حين يلوّح الرئيس الامريكي دونالد ترامب بـ«غضب أمريكي» إن قُتل متظاهر في إيران، يتشكل أمامنا مشهد يبدو إنسانيًا في ظاهره، لكنه في عمقه سياسي انتقائي.
إنسانية انتقائية لا تتسيد المشهد.. إلا عندما تخدم النفوذ، وتتلاشى في مواقع أخرى تتطلبها بكل معنى الكلمة.
في غزة احتشدت المشاهد امام العالم كله، مشاهد تقطر انسانية، قتل جماعي، أطفال يتيتمون، ويدفنون تحت الانقاض، تدمير ممنهج، تشريد في العراء تحت قسوة البرد، جوع، حصار، ومنع للغذاء والدواء..
حينها وطوال عامين كاملين بأيامهما ولياليهما، لم نسمع توعداً وغضباً أمريكياً، بل العكس، رأينا دعماً مباشراً وغير مشروط لدولة مجرمة، أصرت وتصر على تجاهل كل نداءات العالم للتوقف عن التدمير والتهجير والقصف والقتل.
هذه الازدواجية في التعامل مع الانسانية، أقل ما يمكن ان نصفها بخرق كل القوانين الدولية وازدواجية عابرة وقاسية.
سؤال: هل نلقي مسؤولية هذا الموضوع على أمريكا.. أم على أوهامنا التي وضعناها في مكانها الخطأ، وبنيناها ونحن على يقين أنها في المكان الخطأ؟
الخطأ الاساسي الذي نقع فيه هو افتراض أن السياسة تُدار بالأخلاق، فيما الحقيقة القاسية هي أن السياسة تُدار بالقوة والمصلحة، والأخلاق تُستخدم عندما لا تتعارض معهما فقط.
لا يمكن ان ننكر أبداً ان أمريكا دولة عظمى، تمتلك القوة العسكرية والنفوذ الاقتصادي والهيمنة الإعلامية وأدوات الضغط الدولية. أما نحن فدول ذات قدرات محدودة، اعتمادنا شبه كامل على تكنولوجيا الغرب والمجالات العسكرية والاقتصاد، عوضاً عن تشتتنا وخلافاتنا السياسية وتفرقنا.
للاسف، ما يختصر مقولة «رحم الله امرأ عرف قدر نفسه»، يجب ان يكون واقعنا، ليس بمعنى «الخنوع»، بل بمعنى «الواقعية السياسية».
أعرف أن هناك من لا يتفق معي ولا مع هذه المقولة.
إذاً.. ما الحل؟
أولاً علينا التوقف عن انتظار عدالة من طرف لا يحتاجها، وان نكسر هذا الوهم، ثم ان أمريكا لن تكون عادلة معنا، لأنها ليست مضطرة لذلك. فالاستجداء في عالم السياسة لا يجدي نفعاً، وعلينا بدل ذلك تحويل خطاب الاستجداء إلى خطاب المصالح.
نعم، المصالح هي لغة السياسة في عالمنا اليوم وغداً، فالعالم لا يُصغي إلا لمن يمتلك ورقة ضغط مؤثرة.
بناء التكتلات الاقتصادية هو الوسيلة الوحيدة، التي يمكن أن تؤثر في مواجهة أمريكا وغيرها، شرط أن تكون هذه التكتلات حقيقية وليست وهمية، محاطة بتحالفات استثمارية وأدوات إعلامية قوية مؤثرة في الرأي العام.
أجمل ما أختم به مقالي، هو أن أمريكا لا تنافق.. هي تمارس مصالحها بوضوح.. وفي العلن.. وهي تمارس سياساتها انطلاقاً من مبدأ ان الإنسانية في السياسة ليست مبدأً ثابتاً، بل يتم التعامل معها وفق توازن قوى بين مصالحها ومصالحها.
إقبال الأحمد














التعليقات