قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

زهير قصيباتي

«على الرئيس أن يتنحى عن السلطة إذا كانت تلك إرادة الشعب». العبارة للرئيس السوري بشار الأسد الذي كرّرها وبدا واثقاً بأن السوريين يريدون بقاءه على رأس السلطة... بعدما سقط أكثر من ربع مليون قتيل خلال الحرب، وحوّلت أفواج المهاجرين واللاجئين البحر الأبيض المتوسط إلى حقول للموت، وتبدّلت معالم سورية بالدمار وحملات «التطهير».

قد يكون المعيار لدى الرئيس السوري لقياس إرادة شعبه، أن جحيم البراميل المتفجّرة والقصف الجوي محا أصوات السوريين المنكوبين بتحالف النظام وميليشياته مع الإيرانيين والروس، لا لشيء إلا لتثبيت «شرعية الأسد» في مواجهة «الإرهابيين»... أي كل مُعارِض له. ولعله لم يأتِ بما قاله لو لم يكن واثقاً بأن سيد الكرملين الرئيس فلاديمير بوتين، يعتبر نظامه «الولد المدلّل» لدى الروس.

ولأن الوقت حان للثأر من العقوبات الغربية على روسيا والتي تئنّ تحت وطأتها، منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وضمّ موسكو شبه جزيرة القرم، وجد الكرملين ضالته في ترنُّح ما بقي للنظام السوري من قوة وقدرة على الصمود في مواجهة الفصائل التي تحاربه. وهكذا، ما أن طلب «الولد المدلّل» تفعيل المظلة الروسية، حتى تجاوب بوتين، وأرسل دبابات وطائرات إلى قاعدة طرطوس ومطار في اللاذقية.

وإذا كانت ريبة الغرب والعرب مبررة، حيال الهدف الخفي لروسيا التي بادرت إلى توسيع موطئ قدم في سورية، وعلى البحر المتوسط، فإن حيرة إسرائيل تتجاوز ببساطة الضمانات اللفظية التي تقدّمها موسكو لبقاء الأسد في السلطة. وباستثناء «الجسر الجوي» المصغّر الى طرطوس واللاذقية، لا جديد طرأ على معزوفة الحلف الثلاثي بين دمشق وموسكو وطهران: النظام السوري يخوض حرباً مع «العدوان الإرهابي».

حتى الآن، قبل أيام قليلة من زيارة بنيامين نتانياهو لروسيا، من اجل استكشاف نياتها وملامح خططها التي يعدّ لها «خبراء ومستشارون» في طرطوس واللاذقية، لم تبدِّل إسرائيل اقتناعها بأن بقاء نظام مهترئ في دمشق، وبلا أسنان حربية قد تهددها، أفضل بكثير من بديل مجهول، أو على الأقل صبغته إسلامية أو متشدّدة. وهذه مقاربة ترجّح شكوكاً لدى الدولة العبرية، بأن بوتين يرسل طائرات لحماية حدودٍ تُرتَسَم لكيان علوي قد ينكفئ إليه نظام الأسد. وإن عنى ذلك أن الصراع في سورية وعليها، ما زال مديداً، فلنا في سياق الأدلة، سبر ما عناه بوتين حين أطلق شارة تحذير من تغلغل «داعش» في أفغانستان، ومن احتمال ملء هذا التنظيم الفراغ هناك، بعد رحيل قوات «الأطلسي».

الحل إذاً، بإبقاء «أفغانستان» في سورية، بدلاً من أن تكون على تخوم روسيا... وقتال الشيشان والقوقازيين «الدواعش» على الأراضي السورية، بدلاً من انتظار عودتهم الى أبواب «القيصر». وبين الكيان العلوي و «أفغنة» سورية بدواعشها، سيناريوان لا يتعارضان مع حماية نظام الأسد المنكفئ إلى الساحل. ويمكن بوتين إقناع نتانياهو بأن روسيا التي ستقاتل «الإرهاب» و «الدواعش» على الأراضي السورية، إنما تحمي ايضاً إسرائيل وتخفف عنها عبء مواجهة «الشغب» في الجولان وغيره، وكابوس «إمارة» إسلامية أو أخرى لـ «الخلافة» وراء الحدود.

في الوقت «الضائع» حين تصبح الحرب ومصير سورية في أيدي «الكبار»، لا بأس في أن يناور النظام، ما دام الغرب غير مستعجل، وهو لم يستعجل رحيله إلا بالكلام... لا بأس من جرعة ابتزاز: نقتل «الإرهابيين» يتوقف طوفان اللاجئين إلى أوروبا، ننهي الصراع مع «الإرهاب» أولاً، لنتفرّغ للحل مع معارضة «ذكية»، تعترف بالوقائع، وترضخ.

والحل في سورية يريده بوتين مع معارضة «سليمة»، أي معافاة من «إيبولا» تداول السلطة والمعارضة الديموقراطية، ومطاردة فساد أخطبوط الأجهزة واستبدادها.

وأما السؤال: هل انتزعت موسكو من طهران أوراق إدارة الصراع، فيبقى برسم «القيصر» الذي لن يجد مبرراً على الأرجح للرد على تبجُّح إيران بأنها «الدولة الوحيدة التي يمكن أن تقدّم دعماً استراتيجياً لعودة الأمن والهدوء إلى المنطقة»! الأسد اعترف بدورها في «صمود» نظامه، كمن يستعد لمرحلة جديدة، سيحمل أوراقها بوتين إلى القمة الصعبة مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.

... «أفغنة» سورية فصل جديد في نكبة شعب تواطأ على أرضه كل أنواع الأطماع الإقليمية والدولية، وضاع بين وحشية الحرب وأوهام الخلاص القريب.