دون شك، تتواصل مسيرة البشرية من الماضي حتى الحاضر ومن القديم وصولاً إلى الجديد، ولا يبنى شيء من لا شيء، بمعنى لم يكن ولا مرة في تاريخنا، أن حدث تطور وقفزات دون أسس من علوم وخبرات ومبتكرات جاءت ووصلتنا من الماضي.

هذه حقيقة مُسلم بها، ولكن الشيء الوحيد المستمر هو في ارتكاب الأخطاء، فهي وقعت في الماضي وتقع في المستقبل، وهي جزء من عملية تعلمنا، على سبيل المثال التكنولوجيا وتطورات التقنيات تدخل في مختلف العلوم، ومنها المجال الطبي، حيث نشاهد ونسمع كل يوم بمخترعات وكشوف طبية على درجة كبيرة من الأهمية، لم تكن لتتحقق لولا هذا التطور التقني.

وعلى الرغم من هذه التطورات وقف الإنسان عاجزاً عن معالجة معضلة حقيقية تتعلق بالطبيعة البشرية وهي الخطأ؛ فالأخطاء الطبية ليست موجودة في بلد دون غيره، بل لا يخلو منها أي مجال علاجي، وبالتالي هي مشكلة عالمية بكل المقاييس والمعايير، وتحدث في الدول النامية والمتطورة على حد سواء، في الولايات المتحدة، وحدها، على سبيل المثال، تقدر حالات الموت الناتجة بسبب خطأ طبي بنحو 98,000 حالة وفاة سنوياً.

ولا تعود أسباب مثل هذه الإخفاقات في أهم حقل يحتاجه الإنسان لمكون واحد أو خطأ واحد، بل هناك جملة من العوامل التي تمت دراستها في بحوث وتم رصدها وقدمت في دراسات محكمة، مثل أن يقع الخطأ الطبي بسبب انعدام أو قلة الخبرة، أو تواضع الكفاءة والمهارة من الطبيب المعالج، أو حتى من الفريق الطبي المساعد للطبيب، أيضاً من الأسباب أن تكون طريقة العلاج جديدة أو في طور التجريب العلاجي، وهناك أسباب أخرى تم رصدها على نطاق واسع تتعلق بعلاج الحالات الطارئة والتي تتطلب أسلوب المعالجة الاستعجال، وهذا يكون على حساب عوامل أخرى مهمة مثل الدقة والتحليل والكشف وغيرها من الإجراءات الطبية التي تسبق اتخاذ أي قرار علاجي، أو تتعلق بالعلاج نفسه من حيث تعقيده أو دقة الجرعات وغيرها.

وكما قال رائد أبل الراحل، ستيف جوبز: «تقع العديد من الأخطاء أثناء محاولة إحداث التجديد، من الأفضل الاعتراف بالخطأ والبحث عن مجالات أخرى للنشاط». ويمكن أن تنفع مثل هذه المقولة، ويمكن تطبيقها في عدة مجالات حياتية، مثل الاتصالات وتقنياتها، أو في مجال الطيران والمخترعات الميكانيكية بصفة عامة، أو حتى في مجال الرياضة والألعاب الذهنية والبدنية عموماً، لكنها بعيدة تماماً عن التطبيق في حقل حيوي ومهم مثل المجال الطبي، والسبب ببساطة أنه في كثير من الأحيان لا يتم الاعتراف أصلاً بالخطأ وبوقوعه فكيف بعلاجه وتلافيه مستقبلاً.

معضلة الخطأ الطبي أنه من الصعب رصده، ومن الصعب الاعتراف بوقوعه، وأيضاً من الصعب معرفته دون إجراءات محددة وطويلة، لذا يتوقع أن هناك الكثير من الأخطاء التي وقعت وذهب ضحيتها البعض من المرضى دون أن ينتبه أحد إلى أن وفاتهم كانت بسبب خطأ، وهناك من كان يمكن إنقاذ حياتهم ولكن بسبب إجراءات علاجية خاطئة لم يتم الشفاء، فحدثت الوفاة، وهناك أخطاء في رصد المرض نفسه، وتأخر في العلاج، وهو ما أدى في نهاية المطاف للموت، وهناك قائمة طويلة لأخطاء لا يمكن لغير المختصين معرفتها بعد التدقيق والمراجعة.

والذي نصل له، أن الخطأ الطبي منذ القدم وحتى اليوم واقع، ولا فكاك للبشرية منه، لكن يمكن وضع نسبته في الأقل، بالمزيد من إجراءات الرقابة، وأيضاً بسن بروتوكولات محددة وواضحة، وتبقى مهنة الطب عريقة، وتبقى للكوادر الطبية كل حب وتقدير لجهودهم، فإذا قيس التطور العلاجي أمام نقطة الخطأ الطبي، كانت البشرية هي الأسعد حظاً.