قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد كعوش

بعد غزو العراق واحتلاله دعت واشنطن الى عقد مؤتمر مدريد ، فماذا سيحدث بعد الحرب الكونية التي تدور رحاها في سوريا تحت عنوان الحرب الاهلية، وبعد انهاك الجيش السوري وتدمير البنية التحتية، والسعي الى تحييد دمشق واخراجها من حلبة المواجهة مع اسرائيل؟

هذا السؤال يتردد في الشارع السياسي العربي ، لأن هناك رائحة تسوية ما في الاجواء الاقليمية تحمل عنوان حل قضية الشعب الفلسطيني ، ولكن من المتوقع ان يتم وضع قضية الصراع العربي الاسرائيلي على طاولة المفاوضات ايضا ، والدعوة الى مؤتمر باريس هي أول الغيث.

الحقيقة أن مضمون المبادرة الفرنسية لم يتبلور بعد ، لأن الابواب ستظل مفتوحة امام الشروط الاسرائيلية ، ومحتوى المبادرة سيظل خاضعا للتغيير ، وحسب مزاج حكومة نتنياهو «والدلال الاسرائيلي» ، خصوصا بعد اعتذار باريس عن الموقف الفرنسي الذي استفز حكومة اليمين المتطرف في تل ابيب ، نتيجة التصويت الى جانب الاقتراح الفلسطيني بشأن القدس التراثية في اليونيسكو ، وهو الموقف الذي تراجعت عنه الحكومة الفرنسية فورا وباسلوب النقد الذاتي الاقرب الى الادانة ، من أجل ارضاء نتنياهو ، وعدم منحه الفرصة لتخريب وعرقلة المبادرة الفرنسية.

صحيح أن اسرائيل اكتفت بالاعتذار الفرنسي وقبلته ، ولكن نتنياهو ، ومنذ تلك اللحظة ، بدأ بتحصين موقعه الداخلي، استعدادا لمواجهة نتائج المبادرة الفرنسية وتحسبا لطرح المبادرة المصرية وتحريكها بشكل جدي.

قام نتنياهو بخطوة اولية ، تحت شعار توسيع الحكومة ، أو الحكومة اليمينية الموسعة ، بالاتفاق مع اليميني العنصري افيغدور ليبرمان من حزب « اسرائيل بيتنا « على تعيينه وزيرا للامن بدل وزارة الدفاع ، بعدما اثار ترشيحه لوزارة الدفاع جدلا كبيرا في اسرائيل ، كما اثار خلافا داخل حكومة اليمين.. لماذا هذه الضجة حول عودة ليبرمان في هذه المرحلة بالذات، وهل هي خطوة لنسف جهود اعادة احياء المفاوضات ، أم حركة تصعيدية لاعادة التوتر والسخونة على كل الجبهات مع اسرائيل؟.

الحقيقة ان عودة ليبرمان الى الاضواء ودخوله الحكومة اليمينية الموسعة شكلت صدمة للعديد من السياسيين في اسرائيل. وليبرمان ، للذين لا يعرفونه ، هو مهاجر من مولدافيا جاء الى اسرائيل في العام 1978 ويقيم اليوم في مستوطنة «توكديم» قرب بيت لحم. وهذا المستوطن خدم في الجيش الاسرائيلي لمدة عام فقط كجندي في مخازن الجيش ، ولكنه اشتهر بعنصريته ضد الفلسطينيين وبعدائه المفرط للعرب، وقد لمع نجمه داخل المجتمع الاسرائيلي اليميني بتصريحاته المجنونة ، التي وصفتها « يديعوت احرونوت « بانها « تصريحات تحدث صدمة وتدعو للضحك «.

الحقيقة أن اختيار ليبرمان وزيرا للامن في هذه المرحلة بالذات ، هو قرار خبيث يثير الشكوك ، لأن ليبرمان كان يدعو باستمرار الى اجتياح قطاع غزة ، واعدام المقاومين من أبناء الشعب الفلسطيني ، وعدم اعادة التفاوض مع الرئيس محمود عباس ، ومن اشد الداعين الى تسخين الجبهة الشمالية ، كما دعا الى تدمير السد العالي واغراق مصر بمياه بحيرة ناصر، اضافة الى انه مارس ضغوطا كبيرة على الحكومة الاسرائيلية لشن عملية جوية ضد ايران وقصف المفاعلات النووية، وطالب بعدم تقديم اعتذار الى تركيا وشتم اردوغان ووصفه بالكاذب!

هذه بعض صفات ومواهب و«فضائل» ليبرمان، لذلك الاتفاق معه على العودة الى الحكومة الاسرائيلية وتسليمه منصب وزير الامن اثار الاستغراب والشكوك ، ليس داخل اسرائيل فحسب، اوداخل الاحزاب المنافسة، بل على المستوى الاقليمي والدولي ايضا ، خصوصا في هذه المرحلة الخطيرة التي تمر فيها المنطقة، على الصعيدين السياسي والامني، وفي وقت يتم فيه طرح مبادرات سياسية لاحياء المفاوضات لآيجاد حلول سياسية للقضايا والازمات الاقليمية.

الثابت أن اسرائيل ، وبمجتمعها الذي تحرك بمجمله نحو اليمين ، وبحكومتها الموسعة التي ستكون الاشد يمينية في تاريخ اسرائيل ، لا تريد العودة الى المفاوضات ولا تريد تحقيق السلام ، بل تراهن على الزمن لانهاء الصراع العربي الاسرائيلي بشروطها ، لذلك نرى ان نتنياهو بخطواته وخياراته ، يريد ان يتصّن خلف المتشددين بهدف قطع الطريق امام المبادرة الفرنسية وعرقلة المبادرة المصرية سلفا، لأن قادة اسرائيل يتطلعون بتفاؤل الى تحقيق اختراق سياسي مجاني في العمق العربي في وقت قريب.