مجزرة نيوزيلندا وارتفاع حدة الخطاب التركي التحريضي :

بعد مجزرة نيوزيلندا التي وقعت يوم الجمعة المصادف 15 اذار 2019 في مسجدين في مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية اثناء صلاة الجمعة ،من قبل السفاح العنصري الأسترالي ( بريتون هاريسون تارانت ) والتي راح ضحيتها نحو 50 قتيلا، إضافة إلى عشرات الجرحى. من الابرياء.

نصب اردوغان نفسه حامي حمى المسلمين والمستضعفين في العالم كعادته ، ووجه وفي إطار حملته الترويجية للإنتخابات المحلية المرتقبة في نهاية اذارالجاري نظمها ( حزب العدالة والتنمية) , وجه سهامه السامه والخطيرة والملوثة بسموم العنصرية والطائفية طبعا (لخلط الاوراق وجني مكاسب سياسية وإنتخابية بحتة )، وجه سهامه بإتجاه الدول الاوروبية وفي مقدمتهم الأمم المتحدة وقال في تصريحات خطيرة ومثيرة للقلق نقلتها وكالة الأناضول التركية يوم الاحد المصادف 17 اذار 2019 قال : (الجميع وفي مقدمتهم الامم المتحدة يصفون هجوم نيوزيلندا بانه ضد الإسلام، ولكن لايستطيعون القول إن القاتل هو إرهابي مسيحي )...!!

وهنا يتناسى اردوغان بان من نصب نفسه للناس إمامًا ووصياًوسُلْطَانًا و ثائراً لهم، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وان خطابه التحريضي هو بمثابة إشارة البدء بالهجوم المعاكس وكانما المعركة هي بين (الاسلام والمسحيين ) , وليست معركة ضد الارهاب وإنكار لحقوق الإنسان وتدمير لها، كما يفعل اردوعان في تركيا وخارجها ضد الشعب الكوردي الذي يناضل من اجل حقوقه المشروعة ...

بمعنى اخر، يتناسى اردوغان عمدًا بان السفاح الاسترالي( بريتون هاريسون تارانت ) هو وحش كاسر, مجرم فاقد للإنسانية وبلا أي ضمير, ولاعلاقة للمسيحية بوحشيته وجريمته الشنيعة، وان المعركة ليست بين الديانات أو الطوائف أو الحضارات وإنما هي بين الخير والشر، بين الإستبداد والحرية بين الاضطهاد والمقاومة، بين قوة المنطق ومنطق القوة...

نعم ..يتناسى اردوغان ان هذه الروح الامبراطوية الإستعلائية الظالمة لدى السلطات التركية ذات النزعة العنصرية التي تريد ان تفرض نفسها بالقوة على المنطقة وشعوبها هي القوة التي ستسرع في سقوطها وزوالها الابدي عاجلاً أو آجلاً ....!

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : على الرغم من قيام مواقع التواصل الاجتماعي بحذف مقطع الفيديو الذي وثق الهجوم الدامي للسفاح الاسترالي على مسجدين في مدينة كرايست تشيرش النيوزيلندية احتراماً لأرواح الضحايا ولمشاعر عائلاتهم، لماذا قام أردوغان بعرض لقطات منه امام انصاره في المدن التركية ؟ وهل يستحق عرض فيديو لمجزرة شنيعة في سبيل كسب عدد إضافي من الاصوات قبل الإنتخابات التركية المرتقبة في نهاية اذار الجاري ؟ وهل يستطيع اردوغان بعرض هذه المقاطع الشنيعة ان يعالج ازمة بلاده السياسية والاقتصادية منها معالجة الركود الاقتصادي ومشكلة إرتفاع مستوى التضحم ووقف تدهور سعر صرف الليرة أمام العملات الاجنبية ؟

يضع اردوغان رأسه كالنعامة في الرمل :

اعلن (ويليام كونولي )مواليد 2002 المعروف إعلاميا باسم (صبي البيض) بطريقته الخاصة تضامنه مع عوائل ضحايا المسجدين بعد ان كسر بيضة على راس السيناتور الاسترالي العنصري ( فريزر أنيغ ) بينما كان يتحدث ألى وسائل الاعلام في مدينة ملبورن الاسترالية بعد ساعات من الهجوم الارهابي على المسجدين بمدينة ( كرايست تشيرتش ) والذي قال : ان السبب الحقيقي وراء الهجوم هو برنامج الهجرة الذي يسمح للمسلمين بالهجرة إلى نيوزيلندا ) , اعلن (كونولي ) اعتزامه التبرع بغالبية الاموال التي تصله عبر موقع جمع التبرعات تساعدة على مقاضاة السيناتور( انيغ ) قانونيا الى مصابي وعائلات ضحايا مجزرة المسجدين في نيوزيلندا ....

وهنا امام هذا المشهد ومشاهد وحقائق كثيرة اخرى يضع اردوغان رأسه في الرمل رافضا مشاهدة واقع لا يتماشى مع خطابه العنصري متناسيا بان ( كونولي الذي يعتنق الانسانية قبل ان يعتنق المسيحية ) هو ( مسيحي ) ايضا و يحمل نفس جنسية الوحش الذي ارتكب مجزرة المسجدين...!!

نعم... يتناسى اردوغان ومن يدور في فلكه بان( الأمم المتحدة )هي التي عينت القدسية الإيزيدية والناجية من مسالخ داعش ( ناديا مراد ) سفيرة للنوايا الحسنة ، تكريما لها وتأكيدا على كرامة الناجين من الاتجار بالبشر, وإن المؤسسات السويدية والنرويجية هي التي منحتها ( جائزة نوبل للسلام ), وان الدول ( الكافرة حسب وصف اردوغان ) هي التي تمنح اليوم ( الامل ) و(حق الحياة والحرية والكرامة والعيش والمساواة )لضحايا داعش بعد ان نجوا باعجوبة من مخالب ومسالخ الارهابيين....!

نعم ...يتناسى اردوغان بان الانسان عندما يفقد انسانيته يتحول الى وحش كاسر, بل حتى وصف وحش ليس دقيق، لأن الوحوش لا تفعل ما فعله داعش ( بالاحياء والموات ).

والسؤال الذي يطرح هنا : لماذا حذر الرئيس الامريكي أردوغان من الإقدام على أي خطوة أحادية الجانب في روزافا، وطلب ضمانات منه بحماية حلفائه ( الكورد ) وعدم التعرض لهم وإلا سيتم تدمير الاقتصاد التركي ؟

اردوغان يحاول ان يسرق النصر في (روزافا) كما سرق الزيتون العفريني :

بعد ان اعلنت قوات سوريا الديمقراطية ( قسد ) يوم السبت المصادف 23 اذار القضاء التام على داعش بعد ستة أشهر من إطلاقها هجوما واسعا بدعم من التحالف الدولي بقيادة أميركية على اخر جيب لداعش في ( الباغوز ) شرقي سوريا , نشرت للراي العام الدولي والعربي والمحلي خسائرها خلال مواجهاتها التي استمرت قرابة (خمس سنوات) مع تنظيم داعش الذي اعلن في عام 2014 إقامة الخلافة الإسلامية على مناطق واسعة سيطرة عليها في سوريا والعراق وتمكن من فرض قوانينه المتشددة واحكامه القاسية في مناطق سيطرته وإثار الرعب باعتداءاته الوحشية حول العالم.

وحسب بيان رسمي لـ(قسد ) ان قواتها خسرت خلال معاركها التي استمرت قرابة( 5 )سنوات مع داعش (اشرس تنظيم ارهابي) ما يقرب من( 11 )الف مقاتل واصابة اكثر من( 21 ) الف بجراح وإصابات مستديمة .

وفي الوقت الذي رحب زعماء العالم بتحرير اخر وكر للارهاب الداعشي في ( الباغوز ) على يد( قسد )و خلفائها مؤكدين على مواصلة اليقضة تجاه خطر التنظيم، وبعد اعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب تحرير اخرمعقل لداعش متعهدا بملاحقته حتى هزيمته النهائية أينما كان , صرحت وزارة الدفاع التركية تصريحا مضحكا وهزليا جدا للتقليل من دور وبطولات ( قسد ) من جهة، و لمحاولة سرقة النصر وتشويه الحقائق من جهة ثانية , حيث نشرت في بيانها المضحك عبر موقها الالكتروني بان : القوات المسلحة التركية هي الجيش (الوحيد) الذي خاض قتالا مباشرا ضد داعش وحققت الامن والسلام في المنطقة التي تمت السيطرة عليها بعملية ( درع الفرات وغصن الزيتون ).

وهنا تناست تركيا ايضا بان هناك وثائق وافلام واعترافات تؤكد بان تركيا ليست فقط لم تساهم في دحر داعش، وانما سهلت دخولعناصره عبر اراضيها إلى سوريا , وهنا اُشير إلى وثيقة أثبات واحدة تجنباً للإطالة , نشرت الوثيقة في مجلة ( Intelligence Online )(1 ) في ابريل 2017،الفرنسية و المتخصصة في شؤون الاستخبارات ، وحسب المجلة ـ قدرت عدد الأجانب الذين انضموا الى صفوف داعش عبر (البوابة التركية ) بنحو (30 ألف )ارهابي أجنبي خلال (2016 ) فقط...!

اضافة إلى وثائق دامغة اخرى عثرت( قسد) بعد سيطرتها على مدينة( منبج) شمالي سوريا في يناير 2017، تؤكد دعم( أردوغان) لتنظيم داعش الإرهابي،وذالك عبر تسهيل عبور مقاتليه الى سوريا و نقل الأسلحة والمعدات لهم (1 ).

السؤال الملح هو : ما هو مصير عشرات الألاف من اسرى داعش في روزافا، وهل ينفذ دونالد ترامب إقتراح الإدارة الذاتية في روزافا بإنشاء محكمة دولية لمحاسبة الارهابيين في مسرح الجريمة ؟

لاسبيل أمام خصوم الحرية إلا الانحناء:

بعد وقوع مجزرة المسجدين مباشرة أفتتحت رئيسة وزراء نيوزيلندا (Jacinda Kate Laurell Ardern) جلسة طارئة للبرلمان بتحية (السلام عليكم) ونطقتها بالعربية، بعد ان استمعت لأهالي الضحايا باهتمام بيّن وبوجه يعتصره الألم ويدين متشابكتين وهي تردي الحجاب الإسلامي أثناء زيارتها لمركز للاجئين بمدينة كرايست تشيرش التي وقعت فيها مجزرة المسجدين معلنة عن تقديم الدعم اللازم لأهالي الضحايا والوقوف إلى جانبهم، مؤكدة على أهمية الحرية في نيوزيلندا ومحاربة الارهاب ومُكافحة التطرف الفكري الناتج عن (الجهل والعنصرية والكراهية )و التي تتحول إلى ارهاب ممنهج .

خلاصة القول : لا سبيل أمام خصوم الحرية إلا الإنحناء أمامها، وان التصريحات العنصرية والتحريضية الصادرة من وكرالإخوان الهدامة ستفشل في النهاية، وان تجارب الدول اثبتت بان القائد الناجح هو الذي يوفر لشعبه كافة سبل الراحة والعيش الكريم والتقدم والازدهار بدل القتل والنهب وتدمير الوطن وإنتهاك حرمة الشعب وإلقاء الخطب الرنانة وإستخدام القوة وشن الغزوات واغتصاب أراضي الغير بالقوة تحت ذريعة محاربة (الارهاب) كما يفعل اردوغان في العراق وسوريا .

نعم..القائد الناجح هو الذي يقف مع شعبه وشعوب اخرى مسالمة لمحاربة الارهاب و العنف ونبذ العنصرية بالضبط كرئيسة وزراء نيوزيلندا، وليس كسلطان الدجل والنفاق والخداع .

ويبقى السؤال الاخير: بعد ان دحرت قوات سوريا الديمقراطية الإرهاب وأنهت ميدانيا ما كانت تسمى بـ(الدولة الإسلامية في العراق والشام ـ داعش ), هل تبادرامريكا بفتح حوار بناء وعملية تفاوض جوهرية باشراف دولي ما بين السلطة في دمشق ومجلس سوريا الديمقراطية للوصول الى حل سياسي للأزمة السورية؟

انتهى