رضوان السيد


انهمك اللبنانيون في الأيام الماضية بمتابعة المجادلات في مجلس النواب بين فريق 8 آذار الذي شكل ميقاتي حكومته من بين أعضائه، وفريق 14 آذار الذي أخرج من حكومة الوحدة الوطنية السابقة التي كان سعد الحريري رئيسا لها. وموضوع الجدال في هذه الجلسات النيابية هو البيان الوزاري لحكومة ميقاتي، وبخاصة البند المتعلق بالمحكمة الدولية وبالقرار الظني الذي صدر يوم الجمعة الماضي، وعرف منه اتهامه لأربعة أعضاء في حزب الله بالاشتراك في اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، والطلب من لبنان (بمقتضى الاتفاق المعقود مع حكومته عام 2007) اعتقال هؤلاء وتسليمهم إلى المحكمة لمحاكمتهم. والمعروف أنه بعد صدور القرار الظني ذاك ألقى الأمين العام لحزب الله خطابا طويلا أعاد فيه عبر كلام طويل، وما اعتبره وثائق، اتهام المحكمة بأنها أميركية - إسرائيلية، ولذلك فهو يرفض تسليم هؤلاء laquo;المقاومينraquo; البارزين إليها - وتوجه بالخطاب إلى فريق 14 آذار بأنهم لو كانوا هم في الحكومة لما استطاعوا القبض على المتهمين، فلا ينبغي تكليف حكومة ميقاتي (الموثوقة كما قال) بما لا يستطيعون هم أنفسهم القيام به. وعاد أخيرا إلى إنذار الولايات المتحدة وإسرائيل بأنه سيفشل هذه المحاولة الجديدة للتطويق والحصار، وسينجح في ذلك كما نجح في تغيير الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية في حرب عام 2006!

لقد قيل الكثير في مجلس النواب اللبناني، بعضه غث وبعضه الآخر سمين، لكن هذا وذاك ما كان الموضوع الحق والحقيقي. فقد جاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 في ذروة تجاذب إقليمي ودولي، كان من وقائعه ذهاب كل من الرئيس حافظ الأسد والملك حسين وياسر عرفات وصدام حسين.. ورفيق الحريري. كما كان من وقائعه الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق وإزالة حكومتي طالبان وصدام منهما. وكان من وقائعه ونتائجه (أي ذاك التقاطع والتجاذب) انتشار بؤر ومواطن التنفذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان وغزة والبحرين والكويت واليمن، وبأشكال مختلفة. ومع تغير الإدارة السياسية والعسكرية الأميركية وذهاب المحافظين الجدد واتباع أوباما سياسات laquo;القبضة الناعمةraquo;؛ بدأ العرب يتنفسون، لأن تلك الحروب والتجاذبات كانت تجري على أرضهم وقرارهم، كما ذكر الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي في مؤتمر القمة العربي الأخير بمدينة سرت الليبية في ربيع عام 2010. والتنفس العربي هذا تناول ثلاثة أمور: مراجعة السياسات تجاه الولايات المتحدة باتجاه استعادة زمام المبادرة في قضية إقامة الدولة الفلسطينية، والنظر في لملمة الصفوف العربية من أجل القضية الفلسطينية (مصالحة فتح وحماس)، ومن أجل استعادة الاستقرار في بؤر النفوذ والتوتر في الوقت نفسه، التي اصطنعتها إيران ودأبت على استغلالها في سياق تجاذباتها مع العرب ومع تركيا ومع الولايات المتحدة. وجاءت حركات التغيير العربية لتجعل من هذا الجهد العربي لتجاوز الفراغ الاستراتيجي ذا معنى شعبي وعام. فالشبان العرب إنما ثاروا من أجل التغيير في إدارة شأنهم العام، وإقامة الحكم الصالح. ومع أن إيران زعمت على مدى أكثر من شهرين أنها مع الثورات العربية وفي تونس ومصر وليبيا بالذات، لكنها ما لبثت أن أسفرت عن موقفها بوضوح عندما وصلت الثورة الشعبية إلى سوريا.

لقد سبق وصول الثورة الشعبية إلى سوريا التصالح بين فتح وحماس، وازدياد التوتر الداخلي بالعراق، وانتهاء قضية الحوثيين باليمن، ودخول قوات درع الجزيرة إلى البحرين، والمحاكمات ضد شبكات تجسس إيرانية بالكويت، ثم اندلاع النزاع في صفوف المحافظين والمحافظين الجدد بداخل السلطة القائمة بإيران. ولا شك أن هذه الأمور كلها أشارت إلى تأزم شديد بالداخل السلطوي الإيراني بسبب فشل سياسات مناطق النفوذ، وعلى وقع تأزم شديد وتضاؤل بالغ في امتدادات النفوذ الإيراني بالمنطقة العربية. وما كان من الواضح بداية كيف يسلك المحافظون الإيرانيون تجاه الوقائع الجديدة: هل يتهاودون ويعودون إلى التفاوض مع العرب والتشاور مع تركيا بانتظار مرور العاصفة السلامية الأميركية (وأسميها عاصفة رغم أنها تتعمد القول إنها مع الهدوء والتفاوض والسلام والديمقراطية، لأن القائمين عليها لا يزالون من العسكريين!)، أم يلجأون للرد العنيف في مناطق النفوذ، لإعاقة الثورات العربية، والمزيد من المواجهة مع مجلس التعاون، والمزيد من إزعاج الولايات المتحدة الأميركية؟! ما صار الأمر واضحا أي المقاربتين ترجحت لدى الإيرانيين؛ إذ هناك غموض من جهة في محاولات التصالح والحوار بين الفلسطينيين وفي البحرين، وهل إيران معها أم لا؟ بيد أنه من الواضح أن الإدارة الإيرانية اختارت المواجهة بالعراق ولبنان. ففي العراق يثور أنصارها ويمارسون العنف بحجة دفع الأميركيين للانسحاب من البلاد أواخر هذا العام كما هو مقرر. وفي سوريا أرسل الإيرانيون مساعدات كثيرة للنظام هناك. وفي لبنان أقدم حزب الله على الاستيلاء على الدولة من خلال اجتذاب وليد جنبلاط وميقاتي وإقامة حكومة من لون واحد ليس للمسلمين السنة دور حقيقي فيها.

لقد كان خطاب نصر الله الأخير تعبيرا عن النشوة بالاستيلاء على الحكومة بعد القرار، وتعبيرا عن laquo;الاستقلالraquo; بمصيره عن مصائر النظام السوري. وبذلك فقد انقلبت الموازين: بعد أن كانت سوريا هي التي ثمن على الحزب بالمساعدة؛ فإن الحزب يقول الآن إنه يملك laquo;فائض قوةraquo; يستطيع به أن يؤثر لصالح النظام السوري، ويستطيع من خلاله الاستمرار في السطوة المسلحة حتى لو زال النظام السوري! لقد كان من ضمن السيناريوهات، إن لم يكن تدبير أكثرية في البرلمان اللبناني، اللجوء إلى السلاح مرة أخرى وإرغام الخصوم على الاستسلام. إنما استطاع الحزب بمعونة الرئيس الأسد إقناع جنبلاط وميقاتي بالانضمام إليه، إعدادا للمرحلة الحالية والمستقبل القريب: المتغيرات في سوريا والمنطقة، ومواجهة القرار الظني للمحكمة، والتفاوض مع العرب والدوليين من موقع قوة. وكل ذلك لا تستطيع إيران القيام به إلا في لبنان ومن خلال الحزب. ونحن على انتظار في البحرين وغزة، وهل تفسد إيران المناسبتين إن استطاعت، أم تعتبر التهدئة والحوار فيهما مفتاحا للتقدم في العلاقات الإيرانية - العربية؟!

هل يطول laquo;الارتهانraquo; والاستيلاء الذي حققه الحزب في لبنان؟ هناك عدة محددات؛ الأول منها: مصائر النظام السوري، الذي سيضعف انهياره أو تغير سياساته إيران وبؤر نفوذها. والثاني منها: اتجاه إيران نهائيا للصراع أم للاستيعاب؛ فإن اختارت الصراع فإنها ستغامر بنزاع طويل في لبنان، وازدياد التوتر مع العرب. والثالث منها: مدى جدية الضغوط الدولية والعربية على إيران وعلى الحكومة اللبنانية لإنفاذ القرارات الدولية ومنها القرار 1757 (بشأن مقتل الرئيس الحريري)، والقرار 1701 (بشأن وقف النار في الجنوب)، والقرار 1559 (بشأن خروج القوات الأجنبية من لبنان، وتجريد الميليشيات الداخلية من السلاح). والرابع منها: مدى قدرة قوى 14 آذار على الصمود داخليا، والاستمرار في ضبط الشارع، وفي الوقت نفسه ملاحقة ميقاتي والذين خرجوا معه لإقناعهم بالانصراف عن تنفيذ المخططات التي عهد إليهم بها إن كان لجهة المحكمة أو للقضايا الوطنية الكبرى.

لقد تم التحكم بقرار لبنان منذ مدة، أما الآن فإن لبنان معروض للمساومة مثلما كان يفعل الراحلان ياسر عرفات وحافظ الأسد، وإن لأهداف أخرى. ولا حول ولا قوة إلا بالله.