عبدالله السويجي


التصريحات الإعلامية شيء، والواقع شيء آخر، القضاء على مسلحين عاثوا فساداً ودماراً وحرقاً بالمدن حتى جعلوها أثراً بعد عين شيء، وتحرير الركام شيء آخر. صمود الأنظمة شيء، والخراب الذي ينخر الآن بمجتمعات دول عربية عديدة شيء آخر. تراجع الفكر التكفيري والمتطرف والإلغائي عسكرياً شيء، وتفشي الفتنة شيء آخر. المصالحة بين القرى والمدن والنظام الاستبدادي شيء، والرضا شيء آخر.


من السهل الإعلان عن تحرير الموصل والقضاء على «داعش» إلى الأبد، ومن السهل الوقوف أمام كاميرات التلفزيونات ورفع علامة النصر فوق الركام، لكن من الصعب جداً إعادة المدينة إلى سابق عهدها، والسلام الاجتماعي إلى أصله، فالحكم على ظاهر الأشياء أمر تضليلي لحقيقة جوهرها، والإيهام بالانتصار أقرب إلى المخدر.
هذا لا ينطبق على الموصل العراقية فقط، بل ينطبق على حمص وحلب في سوريا، وعلى بنغازي وغيرها في ليبيا، فالدول الثلاث كانت تعيش حالة من الديكتاتورية لعشرات السنين، وتخفي فتنة متجذرة في المجتمعات، لم تستطع الأنظمة حلها عن طريق تعزيز قبول الآخر، وبدلاً من ذلك عززت أنظمتها البوليسية القمعية، فصادرت حق الجميع في العيش بكرامة، وكانت النتيجة الانفجار الذي شاهدناه منذ خمس سنوات، وما زلنا نشاهده.
الربيع العربي مصطلح جميل حين يقود إلى العدالة الاجتماعية والتعايش بين أطياف المجتمع، لكنه تحول إلى مصطلح مشؤوم حين قاد إلى الدمار والتهجير والقتل ونشر الفتنة، حتى تحول إلى ربيع الأنظمة المستبدة، فعائلة الأسد حافظت على وجودها في الحكم، وخيّرت الناس بين الفوضى والدمار وبينها، وفي العراق توالى عليه أكثر من صدام حتى الآن، وما المشهد الطائفي المعقد الذي يسود اللوحة المرتبكة سوى نتاج للمسكوت عنه طوال عشرات السنين، وفي ليبيا سيعود نظام القذافي بوسيلة مختلفة وبأقنعة متعددة، وفي تونس، لا تزال الرموز التي كانت تحكم في عهد بن علي تتسيد المشهد، وفي دول عديدة أفشلت الأنظمة السابقة حركات التغيير، وبات الإعلام يصفق لتحرير المدن والقرى والصحراء، بينما ما يحدث هو تحرير للركام والدمار؛ ولا يكرر المرء سوى كلمة «يا حرام» حين يرى صورة لجامع النوري وما حوله، وصوراً لمدينة حلب وبنغازي وغيرها من آثار الربيع العربي.
لم يتعلم المثقف العربي كما يبدو من المشهد الدموي، ويصر على أن التغيير وإن صاحبه «بعض» الدمار ضروري للخروج من حالة الركود والصمت، ولهذا لا يزال يصر على أن هناك ربيعاً عربياً سيكتسح المنطقة. وهناك أغبياء كثيرون يحاولون الاصطياد في المياه العكرة، ويتسلقون على الأزمة الخليجية الحالية، ويقولون إن الربيع العربي وصل إلى الخليج العربي، يقولونها من باب الأمنيات بأن يحصل لدول الخليج ما حصل لسوريا وليبيا والعراق، ويحللون بلغة تنقصها المعرفة بطبيعة دول الخليج العربية، والعلاقة التي تربط بين القيادات وبين الشعب، ويجهلون الرخاء الذي يعيشه المواطن الخليجي، مادياً ونفسياً واقتصادياً واجتماعياً، ويغضون الطرف عن الإنجازات التي تحققت على أرض الواقع، وكيف تم توظيف الأموال لبناء مجتمعات متمدنة، تستخدم أحدث البرامج الإلكترونية في توفير خدماتها اليومية، وهذه المجتمعات تسير بهدوء نحو المشاركة السياسية. ويكفي أن نضرب مثلاً بالإمارات العربية المتحدة، كنموذج للنمو، وللعلاقة بين القائد وشعبه، ففي الإمارات هناك تعاون بين القمة والقاعدة، وما يميز القمة أنها تسعى لرفع القاعدة إليها. 
ومن ناحية أخرى، يكفي فخراً للإمارات أن تكون الوجهة المحببة للعيش والعمل فيها، ويكفيها أن شعب الإمارات حاز لقب «أسعد شعب» بين شعوب المنطقة والعالم. والسعادة محكومة بمعايير ذات صلة وطيدة بأداء الحكومات ومستوى الرضا بينها وبين الشعب، وسيادة دولة القانون، واحترامها للآخر دون تمييز. ناهيك عن أن هناك ملايين الناس يعملون ويعينون أهاليهم، وبحسبة بسيطة يتضح لنا أن الإمارات سبب في توفير العيش الكريم لعشرات الملايين من الناس. ورغم ذلك، هنالك من يتحدث عن ربيع خليجي.
يا سادة يا كرام، الربيع الخليجي بدأ قبل عشرات السنين، ونقل المجتمعات من الظلمة إلى النور، فوفر الخدمات التعليمية والصحية وفق المعايير العالمية، وضمن لكل مواطن مسكناً ووظيفة وحياة كريمة. ويشجع الشعب على التعليم والمعرفة والابتكار والتطوع ومساعدة الغير والتسامح ومحاربة التطرف والمشاركة في القرار. الربيع الخليجي انعكس ربيعاً على الشعوب الشقيقة والصديقة، الإمارات على سبيل المثال، من الدول الأولى في العطاء وبناء المشاريع الإنسانية. الربيع الخليجي أخضر مضيء وسلمي ومتسامح، أنتج بيئة نظيفة مادياً وإنسانياً، ولم يُنتج الدمار والخراب والنازحين واللاجئين.
فلكل هؤلاء نقول، إن الربيع الخليجي حل في ديارنا نعم، ونعيشه نعم، وسعيدون به نعم، ونتمنى أن يتواصل ويزدهر، ليحقق المزيد من الرفاهية والتقدم، رحبنا به منذ عشرات السنين، تآلفنا وتآزرنا وتضامنا مع بعضنا بعضاً، وسنواصل مسيرة التغيير والتقدم والرقي، ونقولها وفق هذه المعطيات، أهلاً بالربيع الخليجي.