قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ياسر الزعاترة

ليس ثمة إجابة عن سؤال: ما السبب الذي دفع حماس إلى التوقيع على اتفاق المصالحة في القاهرة بما انطوى عليه من مصائب سوى الورطة التي وجدت الحركة فيها نفسها منذ دخول انتخابات المجلس التشريعي في ظل أوسلو مطلع العام 2006.
بعض الأحبة والأصدقاء يلوموننا لكثرة ترديدنا لهذه القصة، وبعضهم يقدم سوء الظن حين يصرّح بأننا نفعل ذلك من باب إثبات صواب رأينا السابق، مع العلم أن الرأي المذكور لم يكن حكراً على كاتب مثلي، وإنما شاركه فيه قطاع كبير من الناس، من بينهم نسبة يعتد بها من قادة وكوادر حركة حماس كما دلّ على ذلك التصويت الذي أجروه على القرار. ومرة أخرى يشهد الله أن محبتنا لهذا المشروع المقاوم كانت تدفعنا إلى الابتهال إلى الله أن يكون رأينا خاطئا بامتياز، لاسيَّما أن المسألة أكبر عندنا بمليون مرة من تحليل سياسي يظهر صوابه أو يتبين خطأه.
كل ما قيل داخليا في حماس، وخارجيا أيضا عن مبررات التوقيع على المصالحة لا ينفصل عن الخطأ الأول، ومن ثم الخطأ التالي الذي ترتب عليه رغم مجيئه ردا على ممارسات الطرف الآخر، أعني الحسم العسكري منتصف العام 2007. ونحن بالتأكيد ليس لدينا شك في إخلاص من اتخذوا القرارين لقضيتهم وحركتهم.
من رفع الحصار عن قطاع غزة، إلى تخفيف الضغط عن فرع التنظيم في الضفة الغربية، إلى الاستجابة لنداءات إنهاء الانقسام الشعبية، كلها ذات صلة بالخطأ إياه، ولو كانت حماس خارج منظومة أوسلو وبعيدة عن السلطة برمتها لكانت اليوم إثر الثورات العربية رائدة الميدان بلا منازع، ولكان بوسعها تفجير الانتفاضة الشعبية الشاملة، تلك التي تلتحم مع انتفاضات الشارع العربي في مشهد من أروع مشاهد التضحية والفداء، بل والإنجاز في التاريخ الفلسطيني.
قيل دائما إن دخول حماس للانتخابات هو الذي حمى الحركة من الشطب على يد أزلام دايتون (لماذا لم يؤخذ هذا المحظور في الحسبان عندما أخذ قرار الحسم العسكري بالنسبة لفرع الحركة الأهم في الضفة؟!)، ولو صحّت نظرية الشطب تلك لشطبت الحركة خلال المرحلة الثانية من أوسلو بعد منتصف التسعينيات (الحركات المتجذرة في وعي شعبها سياسيا وفكريا لا تشطب بهذه السهولة). صحيح أن ثمنا كان سيدفع، لكنه سيكون من دون شك أقل مما دفع في الضفة الغربية بعد الحسم العسكري، فيما سيكون في إطار الأرباح والخسائر أفضل بكثير لحركة تحسب ميزانيتها بناءً على مصلحة القضية التي من أجلها انطلقت قبل أي شيء آخر، ولو كان الحساب غير ذلك لقرر الشيخ أحمد ياسين وقادة الحركة دخول انتخابات أوسلو عام 1996. وفيما خصّ المقاومة، كان بوسع الحركة أن توقفها لبعض الوقت تجنبا للصدام مع السلطة أو تبقيها في الحد الأدنى.
لم يكن أمام ورثة ياسر عرفات والذين انقلبوا عليه لو قاطعت حماس سوى الصراع على السلطة فيما بينهم وتفكك منظومتهم، ومن ثم مواجهة الناس بعد قليل من الوقت لامتحان برنامجهم العظيم (الحياة مفاوضات)، فإما أن يأتوا بما هو مقبول، وإما أن يعلنوا فشلهم أو يعلنه الناس وينقلبوا عليهم وعلى الاحتلال بعد وقت لن يطول، لأن من غير المقبول أن تمتد رحلة إثبات جدوى مسارهم طويلا مثل رحلة أوسلو الأولى.
كل ذلك هو ما كان يفسر حرص أعداء الحركة على مشاركتها في انتخابات المجلس التشريعي 2006. صحيح أنهم لم يتوقعوا فوزها في الانتخابات، لكنهم تمكنوا بمرور الوقت وباستدراجها للحسم العسكري (الصهاينة كانوا مرتاحين له بحسب وثائق ويكيليكس)، تمكنوا من تحويل فوزها الانتخابي إلى خسارة سياسية أكبر من الحصول على المركز الثاني بعد فتح، ولولا الصمود الرائع في مواجهة العدوان الصهيوني على القطاع لكان المشهد أسوأ بكثير.
في ضوء ذلك كله اضطرت حماس إلى توقيع المصالحة مع بقاء برنامج السلطة على حاله، وغالبا بسلام فياض (صاحب مشروع بناء المؤسسات الذي يشكل صدىً لبرنامج السلام الاقتصادي لنتنياهو) نفسه (أحمد يوسف قال إن الأخير هو الأفضل لرئاسة الحكومة)، وبالتنسيق الأمني نفسه، وصولا إلى انتخابات تشريعية ورئاسية مرتبة لفوز فتح بالتحالف مع قوى اليسار (إذا فازت حماس سيتكرر مشهد الحصار)، فيما سيتذرعون بعدم إمكانية إجراء انتخابات المجلس الوطني خارج الضفة والقطاع، ما يعني ترجمة نتائج التشريعي في المجلس الوطني (إذا قبِلوا بذلك أصلا). وقد لاحظ المراقبون كيف تصاعدت حملة استهداف رموز حماس (النواب تحديدا) من قبل الاحتلال خلال الأسابيع الأخيرة، الأمر الذي يحد بشكل واضح من قدرتها على خوض الانتخابات.
ماذا تكسب فلسطين من هذا المسار سوى الدولة في حدود الجدار ذات النزاع الحدودي مع جارتها أو تسوية نهائية تحاكي وثيقة جنيف وملحقها الأمني، وهي نتيجة بائسة في الحالتين. نتيجة تتجاهل واقع الثورات العربية وتتعامل مع الوضع بذات روحية الهزيمة التي تحدث عنها قادة السلطة بعد عرفات (كانوا يقولون هُزمنا في انتفاضة الأقصى كأنها معركة بين جيشين).
كان الأولى بحماس أن تعلن سعيها لمصالحة وطنية تدشن انتفاضة شاملة تستفيد من أجواء الثورات العربية الباسلة، وليس مصالحة تفضي إلى انتخابات تزيد الانقسام، فيما تمنح المزيد من الوقت لمسار تفاوضي عبثي مضى على انطلاقته عشرون عاما دون جدوى.
أما وقد وقع ما وقع، فإننا ننتظر ثورة شعبية تدفع قوى الشعب الفلسطيني دفعا نحو الانتفاضة الشاملة، فهذا الذي يجري من تهويد للقدس والمقدسات، معطوفاً على طروحات سياسية إسرائيلية تستخف بالشعب الفلسطيني (خطاب نتنياهو في الكونغرس مثالا) لا يمكن أن يُردّ عليه ببرنامج laquo;الحياة مفاوضاتraquo;، لأن الحياة عقيدة وجهاد ووقفة عز وليست ذلا واستجداء من عدو أوراقه ومواقفه مكشوفة. وعندما يحدث ذلك ستعود حماس إلى ألقها من جديد كما حصل في انتفاضة الأقصى، فهي في اعتقادنا لا تزال الأجدر بقيادة الشعب الفلسطيني نحو الكرامة والتحرير.