاب ألقاه وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس في كلية وست بوينت الحربية في 25 شباط (فبراير) الماضي.

وعاد إليّ كلام ماكارثر على لسان غيتس وأنا أسمع الرئيس باراك أوباما يتحدث ليل الاثنين عن التدخل الأميركي في ليبيا، فهو تحدث عن عملية محدودة، ولم يستعمل كلمة laquo;حربraquo; في خطاب استغرق 28 دقيقة، فكرر ما كان البيت الأبيض أكده منذ بدء الغارات الأميركية تنفيذاً لقرار مجلس الأمن الدولي بفرض حظر جوي على ليبيا، فالكلام كان انها عملية عسكرية محدودة، وحجمها (مداها) محدود، ولزمن محدود.

أوباما أذكى من ان يقحم بلاده في حروب كما فعل جورج بوش الابن في أفغانســتان والعراق، إلا ان خطته البديلة لا تطمئن كثيراً فأنا أريد (قبله بسنوات) أن يرحل معمر القذافي لينجلي الكابوس عن صدور الليبيين، إلا أنني لا أعتقد ان السبيل لذلك هو حصار اقتصادي وحظر جوي ومساعدة الثوار، فالحروب القصيرة الأمد غالباً ما تتحول الى أطول الحروب أمداً.

المطلوب هو مهاجــمة القــذافي والمرتزقة حوله مباشرة، في طرابلس وفي الزاوية الــغربية تحــديداً، ففي ليبيا نظام الرصاصة الواحدة، ورحيل القذافي يعني رحيل نظامه معه، ولا بد من ان المجلس الوطني قادر على قيادة ليبيا الى بر السلامة، ولعلي لا أواجه معارضة تُذكر وأنا أقول إن اي نظام يخلف نظام القذافي في ليبيا سيكون افضل منه، لأن من المستحيل ان يكون أسوأ.

هنا أجد نفسي على خلاف مع رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان للمرة الأولى، فقد قرأت مقابلة صحافية له حذّر فيها من ان استمرار النزاع قد يحوّل ليبيا الى laquo;عراق ثانٍraquo; لذلك فهو عرض التوسط لوقف إطلاق النار في ليبيا.

أرجو ألا يتوقــف إطلاق النار قبل ان يســقط نظام القذافي نهائياً وإلى غير عودة، وليبــيا لن تصــبح عراقاً ثانياً لغياب الانقسام الطائفي فيها، فكل أهل البلد من السنّة، ولن نرى استئثاراً للحكم من فريق، وادعاء الاضطهاد والاســتبعاد من فريق آخر، ثم ان القبلية الليــبية مبالغ فيها ولم نســمع بأي قسمة قبلية ايام الملكية.

الرئيس أوباما كان قال في بداية الثورة الشعبية الليبية ان على القــذافي ان يرحـــل فوراً، وهو على الأقل لم يغير موقفه في الخطاب الذي جاء عشــية تســـلم حلف الناتو مهمة تنفيذ قرار مجلس الأمن بإغلاق الأجواء اللـــيبية. مع ذلك وجدته أقل إصراراً من الرئيـــس ســاركوزي ورئيـــس الوزراء ديفيد كاميرون اللذين طلبا بوضوح في مؤتمر لندن الذي تزامن مع خطاب أوباما ان يرحل القذافي فوراً وقالا ان لا حل من دون رحيله.

ربما كان أوباما في وضع أصعب من القادة الأوروبيين، فحزبه الديموقراطي ضد التدخل العسكري الخارجي، والحزب الجمهوري يؤيد التدخل في كل مكان، رغم كل كوارث إدارة بوش، وإلى درجة مطالبته بدعم المعارضة في إيران.

الواقع ان أوباما كان أقرب الى الجمهوريين في موضوع ليبيا حتى لو أنكر ذلك، فقرار مجــلس الأمن الدولي صدر لحماية المدنيين فقط وليـــس لدعم الـــثوار. مع ذلك فالغارات الحليفة أوقفت زحف قوات القذافي شرقاً، وجعلت الثوار يطاردونها غرباً. ولعل الرئيس أوباما أشار الى ذلك في خطابه وهو يبرر التدخل بالقول انه اراد وقف مجزرة محتملة لو حدثت لكانت laquo;لطخت ضمير العالمraquo;، وإنه يرفض انتظار صور المجزرة والمقابر الجماعية قبل التدخل.

أقول وليست لي ثقة كبيرة في حسن نوايا الدول الغربية ان القذافي يجب ان يسقط لتقوم ليبيا من عثارها، ثم أسجل نقطة مهمة في خطاب أوباما، وهي مهمة لغيابها فهو لم يأت على أي ذكر لليمن أو سورية أو البحرين في خطابه ما يؤكد ان تعامل الإدارة الأميركية مع هذه الدول يختلف كثيراً عن تعاملها مع الملف الليبي.