: آخر تحديث

الأردن في مواجهة هموم المنطقة

ارشد هورموزلو 

في زيارة سابقة قمت بها الى الأردن كان لي لقاء مع الملك عبد الله الثاني تحدثنا فيه عن أمور كثيرة تتعلق بأوضاع المنطقة. أثناء ذلك كان الهم السوري في بداياته وشعرت من الملك بحرص كبير على سلامة سورية الشقيقة وخلاص أهلها.

عندما خرجت من اللقاء سألني أحد الصحافيين: كيف وجدت الأردن، وكيف تصفه؟ قلت من دون مواربة: الأردن قصة نجاح.

يتحدث الملك عبدالله الثاني في كتابه الشهير «فرصتنا الأخيرة، السعي نحو السلام في زمن الخطر»، عن همومه التي بدأت مع القضية الفلسطينية، ولعل الزمن الحاضر يؤكد ما ذهب إليه العاهل الأردني ليس في فلسطين فقط بل في أنحاء المنطقة برمتها.

بعد ثلاثة أعوام، عدت إلى الأردن برفقة الرئيس التركي السابق عبد الله غل بمناسبة مؤتمر عمان للأمن الإقليمي، وأول ما لاحظته كان التقدم المذهل في الحياة العامة، ما يؤكد لي أن قصة النجاح لا نهاية لها.

في لقاء جمعنا مع الكثير من الساسة الأردنيين في منزل الدكتور معروف البخيت، الذي يعرف تركيا وخفاياها حيث عمل سفيراً لبلده في أنقرة، قال زيد الرفاعي رئيس الوزراء الأسبق، إن أول زيارة إلى الأردن بعد استقلاله عام 1946 كانت من تركيا، وذكرنا بأن أول اتفاقية للصداقة والتعاون أبرمت بين تركيا والدولة الأردنية الفتية. سألته عما إذا كانت الاتفاقية نافذة، فأجابني بالإيجاب. قلت إننا نتمتع الآن بالأخوة وليس بالصداقة وحدها.

ذكرني ذلك بما ورد في كتاب العاهل الأردني: عندما علمت تركيا من استخبارات حلف شمال الأطلسي أن النزاع بات قاب قوسين أو أدنى، أبلغ سفيرها في الأردن والدي (الملك حسين) بأن هجوماً إسرائيلياً وشيكاً أصبح على الأبواب، فسارع والدي فوراً إلى عبد الناصر يبلغه بالأمر، لكن الرئيس المصري لم يعر الإنذار أي اهتمام.

تأملت في واقع عمان والأردن وتذكرت ما قلته في مناسبة سابقة، من أنه لا توجد دول غنية ودول فقيرة في العالم، بل دول جيدة الإدارة وبلدان سيئة الإدارة. وقد فكرت ملياً بأن تركيا والأردن، مع حفظ الفوارق، يشتركان في أمر واحد، وهو عدم كونهما دولتين ريعيتين، بمعنى امتلاكهما الموارد الطبيعية، من بترول وغاز، ولكنهما نهضتا بسواعد أبنائهما وبإدارة جيدة، بينما غرقت دول أخرى غنية بتلك الموارد في المصائب والأهوال، بل كسر عمودها الفقري بسبب سوء الإدارة.

الأردن ولو كان محدود الموارد نسبياً، فإنه لا يتوانى عن التفكير في الغير، وهناك أكثر من مليون ونصف من الضيوف اللاجئين على أراضيه، وقد سمعت بأن هناك برامج تشغيل معينة يساهم فيها بعض الدول للاستفادة من خدمات السوريين الذين اضطروا للنزوح من بلادهم وتم إيواؤهم هناك.

وبالعودة الى كتاب «فرصتنا الأخيرة»، فإن العاهل الأردني يقول من دون مواربة إنه يجب استنكار المفهوم المعاصر للإرهاب دينياً وأخلاقياً، وأن الإرهاب يراد به الممارسات الخاطئة، أياً كان مصدرها وشكلها، والمتمثلة في التعدي على الحياة الإنسانية بصورة باغية تتجاوز أحكام الله.

ولعل كثيرين يتذكرون ما قام به الأردن من تثبيت للنقاط المحورية حول تعريف المسلم، وما إذا كان يجوز تكفيره، وحول من له الحق في التصدي للإفتاء، وأذكر مساهمة الكثير من علماء المسلمين في تركيا في هذه الدراسات بشكل مفصل.

عندما أتحدث عن اهتمام الأردن ومليكه بأوضاع المنطقة ومستقبلها المعتم على ضوء الأحداث التي تتوالى فيها، أتذكر اللمحة الذكية والمعبرة التي تلقيتها في الأردن في زيارتي المذكورة. بعد لقائي الملك عبدالله الثاني رجعت الى الفندق الذي أقيم فيه، عندما جاءني موظف مهذب يقول لي إن الديوان الملكي بعث لي بهدية رمزية رأيت أنها تعبر بشكل واضح عن هموم الأردن حيال ما يصيب الآخرين.

كانت الهدية عبارة عن مزهريتين من الزهور كتب عليهما بخط رائع البيت المشهور والمعبر من رائعة امرؤ القيس والتي تبدأ بالبيت الشهير «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، بسقط اللوى بين الدخول فحومل». كان البيت من القصيدة ذاتها ينشد: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي، بصبح وما الإصباح منك بأمثل.

بقي أن تعلموا أن امرأ القيس، كما قد لا يعلم كثيرون، مدفون على تلة معروفة في أنقرة، عاصمة الجمهورية التركية حالياً.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد