ماذا وراءك يا بوريل؟ فما قلته عن الحديقة والأدغال، فيه عبارة ذات مقاصد خفيّة، لقد آثرت أسلوب «كليلة ودمنة»، لكنك لم تُخف طيف ماكيافيللي. لم تفلح في إخفاء دعوتك إلى أن تسير أوروبا على خطى القطب الأوحد سابقاً. ليت نوايا الدعوة كانت هكذا، فأنت تدعو إلى إحياء أحلام عتاة الاستراتيجيين: برجنسكي وكيسنجر.

كان القلم يظن أن بوريل، كأستاذ جامعي، دقيقٌ في استخدام المفردات. فكلمة «جنغل» التي استعملها، أخذها الإنجليز عن اللغة السنسكريتية «جنغالا»، وهي الغابة الوحشية غير المطروقة. أحقّاً أنت لا تدري كم ظل الأوروبيون في مستعمراتهم في إفريقيا، آسيا، والقارة الأمريكية؟ جثموا على صدر الجزائر مئة وثلاثين عاماً، وتونس خمسة وسبعين. المستعمرات موسوعة. لكنكم احتللتم الأدغال وخرجتم وهي أدغال! أهل الغاب والأدغال شادوا حضارة في الأندلس، والأندلس نسبة إلى الفندال، تلك الأقوام «المتحضرة جدّاً»، التي اجتاحت أوروبا وشمال إفريقيا، من البلاد الاسكندنافية. لكن الإسبان، وأنت منهم، حين احتلوا تونس ربطوا خيولهم في جامع الزيتونة. على مرمى حجر من الجامع مرقد ابن خلدون. لكن ما الفائدة من ذكره، فأنت كأنك لم تسمع بالفيلسوف ابن رشد، الذي كان فجراً باسماً في الفكر الأوروبي قبل عصر النهضة.

رفقاً بأعصاب القارئ الكريم أجّلنا نكد الدنيا على الحرّ، فقد ذكرت في خطابك الطويل الذي لم تستطع أكثرية المطبوعات نقله برمّته، في الأكاديمية الدبلوماسية الأوروبية، التي تديرها فيديريكا موغيريني: «على البستانيين أن يذهبوا إلى الأدغال، وإلاّ فإن بقية العالم ستغزو أوروبا». جنابك ماهر في التغليف، وقد سبقك كيسنجر بفصيحها العاري: «لو احتللنا آبار النفط، لتجنبنا حروب الشرق الأوسط». أهذه هي رائعة عبق الحديقة؟ لكن، نصيحة لوجه الله والإنسانية والحضارة، لا تدعهم يتهورون، فذهابهم سيكون وبالًا على القارة العجوز التي ترهّلت. نصيحة، لأن البستانيين مغرورون يجهلون أن الأدغال فيها بحسابات الكتل الكبيرة: 4.5 مليار أدغالي بين صينيين وهنود ومسلمين، ونثريات بمئات الملايين. في أدغالهم جل اقتصاد العالم وأسلحته النووية وتقانة وعلوم. موغيريني دبلوماسية جدّاً، وإلاّ لكانت سقتك ماءً بارداً لتصحو على عالم تغيّر.
لزوم ما يلزم: النتيجة الزراعية: على البستانيين اقتلاع الورود وزراعة الفول والفاصوليا للقوت الأوروبي، وجمع الحطب استعداداً لاصطكاك الأسنان.