بلغراد: ما زالت صربيا بعد خمس سنوات من سقوط نظام سلوبودان ميلوشيفيتش المتسلط تبحث عن وجهة تسلكها خاصة وان التيار القومي الذي ورث الرجل القوي في يوغوسلافيا السابقة يكبح تطلعاتها الاوروبية.وفي الخامس من تشرين الاول/اكتوبر 2000، نزل عشرات الاف الاشخاص الى الشارع للمطالبة برحيل ميلوشيفيتش الذي كان يرفض الاقرار بهزيمته في الانتخابات الرئاسية. ويحاكم الرئيس اليوغوسلافي السابق بتهمة الابادة في محكمة الجزاء الدولية في لاهاي (هولندا) التي سلم اليها عام 2001 على خلفية دوره في الحروب التي مزقت يوغوسلافيا في التسعينات.
وفتح سقوط ميلوشيفيتش الباب امام الاصلاحات التي جسدها خاصة رئيس الوزراء زوران دنجينجيتش الذي عمل جاهدا وبوتيرة سريعة على تحديث البلاد واضعا امامه هدف انضمام بلاده الى اوروبا.
الا ان دجينجيتش اغتيل في اذار/مارس 2003 ضمن مؤامرة ما زالت ابعادها غير واضحة حتى الآن، وتشهد الساحة الصربية اليوم تصاعدا للتيار القومي وتباطؤا في وتيرة الاصلاحات.
اما رئيس الوزراء الحالي القومي المعتدل فوييسلاف كوشتونيتسا، فهو يحاول ان يجمع بين النهجين الاصلاحي والقومي الا ان هذه العملية ينتج عنها بطء يلقي بثقله على كاهل البلاد وتطورها.
واذ يحظى الحزب الصربي الراديكالي ب82 مقعدا في البرلمان البالغ عدد مقاعده 250، يقوم كوشتونينيتسا من حين الى آخر بالتحالف مع الحزب الاشتراكي الصربي بزعامة ميلوشيفيتش.
ووجود هذه الضغوطات القومية المتصاعدة يفسر تاخر اعلان اعتراف رسمي في بلغراد بالجرائم التي ارتكبها الصرب خلال حروب البلقان في التسعينات التي ادت الى تقسيم يوغوسلافيا.
الا ان كوشتونيتسا تمكن منذ نهاية العام الماضي من تسليم حوالى 15 صربيا من صربيا او من من البوسنة، الى محكمة الجزاء الدولية للاشتباه بهم بجرائم حرب.
الا ان المسؤولين الاساسيين عن مذبحة سربرينيتسا التي قضى فيها ثمانية الاف مسلم في تموز/يوليو 1995، ما زالا فارين وهما قائدا صرب البوسنة السياسي رادوفان كرادجيتش والعسكري رادكو ملاديتش، وهما يحظيان بحماية في صربيا حيث يعتبرهما قسم من السكان بطلين قوميين.
وبالرغم من ان صربيا ستبدأ قريبا عملية محادثات طويلة الامد مع الاتحاد الاوروبي قد تقودها في النهاية الى الانضمام اليه، الا ان الانضمام لن يكون ممكنا اذا لم يتم تسليم كرادجيتش وملاديتش تماشيا مع مطالب المجتمع الدولي.
والمشاعر القومية المترسخة في تاريخ صربيا، هي ايضا مفتاح المقاربة الصربية لمشكلة اقليم كوسوفو الذي سيتم البحث في وضعه النهائي قبل نهاية هذا العام.
وفيما يطالب سكان كوسوفو، وهم البانيون بنسبة 90%، بالاستقلال عن بلغراد، ما زالت هذه الاخيرة تتمسك بسيادتها على هذا الاقليم مهما كان الثمن بالرغم من ان سيادتها اصبحت شكلية فقط منذ ان اوكلت الامم المتحدة بادراة هذا الاقليم منذ نهاية الحرب التي نشبت فيه عامي 1998 و1999.
ولكن السلطات الصربية، وكذلك القسم الاكبر من الصرب، يعتبرون كوسوفو مهدا للامة الصربية وبالتالي لا يمكنهم التخلي عنه.
وجاء في تحليل نشره مؤخرا معهد الدراسات الامنية في الاتحاد الاوروبي انه "بعد خمس سنوات من سقوط ميلوشيفيتش ما زلنا لا نعرف اي وجهة سلكت صربيا، حتى اننا لانعرف ما هي صربيا او اين هي".
وحتى ولو بدا ذلك كاريكاتوريا، يجب ايضا طرح الوضع الصربي من زاوية كون الاتحاد الذي اعلن بين صربيا ومونتينغرو عام 2003 على انقاض يوغوسلافيا، مستقبله هو ايضا ليس اكيدا.
ولا يعتمد هذان الكيانان عملة واحدة ولا نظاما جمركيا واحدا اضافة الى ان الحزب الحاكم في مونتينغرو يرغب بالاستقلال.
والافاق بالنسبة لصربيا تبدو اكثر سوادا عل المستوى الاقتصادي مع نسبة بطالة تصل الى 40% ومع مدخول شهري للشخص الواحد يبلغ حوالى مئتي يورو.