أسامة العيسة من القدس: أوقفت السلطات الإسرائيلية الحاخام اليهودي موشيه هيرش، الذي يشغل منصب وزير خارجية جماعة ناطوري كارتا المؤيدة لإقامة دولة فلسطينية على كامل التراب الفلسطيني . وتتهم السلطات الإسرائيلية، هيرش لأنه يرفض دفع مبلغ مستحق عليه لدولة إسرائيل تقدره مؤسسات هذه الدولة بنحو ال 200 دولار، مما جعل عددا من المراقبون يتهمون هذه السلطات بمحاولة الانتقام ممن تطلق عليه الصحافة الإسرائيلية (حاخام عرفات) لارتباط هيرش بعلاقة وثيقة مع ياسر عرفات، الزعيم الفلسطيني الراحل.

وتتركز جماعة ناطوري كارتا في حي مئة شعاريم، بالقدس، وفي دول أخرى خصوصا أميركا، ونشطائها يشاركون في كل تظاهرة ضد إسرائيل، ويحتفلون بأعيادهم بحرق الأعلام الإسرائيلية، كما يحدث كل عام في حي بروكلين. ويؤمن أفراد هذه الحركة بأنه لا يجب أن يكون لليهود دولة لهذا لا يعترفون بدولة إسرائيل، ويعتبرونها وبالا على اليهود، وتصدر الحركة جوازات سفر لأعضائها، هي في الواقع رمزية، كجزء من مناهضتهم لوجود دولة إسرائيل. وخلال السنوات التي أعقبت الاحتلال في حزيران (يونيو) 1967، طور أفراد هذه الجماعة وخصوصا هيرش علاقات مع الفلسطينيين، الذين لا يفصلهم عنهم سوى المنطقة التي كانت فاصلة بين القدس الغربية والقدس الشرقية، قبل الاحتلال، وبعده أصبحوا يقطعون هذه "المنطقة الحرام" ليلتقوا بالفلسطينيين الذين يعتبرون أنفسهم جزءا منهم.

ومع مرور السنوات برز دور الحاخام هيرش في نسج علاقات مع شخصيات فلسطينية محسوبة على منظمة التحرير، وقاد حملة إعلامية للتعريف بحركته ومعاداتها للصهيونية ولدولة إسرائيل، ووثق علاقته مع ياسر عرفات، وكان هيرش وجماعته يجدون الأعذار دائما لعرفات أو احد من القادة عندما كانوا يبدون تساهلا بالاعتراف بوجود إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية بجانب إسرائيل التي يعارضها هيرش ورفاقه من حيث المبدأ وكجزء من عقيدة الجماعة الدينية.
وتحدى هيرش وأفراد من جماعته القانون الإسرائيلي الذي كان يحظر على أي إسرائيلي لقاء شخصيات من منظمة التحرير، ولكن لم تتخذ الحكومة الإسرائيلية أي إجراء ضده، وتعامل الأعلام الإسرائيلي مع هيرش وجماعته طوال سنوات بشكل سلبي وإقصائي يقوم على النبذ وتجاهل نشاط هذه الجماعة أو حتى وجودها.
وبعد اتفاق اوسلو الذي تبادل الطرفان الرسميان الإسرائيلي والفلسطيني فيه الاعتراف، وأصبح وجود سلطة فلسطينية أمرا واقعا شعر هيرش ورفاقه أن الفرصة جاءت أخيرا لكي يجدوا تعبيرا سياسيا عن حركتهم، ففاوضوا صديقهم عرفات ليكون هيرش وزيرا في الحكومة الفلسطينية، ولكن عرفات الذي تشجع في البداية للاقتراح، زان الأمور كسياسي محترف ورأى أن أي خطوة غير محسوبة كهذه يمكن أن تغضب الشريك الإسرائيلي، الذي لا يستطيع عرفات تحمل غضبه، وان اضطر لإغضابه فليكن على أمر أخر اقل حساسية من وجود حاخام يهودي يعيش وطائفته في القدس الغربية وزيرا في الحكومة الفلسطينية.
وخابت آمال هيرش ولكن ذلك لم يزحزح اعتقاده ولو للحظة بان عرفات هو رئيسه وبان السلطة الفلسطينية محدودة الصلاحيات هي في النهاية سلطته حتى قيام دولة فلسطينية بين البحر المتوسط ونهر الأردن.
عندما وصل عرفات إلى مشفى بيرسي العسكري في إحدى ضواحي باريس، أثناء مرضه المميت وصل بعده بقليل رجال دين يهود من دول أوربية حملوا الأعلام الفلسطينية ووضعا الكوفيات الفلسطينية على أكتافهم واخذوا بالصلاة من اجل شفاء ما اعتبروه رئيسهم، ولم يكن هؤلاء سوى أعضاء في حركة ناطوري كارتا.
وكان هؤلاء الأكثر التزاما من بين مؤيدين لعرفات اعتصموا خارج المستشفى، طوال فترة وجوده فيها، حتى وفاته وعودة جثمانه إلى القاهرة وثم إلى رام الله، حيث كان أفراد الطائفة في الانتظار.
وخلال أيام العزاء بعرفات التي حددتها السلطة الفلسطينية في مقر المقاطعة في رام الله، وصل وفد كبير من الرجال الذين يلبسون الملابس الدينية اليهودية يحملون الأعلام الفلسطينية، وصور عرفات، ويضعون على أكتافهم كوفيات فلسطينية تحمل صور عرفات، وكان يتقدم هؤلاء الحاخام موشيه هيرش.
وأحدث هؤلاء في أثناء دخولهم ضجة، وما أن جلسوا على المقاعد، حتى طلبوا حق الكلام، وكان الطيب عبد الرحيم أمين عام الرئاسة تشدد في عدم السماح لأحد بإلقاء خطب لان ذلك سيفتح بابا من الصعب إغلاقه لكل شخص يريد أن يؤبن الرئيس. وأمام ضغط هؤلاء اليهود، أعلن عبد الرحيم أن ممثلا عنهم سيلقي كلمة وان ذلك سيكون استثناء، ولن يسمح لأحد بعدهم بإلقاء كلمات أو قصائد شعرية كما طلب الكثيرون.

ووقف احد كوادر حركة ناطوري كارتا من الشباب أمام الميكرفون بينما جلس هيرش في مقعده بين قادة السلطة الفلسطينية، وألقى هذا الكادر المعتمر الكوفية الفلسطينية فوق لباسه الديني كلمة حماسية عن "رئيسنا الراحل الوفي ياسر عرفات"، وهاجم الصهيونية بشدة وسط تصفيق في بيت العزاء. وخلال أيام العزاء واصل أفراد ناطوري كارتا زيارة قبر ياسر عرفات في المقاطعة وإقامة الصلوات عليه. وعندما بدأت إجراءات انتقال السلطة، ورشح محمود عباس (أبو مازن) نفسه، حاول أفراد ناطوري كارتا المشاركة في الانتخابات على طريقتهم، ففي حين أيقنوا انه لا يحق لهم الانتخاب، فضلوا المشاركة في الحملة الانتخابية، وأعلنوا دعمهم لأبي مازن كمرشح للرئاسة وحملوا الأعلام الفلسطينية والملصقات التي تدعوا لانتخاب أبو مازن في رام الله وفي المقاطعة، وعندما أعلن نجاح أبو مازن لمنصب الرئاسة أعلنوا بدورهم انه رئيسهم الجديد. ولهذه الأسباب، على ما يعتقد، أبدت الصحف الإسرائيلية شماتة عندما وقع (حاخام عرفات) أخيرا في قبضة السلطات التي ستفرج عنه لاحقا، ولكن هذا لن يمنع من أن يكون هيرش خلال الأيام المقبلة موضوعا مفضلا لهذه الصحف.