المستقبل اللبنانية


تقدم رئيس quot;حزب القوات اللبنانيةquot; سمير جعجع بنداء الى quot;حزب اللهquot; داعياً إياه الى اتخاذ قرارٍ جريءٍ، بالتخلّي عن سلاحه، للدولة اللبنانية، quot;بعدما أدّى هذا السلاح دوره كاملاً حتّى العام 2000quot;. وتوجه اليهم بالقول: quot;تعالوا إلى حيّث تجرّأنا، وإلى حيث يجب أن يجرؤ الآخرونquot;.
واعتبر أن quot;من يقتل إخوةً لنا في الوطن، أو في المنطقة، أو في العالم، من دون رحمةٍ أو شفقةٍ، ليس الطرف الصالح لا لصداقةٍ، ولا لتحالف يدعو البعض إليه، ويسمّيه تحالف الأقليّات، ما هو بالفعل، إلاّ تحالف أقليّات السلطة والمال والمصالح النفعيّةquot;.
وأعلن أنه quot;آن أوان لمحكمة لبنان ولإسقاط ورقة التين، عن منطقٍ إلغائي لدى البعض. ولتبيان حقيقة هذه المدرسة ـ المشرحة، القائمة في لبنان ودول شرق أوسطيّة أخرىquot;، مشدداً على أنّ quot;عدالة المحكمة هي عدالةٌ للجميع، لكلّ اللبنانيين، وأكاد أقول لشعوب المنطقة كلّها. إنّها إنهاءٌ لمرحلةٍ وإيذانٌ بأخرىquot;.
برعاية البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي، أحيا حزب quot;القوات اللبنانيةquot; الذكرى السنوية quot;لشهداء المقاومة اللبنانيةquot; تحت شعار quot;معنا شهادتهم من قدر الى قضاء ـ محكمة لبنان آن الأوانquot;، في قداس احتفالي حاشد رأسه الكاردينال نصر الله بطرس صفير، وسط ساحة ازدانت بصورة الشهيد المؤسس الرئيس بشير الجميل والقافلة الطويلة من الشهداء، بدءاً من الرئيس رينيه معوض وداني شمعون وصولاً الى شهداء ثورة الأرز وفي مقدمهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
لم تقف الأمطار الغزيرة والطقس الرديء عائقاً أمام توافد المناصرين والمحازبين والمشاركين الذين أتوا منذ الصباح الباكر من مختلف المناطق اللبنانية ليملأوا ملعب فؤاد شهاب البلدي ومحيطه في جونية، وسط انتشار كثيف للأجهزة الأمنية وتدابير خاصة للجان التنظيمية القواتية والتي قُدّر عدد أعضائها بنحو 1400 شابة وشاب. وعلى المذبح الذي شُيد خصيصاً للمناسبة، ارتفع صليب كبير وضعت عن يمينه وعن يساره شاشتان كبيرتان تمر عليهما أسماء شهداء المقاومة اللبنانية تباعاً.
عند الخامسة من بعد الظهر، دخل فوج من quot;كشافة الحريةquot; ليضع اكليلاً من الغار على المذبح، وليدخل بعدها الكاردينال صفير الى مكان الاحتفال الذي أُحيط ببالونات ضخمة من الهيليوم تَحملُ رايات العلمين اللبناني والقواتي، محاطاً بلفيف مميز من الأساقفة والكهنة، ورُفعت صور ضخمة للبطريرك الماروني وللكاردينال صفير، بالاإضافة الى شاشتين عملاقتين وضعتا على جانبي المذبح، الى شاشات كبيرة توزعت في أرجاء الملعب تسهيلاً لمشاركة الحضور في القداس الإلهي.
الحضور
حضر القداس، الذي خدمته جوقة quot;سيدة اللويزةquot;، الرئيس أمين الجميل، نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري، قائد الجيش العماد جان قهوجي ممثلاً بالعقيد دانيال دعبوس، رئيسا الحكومة السابقان سعد الحريري وفؤاد السنيورة ممثلان بالنائب نهاد المشنوق، النائبتان السابقتان نائلة معوض وصولانج الجميل، ممثل وزير الداخلية والبلديات قائمقام كسروان جوزف منصور، ممثل مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي الجنرال سامي نبهان. كما شارك النواب الحاليون: دوري شمعون، أمين وهبه، نديم الجميل، باسم الشاب، روبير غانم، سامي الجميل، سيرج طورسركسيان، عاصم عراجي، عاطف مجدلاني، فادي الهبر، معين مرعبي، نضال طعمه، هادي حبيش، إيلي ماروني، رياض رحال، جمال الجراح، خضر حبيب، نبيل دي فريج، كاظم الخير، سامر سعادة، بطرس حرب، ميشال فرعون، أحمد فتفت، أنطوان سعد، هنري الحلو، قاسم عبد العزيز، مروان حمادة، عمار حوري. بالإضافة الى نواب تكتل quot;القوات اللبنانيةquot;: جورج عدوان، ستريدا جعجع، ايلي كيروز، فريد حبيب، طوني بو خاطر، جوزف معلوف، أنطوان زهرا وشانت جنجنيان.
وحضر الوزراء السابقون: طارق متري، ابراهيم نجار، جو سركيس، سليم وردة، محمد شطح وطوني كرم. بالإضافة الى منسق الأمانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق فارس سعيد، رئيس حزب quot;الكتلة الوطنيةquot; كارلوس إدّه، رئيس quot;حركة الاستقلالquot; ميشال معوض، رئيس حزب quot;الاتحاد السريانيquot; ابراهيم مراد، رئيس quot;حركة التغييرquot; ايلي محفوض، ممثل حزب quot;الطاشناقquot; مارديك بوغوسيان وآفو ديدينيان، ممثل quot;المرابطونquot; زياد العجوز، ممثلي حزب quot;الهانشاكquot; ماردين جانكوشيان وهاغوب كريكوريان، وممثلي حزب quot;الرامغافارquot;: هاروت يرغنيان وهرير هوفيفيان، وممثلي حزب quot;الأرمن الأحرارquot;: ناريغ ابراهميان واتشيه نوركسيان، الشيخ محمود صقر، رئيس جمعية الصناعيين نعمت افرام، باتريسيا بيار الجميّل، والنواب السابقون: جواد بولس، مصطفى علوش، الياس عطالله ممثلاً بنبيل خراط، الى جانب شخصيات وحشد من الفعاليات.
بعد الإنجيل المقدس، تلا النائب البطريركي العام سيادة المطران رولان أبو جودة الرقيم البطريركي قال فيه:
quot;يُميز احتفالكم هذه السنة مسيرة النقد الذاتي الذي أجريتموه على أنفسكم ودامت خمس سنوات توّجت أخيراً بمؤتمر خرجت معه quot;القوات اللبنانيةquot; حزباً مؤسساتياً ديموقراطياً أتيح فيه للقاعدة الشعبية أن تعبر عن رأيها في اختيار مسؤوليها. إنها نهضة رائدة لكنها تُشكّل في المقابل مسؤولية يلقيها نظامكم الجديد على كاهل كل منكم من أجل إتمام نجاح التجربة، ما سينعكس مناخاً سياسياً حديثاً ومتطوراً. إن نهضة كهذه ما كانت لتُنجز لو لم تكن وديعة دم الشهداء ماثلة أمانة في الأعناق وهم من الأرض التي غُرسوا فيها يهتفون نشيد المجد والظفرquot;.
أضاف: quot;كم رددنا عن اقتناع: quot;ماتوا لنحياquot;. هذا القول التزام بحياة وطنية سليمة ومسؤولة ودعوة لتعزيز مسيرة بناء الدولة والمؤسسات التي حموها بتضحياتهم وبذلوا نفوسهم من أجلها على مثال الفادي الإلهي الذي جاء يبذل نفسه فداءً عن الكثيرينquot;.
وتخلل الاحتفال إطلالة مميزة للمطرب عبدو ياغي عبر تأديته أغنية أعدت خصيصاً للمناسبة عنوانها quot;أرزة مسيجة بالدمquot; وهي من كلمات الشاعر حبيب أبو أنطوان، ألحان وتوزيع المايسترو إيلي العليا.
صفير
وسأل صفير، بعد نهاية القداس، quot;الله أن يبارك الشباب والشابات اللبناني واللبنانيات ويرزقهم أياماً خيراً من هذه الأيام البائسةquot;.
كلمة جعجع
بعدها، ألقى رئيس حزب quot;القوات اللبنانيةquot; سمير جعجع كلمة استهلها بطمأنة الشهداءquot;، كونوا مطمئنّين، كما كنتم حيث لا يجرؤ الآخرون، هكذا نحن، دائماً أبداً، على خطاكم، حيث لا يجرؤ الآخرون.quot; وقال: quot;إن المسيحيين في هذا الشرق هم بالفعل دائماً حيث لا ولم ولن يجرؤ الآخرون. لا نخاف أحداً، لن نخاف من أحدٍ، لا نريد ضماناتٍ من أحدٍ. لا نقبل ابتزازاً، لا نقبل تهويلاً، لن نقبل تهديداً. وستبقى أجراس كنائسنا تدقّ وأصواتنا تصدح، ولكن دائماً بالحق والحقيقة، مهما كانت صعبةً ومهما كان الثمن. لن نساير، لن نتلوّن، لن نستجدي لا أمناً ولا أماناً. لا نخاف أحداً، ونعرف كيف نتدبّر أمرنا. إمّا أن نعيش قيمنا ومبادئنا وقناعاتنا، وإمّا على الدنيا السلام. لن نقبل بتزوير تاريخنا وهويّتناquot;.
وسأل quot;من هاجم المسيحيين في لبنان؟ من قتلهم؟ من قتلكم؟ من دمّر كنائسنا؟ من فجّر كنيسة سيدة النجاة؟ من قصف الأشرفيه، وزحلة، وعين الرمّانة وعيون السيمان؟ من انقضّ على بلاّ، وكور وقنات والقاع؟ من اعتقل وأخفى واغتال رجالنا من رهبانٍ، وعلمانيين، وعسكريين وسياسيين؟ قولوا لنا بربّكم، من أمعن في المسيحيين، وبعد نهاية الحرب، قمعاً، وتنكيلاً، وسجناً، ونفياً، واضطهاداً وتهميشاً، وأقصاهم، عن أي دورٍ فعليّ، وساهم في هجرتهم؟ قولوا لنا بربّكم، أين هم حتّى الساعة، مئات المعتقلين، المفقودين في غياهب السجون، وفي طليعتهم، الرفيق العزيز الغالي الحبيب بطرس خوند؟ قولوا لنا بربّكم، من قتل بشير الجميّل، وكمال جنبلاط، ورينيه معوّض ورفيق الحريري؟ قولوا لنا، من خلّف وراءه سلاحاً غير شرعيّ، وبؤراً أمنيّةً وإرهابيةً، فأبقى اللبنانيين تحت الضغط المستمرّ، وأبقى الدولة اللبنانية رهينةً؟quot;.
وشدد على أن quot;الوجود المسيحي في لبنان والشرق ليس وجوداً عددياً، مادياً، ولا هو تكملة عددٍ، أو رافعة شعبيّة لأحد. إنّه قبل كلّ شيءٍ، وجودٌ ذو أبعادٍ روحيّة، قيميّة، إنسانيّة سامية، يحمل في جوهره رسالة تفاعلٍ، ومشاركةٍ حقيقيّةٍ، في الحياة الوطنية، والثقافية، والسياسية، والاجتماعية لشعوب المنطقة كلّها. إنّه وجودٌ سابقٌ للأنظمة الحالية بقرونٍ عديدة، وجودٌ توالت عليه دولٌ وإمبراطوريات عاتية، أين منها بعض تلك الأنظمة الحالية الجائرة... ومع كلّ ذلك، لم يتحوّل المسيحيون يوماً أسرى عقدة العدد، فاستمرّ وجودهم في الشرق وتألّق، ونجح في لبنان، بإنشاء واحةٍ خضراء للحريّة، في أوج سطوة الإمبراطوريّاتquot;، مؤكداً أن quot;جنّة الذمّية لا نرضى بها... جهنّم الحريّة أفضل منزلquot;.
واعتبر أن quot;من يقتل إخوةً لنا في الوطن، أو في المنطقة، أو في العالم، من دون رحمةٍ أو شفقةٍ، ليس الطرف الصالح لا لصداقةٍ، ولا لتحالف يدعو البعض إليه، ويسمّيه تحالف الأقليّات، ما هو بالفعل، إلاّ تحالف أقليّات السلطة والمال والمصالح النفعيّة ،لأي طائفةٍ أو قوميّةٍ أو فئةٍ انتمت، بمواجهة أكثريّةٍ مسحوقةٍ،لأي طائفةٍ أو قوميّةٍ أو فئةٍ انتمتquot;.
وأشار الى أنّ quot;إثارة المسألة بهذا الشكل، هي في حقيقتها، تقزيمٌ لدور المسيحيين التاريخي، ونقلهم من مدافعين عن المبادئ الإنسانية السامية، إلى مجرّد أكياس رملٍ لحماية أنظمةٍ غاشمة متخلّفة، لا قيم عندها ولا قناعات، سوى الاحتفاظ بالسلطة على حساب كلّ شيءٍ، وبالرغم من كلّ شيءquot;.
أضاف: quot;لن نقبل بأن نكون نحن المسيحيون شهود زورٍ على ما يحصل من ارتكابات بحقّ كلّ ما نؤمن به أصلاً، كما بحق الإنسانيّة. باعتبار أنّ دورنا الطليعي يحتّم علينا، عدم الانزلاق، الى قمقم التقوقع الأقلّوي، الذي يحاول البعض استدراجنا اليه، من خلال هواجس، ليست محصورةً بالمسيحيين فحسب. أن نكون شهود زورٍ، أو في أحسن الأحوال متفرّجين، منكفئين، متراجعين أمام الربيع العربي ومخاضه، ذلك يعني تفشّي عقدة الأقلويّة في نفوسنا، وتحوّلنا من أقليّة عدديّة صاحبة رسالةٍ أكثريّة إنسانيّةٍ عالميّة، الى أقلويّة نفسيّة هامشيّة ترقد، في ذمّة الجغرافيا وخارج التاريخquot;.
ورأى أنّ quot;الخوف من التطرّف مبرّرٌ ومشروعٌ، ولكنّ هذا الخوف لا يبيحُ المحظورات، ولا يفترض انقلاباً جذريّاً، على كلّ القيم الإنسانيّة والمسيحيّة. إنّ التغلّب على التطرّف، لا يكون بتبرير ارتكاب مزيدٍ من الجرائم، على يد ديكتاتوريّات، شكّلت في الأساس، سبباً مباشراً لنشأة التطرّف. وللخائفين من ظهور أنظمةٍ أكثر تشدّداً، نقول: أيّ تشدّدٍ أخطر من الذي شهدناه في لبنان على مدى ثلاثة عقودٍ، والذي أدّى الى قصم ظهر المسيحيين، وإحباطهم لعشرات السنوات؟ كيف يكون تشدّدٌ أخطر من الذي نشهده اليوم، كلّ يومٍ، في القرى والمدن السوريّة كلّها؟ وإذا سلّمنا جدلاً بأنّ تطرّفاً ما سيظهر في مكانٍ ما، فإنّ موقفنا منه لن يكون أقلّ حدّةً، ومواجهتنا له لن تكون أقلّ شراسةً، انطلاقاً من الاعتبارات نفسها، والتزاماً بقيمنا، وقناعاتنا نفسها، ولنا في هذا المجال صولاتٌ وجولات. ما لا نقبله، هو خيانة أنفسنا وكلّ ما نؤمن به، هرباً من نظامٍ متطرّفٍ مزعومٍ، لا نجد مؤشّراً على قيامه في كلّ ما يجري؛ فالتاريخ لم يعد يوماً الى الوراء، ولن يعودquot;.
وتابع: وهل مقبولٌ أن ننكفئ نحن المسيحيون عن الشرق في اللحظة عينها التي بدأ فيها الشرق يشبهنا؟ وفي اللحظة عينها، التي بدأ فيها بتجسيد المفاهيم التي لطالما نادينا بها نحن، وبتحقيق أحلامنا نحن، في الحريّة، والديموقراطية، والكرامة الإنسانيّة وحقوق الإنسان؟quot;.
وتوجّه الى مسيحيي الشرق بالقول: quot;إخوتي المسيحيين في لبنان، وسوريا، وفلسطين، والعراق، ومصر ودول المنطقة كلّها. لا تخافوا، إذا كان الله معكم فمن عليكم؟ حافظوا على إيمانكم وعقيدتكم والرسالة الإنسانيّة الكبرى، والقيم التي تحملون، بالرغم من كلّ التحديّات، وانخرطوا، في صلب معاناة شعوب المنطقة من دون خوفٍ أو وجل. كونوا دائماً طليعة حركات التحرّر والتقدّم، كما كان أسلافنا منذ أقدم العصورquot;.
واستشهد بقول الفيلسوف الكبير شارل مالك: quot;الثائرون على الظلم والجور والاستغلال والاستعباد والاستبداد. هؤلاء الثائرون في جميع أصقاع الأرض من أين جاءتهم هذه الشعلة الثوريّة؟ إنّ شعلة الثورة الإنسانية نابعةٌ أصلاً من التراث الابراهيمي، أيّ أنّ ملء الوجود الكامل، الذي هو الله، هو الذي مسّهم بشكلٍ أو بآخرquot;.
وقال: quot;لا يسعني، سوى استهجان موقف الحكومة اللبنانية الحاليّة، ممّا يجري في سوريا، والذي لا يعكس، بأيّ حالٍ من الأحوال، صورة لبنان الحريّة، والتحرّر والتقدّم والتطوّر والانفتاح، لا بل يعطي صورةً سوداء قاتمةً كالحة عن لبنان، بعكس حقيقته، كما يتناقض مع تطلّعات وشعور أكثريّة الشعب اللبنانيquot;، مشيراً الى أنّ quot;الحكومة الحالية، بموقفها هذا، تضع لبنان، في تناقضٍ تامٍ، مع هويّته وتراثه وتاريخه، كما تضعه في مواجهةٍ مباشرةٍ، مع المجموعة العربية كما مع المجتمع الدولي، الأمر الذي لم نشهد له مثيلاً منذ قيام دولة لبنانquot;.
وأكّد أنّ quot;فرحتنا بالربيع العربي لن تكتمل إلاّ باكتمال ربيع لبنان وربيع فلسطين. إنّ ربيع فلسطين على وشك أن يتفتّح، باعتراف الأمم المتحدة، بالعضوية الكاملة لدولة فلسطين. لا يعتقدنّ أحدٌ بأنّ هذا الاعتراف، هو اعترافٌ صوريّ أو نظريّ، لأنّ ما كُتِب سيكون قد كُتِب، وسيتحوّل عاجلاً أم آجلاً، الى واقعٍ ملموسٍ، تفرح به قلوب الفلسطينيين والعرب أجمعين. وستكون الفرحة لنا، نحن اللبنانيين، فرحتين: فرحةٌ بقيام دولة فلسطين، وأخرى، مع فرحة الإخوة الفلسطينيين اللاجئين في لبنان، بخلاصهم من تشرّدهم المزمن، وعودتهم الى فلسطين. أمّا في ما يتعلّق بربيع لبنان، فانتفاضة الشعوب العربية اليوم، على أنظمةٍ غابرة، تقابلها، بكلّ أسفٍ، محاولة البعض في لبنان إعادتنا الى خريفٍ ولّى... إنّ ربيع لبنان ما زال يرزح، منذ انطلاقة ثورة الأرز، تحت وطأة سلاحٍ غير شرعيّ، يُصادر القرار الاستراتيجي للدولة برمّتها، ويشكّل سيفاً مصلتاً على أعناق اللبنانيين الأحرارquot;.
ولفت الى أنه quot;لم يعد مقبولاً بعد اليوم، تصنيف اللبنانيين بحسب انتماءاتهم الحزبيّة، حتّى ضمن المنطقة الواحدة والبلدة الواحدة. هذا مواطنٌ من حزب الله، فتُبيح له الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائيّة كلّ المحظورات. ويحقّ له ما لا يحقّ لغيره، حتّى وإن كان خارج نطاق عمليّاته العسكريّة المفترضة على الحدود بعشرات ومئات الكيلومترات. لقد أصبح، بكلّ أسفٍ، مواطن quot;حزب اللهquot; في لاسا، أو الرويسات، أو الزعيتريّة، أو بيروت أو بعلبك أو الجنوب، بنظر الأجهزة الأمنيّة، مختلفاً عن المواطن العادي في هذه المناطق نفسها، كما في المناطق الأخرى، وكلّه باسم المقاومة. المواطن الأول مباحٌ له أن يتجوّل بسلاحه الظاهر، وأن يستعمله كيفما شاء، وأن يخوض اشتباكاتٍ مسلّحة، تتطوّر في بعض الأحيان، الى استعمال الأسلحة الثقيلة، أمام أعين الأجهزة التي لا تتدخّل، إلاّ بحدود ما يسمح به حزب الله، بينما يُمنع على المواطن اللبناني العادي، أن ينقل بندقيّة صيد، من دون ترخيصٍ، أو حتّى أن يتأخّر في تسديد فاتورة ماءٍ أو كهرباء. المواطن الأول مسموحٌ له، تشييد آلاف الأبنية المخالفة، على الأملاك العامة والخاصة وأملاك الأوقاف، وإذا طُرح تصحيحٌ للأمر، فبالتراضي، وعبر حلٍّ يناسب المواطن المخالف. وكلّه باسم المقاومة. أمّا المواطن العادي، فيلاحَق ويُحال على القضاء، لمجرّد تشييده خيمة قرميدٍ، من دون ترخيصٍ، في ملكه الخاص، أو إنشائه غرفةً غير مرخّصةٍ، على أرضٍ يملكها. نحن لا نطالب بتعميم بعض النماذج الخارجة عن القانون، بل نطالب بتعميم التقيّد بالقانون، على المناطق كلّها، والمواطنين جميعاًquot;.
واستطرد quot;إنّ وجود سلاح quot;حزب الله،quot; لم يعد عبئاً على المواطنين العاديين، وتهديداً لهم فحسب، وإنّما تعدّاهم، ليطال مسؤولين رسميين وسياسيين، رضخ بعضهم لابتزاز السلاح وتهويل القوّة، بحيث انتهى الأمر، في مرّةٍ من المرّات، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الى قلب حكومةٍ والإتيان بأخرى، وكلّه باسم المقاومة. وعوض أن تنجح الدولة اللبنانية، ولو تدريجياً، في استيعاب سلاح quot;حزب اللهquot;، بعد أكثر من خمسة أعوامٍ على انطلاق الحوار الوطني بشأنه، تراها تبحث هي اليوم، عمّن ينتشلها من قضم حزب الله واستيعابه لها. إنّه لأمرٌ مضحكٌ مبكٍ حقّاً... والأكثر غرابةً، أنّ البعض من أصحاب المسؤولية، يقفز فوق الوقائع المؤلمة كلّها، ويتجاهل محنة الدولة اللبنانية بوجود سلاحٍ خارجها، ليتلوَ على مسامعنا يوميّاً، ثلاثيّة quot;الجيش والشعب والمقاومةquot; والتي تتحوّل في الواقع تدريجيّاً الى ثلاثيّة quot;المقاومة، والمقاومة، والمقاومةquot;، ما يعني عمليّاً quot;حزب اللهquot;، وquot;حزب اللهquot;، وquot;حزب اللهquot;. quot;ومن له أذنان سامعتان فليسمعquot;. وquot;إذا لم يبنِ ربّ البيت. فعبثاً يتعب البنّاؤونquot;.
واعتبر أن quot;المفارقة في لبنان أنّ الدولة قائمة، وقادرة إذا أرادت، وتحظى بغطاء ودعم الشرعيّتين العربيّة والدوليّة، لكنّ فئةً دون سواها من اللبنانيين، تصرّ على أنّ هذه الدولة عاجزةٌ، وتعمل على إبقائها مقصّرةً، وتختلق الحجج، والإشكالات، وتفتعل الضوضاء المستمرة، لتبرّر لنفسها حصريّة امتلاك السلاح الى ما لا نهاية. أمّا في ما يتعلّق بإشكاليّة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، فالمطلوب من الدولة اللبنانية، أن تُمسك بهذا الملف، بعيداً من quot;العنتريّاتquot;، لمعالجته بالطرق المعتمدة دوليّاً، وذلك عن طريق الطلب من الحكومة السوريّة، الاعتراف خطيّاً، بلبنانيّة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. وعندها تكون الدولة اللبنانية، ومن خلفها الشعب اللبناني برمّته، هي وحدها المولجة، تحرير هذه الأراضي بالطرق التي تراها مناسبةً. أمّا بالنسبة لموضوع النفط والغاز، فهذه الثروة، هي مُلكٌ للدولة اللبنانية والشعب اللبناني كلّه، وليست حكراً على فئةٍ، وبالتالي فإنّ الدفاع عنها هو مسؤوليّة الجميع، ممثّلين بالدولة اللبنانية. لن نسمح لأحدٍ بأن يصادر الثروة النفطيّة للشعب اللبناني، تحت ستار quot;المقاومةquot; أو تحت أيّ ستارٍ آخر. وكلّ حديثٍ عن quot;مقاومةٍquot;، لتبرير القبض على الثروات، قد ولّى إلى غير رجعةquot;.
ووجّه نداءً الى quot;حزب اللهquot; فقال: قد يعتقد البعض منكم، أنّ بقاء سلاح الحزب، هو ما يوفّر الحماية والقوة لكم. لكنّ هذا البعض، فاته، أنّ حمايتنا وقوّتنا جميعاً، كمواطنين لبنانيين، لأيّ فئةٍ انتمينا، لا تتأمّن، إلاّ من خلال الدولة اللبنانية من جهةٍ، ومن تفاعلنا، الإنساني والسياسي والاجتماعي مع بعضنا البعض، من جهةٍ ثانية. إنّ بقاء السلاح غير الشرعي في لبنان، لم يعد مبرّراً، ولا مقبولاً، لا سيّما في ظلّ التحوّلات الكبرى، وفي ظلّ سقوط المعادلات التي أوجدته. من هنا أدعوكم، لاتخاذ قرارٍ جريءٍ، بالتخلّي عن سلاحكم، أعزّاء شرفاء، للدولة اللبنانية، بعدما أدّى هذا السلاح دوره كاملاً حتّى العام 2000. تعالوا إلى حيّث تجرّأنا، وإلى حيث يجب أن يجرؤ الآخرونquot;.
وتطرق الى المحكمة الدولية وقال: quot;لأنّ الظلمة لن تقوى على النور، ولن ينتصر الشرّ على الخير، آن أوان محكمة لبنان. آن الأوان لإسقاط ورقة التين، عن منطقٍ إلغائي لدى البعض. آن الأوان لتبيان حقيقة هذه المدرسة- المشرحة، القائمة في لبنان ودول شرق أوسطيّة أخرى، على اعتماد لغة الإرهاب والاغتيال. إنّ عدالة شهدائنا، جميع شهدائنا، هي عدالةٌ بحجم وطنٍ وقضيّةٍ، وليست أبداً، عدالةً على قياس أحقادٍ شخصيّةٍ، ليست في الأساس، من شيم من بذل روحه فداءً عن الوطن، والوجود، والمصير. إنّ عدالة المحكمة هي عدالةٌ للجميع، لكلّ اللبنانيين، وأكاد أقول لشعوب المنطقة كلّها. إنّها إنهاءٌ لمرحلةٍ وإيذانٌ بأخرىquot;.
وأردف: quot;كان من المفترض أن يطوي اتفاق الطائف، صفحة الحرب اللبنانية، وينقل لبنان، من حالة الدمار والقتل والاغتيال، الى حالة المصالحة الوطنية، والأمن والاستقرار. إلاّ أنّ البعض، أصرّ على إبقاء جرح لبنان نازفاً، فتوالت الاغتيالات، وتوالى سقوط الشهداء. لكن لا تسلم الجرّة في كلّ مرّةٍ؛ هكذا أُنشئت المحكمة الخاصة بلبنان، وهكذا سيتمّ وضع حدّ لهذا المسلسل الإجرامي المدمّر. إلاّ أنّ البعض، ومنذ اللحظة الأولى لإقرار المحكمة، عكف على وضع العصي في دواليبها، محاولاً بالتشكيك، والتهويل، والصراخ، وquot;اجتراحquot; قرائنٍ من العدم، والتنقيب عن أي هفوةٍ شخصيّةٍ، أو ثغرةٍ تقنيّةٍ، موجودةٍ عادةً، في أيّ مؤسسة أو إدارةٍ أو محكمة، الانقضاض على المحكمة الدولية، ومحاولة اغتيالها، وصولاً الى حدّ الضغط باتجاه منع لبنان، من تسديد حصّته في تمويلها. لكنّ الفاجر لن يأكل مال التاجر بعد اليوم في لبنان. إنّ آلة القتل والاغتيال التي استخدمها البعض، أو استعان بها، أو حماها، لتحقيق مآربه السياسيّة، ستصبح خارج الخدمة قريباً. والأفضل للجميع من الآن، البحث، عن آلةٍ أو آليّةٍ مختلفة تحقق الأهداف السياسيّة بطرقٍ ديموقراطيّةٍ، دستوريّة، ميثاقيّة، قانونيّة، حضاريّةquot;.
وختم جعجع كلمته بالإشادة بمزايا البطريرك صفير، فقال: quot;فكلّي ثقة يا أيها الشهداء، بأنكم هذه السنة أكثر فرحاً من باقي السنوات، إذ يكفيكم، ويكفي القوات اللبنانية، وثورة الأرز فخراً، أن يُحيي ذكرى استشهادكم هذه السنة، بطريركٌ، من بطاركة الموارنة التاريخيين، الذين افتتحوا مسيرتنا، في النضال، والمقاومة، منذ 14 قرناً، وعلّمونا، أنّ الموت بحريّة وكرامةٍ في كنف جبالنا الصعبة، خيرٌ لنا ألف مرّة، من العيش أذلاّء، صاغرين، في ذمّة طاغيةٍ من هنا، أو ديكتاتورٍ من هناك. فأمامكم، غبطة أبينا الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، وأمام عظمة التاريخ الذي تختزنون، ويختزنه أسلافكم، نعاهد الله، أنّنا سنبقى أوفياء لتاريخ شعبنا، متصالحين مع أنفسنا، ومخلصين لمسيرة بطريركيّتنا، في الذود عن الحريّة والإنسان، وفي الدفاع، عن كلّ مضّطهَدٍ ومظلومٍ في هذا الشرق. هكذا بدأت رسالة المقاومة اللبنانيّة مع يوحنا مارون. وهكذا استمرّت. وهكذا ستبقى في كلّ حين. الى أبد الآبدين آمينquot;.