مأمون فندي

نتائج تدويل أزمات الشرق الأوسط هي التي نراها في ليبيا اليوم، ورأيناها من قبل في فلسطين تنذر بعواقب صراعات غير منتهية يكون لها أثرها طويل الأمد على الدولة وعلى الجوار في ذات الوقت، وما تدويل الصراع في فلسطين والعراق والسودان إلا أمثلة توضح تكاليف تخلي أهل البلاد عن سيادتهم ورهنها للخارج. في التدويل، كما هو واضح فيما ذكرت من أمثله لبلدان عربية، تخلٍ عن الإرادة المحلية للطرفين، الحكم والمعارضة، فيصبح مستقبل البلد رهن تصورات خارجية في معظمها جاهلة بطبيعة البلاد وطبيعة أهلها وتركيبتهم الدينية والعرقية والجهوية، ومن هنا يكون السؤال في موضوع التغيير في اليمن وسوريا هل هو بيدي أم بيد عمرو؟ وعمرو في هذه الحالة ليس عمرو موسى أمين جامعة الدول العربية، بل عمرو الأجنبي، الذي سيصوغ نهاية الحرب حسب رؤيته، وحسب مصالحه. وواضح في ليبيا اليوم أن عمرو يسعى إلى صفقة تهدئة باسم الممر الآمن للمساعدات الإنسانية بعد أن فشل في حسم الحرب أو حتى في استيعاب المشهد. حلف شمال الأطلسي فشل في تغيير عصابة في أفغانستان فما بالك بدولة مدججة بالسلاح مثل ليبيا؟ لست ممن يرون في تدويل القضايا العربية، إقليمية كانت أو داخلية، أي فائدة تعود على شعوب المنطقة، بل أرى العكس تماما، رغم أن لي أصدقاء في المعارضة الليبية أتعاطف معهم بشكل شخصي، ولكنني أعيب عليهم قراءتهم القاصرة للمشهدين الإقليمي والعالمي، في إطار ما يحقق المصلحة لليبيا وإنهاء الأزمة. وبكل أسف القيادة في سوريا واليمن (حكومة ومعارضة) تتخذ قرارات في أزمتيهما الداخليتين، وجميعها يصب في التدويل، وفي التدويل إطالة للأزمة مع مزيد من الضحايا، رغم أن الدرس المستفاد من كل من مصر وتونس، رغم التحفظ على النتائج، يوحي بغير ذلك.

بداية، بالنسبة للمعارضة في اليمن وسوريا فإن إبقاء الثورة محلية وسلمية هو ما حقق النجاح للثورة في مصر وتونس، أما درس ليبيا فهو أن تدويل الأزمة مكلف ومصيبة على طرفي الصراع. أما الدرس المصري والتونسي بالنسبة للحكم في كل من سوريا واليمن هو أنه لا نجاة لأي نظام طالما فشل في استيعاب عناصر ثلاثة أساسية تحكم معادلة الصراع بين من هم في الحكم ومعارضيهم ممن خرجوا للشوارع والميادين. أول هذه العناصر هو فارق التوقيت بين مطالب الشارع واستجابة من هم في الحكم، حيث بدأت الثورة في مصر بمطلب إقالة وزير الداخلية، ولم يفعل مبارك، فزادت المطالب التي لم ينفع معها تغيير حكومة أحمد نظيف برمتها بعد ذلك بأسبوع وتعيين حكومة جديدة بقيادة الفريق أحمد شفيق. يوم تعيين شفيق كانت المعارضة ترفع لمبارك نفسه شعار laquo;ارحلraquo;. رغم طول المدة للثورة في كل من اليمن وسوريا فإنهما في رأيي لم تصلا بعد إلى نقطة ارحل في الحالتين المصرية والتونسية، وأنه ما زالت هناك فرصة لصياغة معادلة إصلاح يقبلها الطرفان، ولكن غرور القوة عند القيادتين يعميهما عما هو واضح للجميع. الخطورة لا تكمن في عمى غرور القوة فيما يخص الداخل، ولكن ما نراه من عمى يحاول احتواء الأزمة في الداخل بدفعها دفعا نحو النموذج الليبي، ونموذج التدويل.. أما العنصر الثاني، فهو متعلق بعدم فهم من هم في السلطة لعمق واتساع حركات الاحتجاج، فقد صور مستشارو مبارك لزعيمهم أن المشهد محصور في جماعات من المارقين والشاذين عن قواعد المجتمع وهم من يشكلون نواة العمل الرئيسية في ميدان التحرير. نظام بن علي في تونس أكثر مهارة من النظام المصري في تهريب الرئيس، وتغيير ملامح المشهد، بينما يستمر مبارك ولليوم في مماطلة هو الخاسر الأول فيها. فشل مساعدو الرئيس في مصر في أن يقولوا لمبارك إن البلد كله يشتعل غضبا ضده. يوم تنحى مبارك عن الحكم كنت أراقب فرحة الناس العارمة بهذا التنحي، وقلت لأحد أصدقائي، لو أن مبارك طار فوق مصر بأي طيارة وشهد حجم الكراهية التي يكنها المصريون لنظامه لمات بالسكتة القلبية في الحال. كان مشهدا خارقا للعادة، مشهد تنحي مبارك، والجميع كان يعرف أنها النهاية المحتومة للرئيس وللنظام ولكن لم يكن هناك من كان يجرؤ على الحديث. ولكن القدر في النهاية أنقذ مصر من مصير التدويل.

اقتربنا من عتبة التدويل في كل من سوريا واليمن، وهي نقطة أسوأ من الانقلاب الداخلي، ففي مصر كان التدويل قد قارب المشهد عندما طلب الرئيس الأميركي باراك أوباما من مبارك أن يتخلى عن السلطة laquo;الآنraquo;، وبعدها قالت له الإدارة الأميركية إن كلمة laquo;الآن تعني بالأمسraquo;، وكان الجيش المصري حصيفا عندما قرأ الرسالة واضطر مبارك إلى ترك السلطة. في المشهدين السوري واليمني، حتى هذه اللحظة لم تنطق أميركا بعبارة laquo;الآن تعني الأمسraquo;. كما أنها لم تقلها صراحة وبالوضوح المصري فيما يخص مصير معمر القذافي، رغم أنها شريكة كبرى في العمليات العسكرية الرامية إلى إنهاء الحكم في ليبيا. ما ارتكبته المعارضة الليبية من تدويل مبكر للأزمة هو سبب رئيسي فيما نراه من مآس في ليبيا اليوم، هذا بالطبع بالإضافة إلى قرار الجامعة العربية الخاطئ الذي دفع باتجاه التدويل.

سوريا تحديدا تقترب من تدويل أزمتها خصوصا أن مواطنيها اليوم يقفون على خطوط التماس مع حلف الأطلسي بوجودهم في تركيا. تركيا ليست البلد المسلم الذي يراه دراويش الثورة في مصر على أنه النموذج. تركيا تمثل الحدود الجيوسياسية لحلف شمال الأطلسي. تدويل الأمر في سوريا واليمن هو كارثة على الجميع، فهل تعلم الحكم والمعارضة معا درس مصر، وهل يدركون درس ليبيا؟ الدرس في مصر بالنسبة للمعارضة، هو أن صفقة إصلاح ربما كانت أفضل مما وصلنا إليه من خلال الثورة التي سلمت مصر للإخوان المسلمين، وهذا ما زال ممكنا في اليمن وسوريا، أما الدرس بالنسبة للحكم في البلدين، فهو أن كارثة التدويل ماثلة أمامهم في ليبيا مؤخرا كما كانت في العراق بالأمس.






The Editor
رئيس التحريــر Editorial