خلال يوم طويل شهدته الأيام الأخيرة لعهد الرئيس اللبناني سليمان استكمال ملف مصالحة الجبل بين المسيحيين والدروز، وعودة المهجرين المسيحيين إلى قرية بريح الشوفية ذاك الملف العالق منذ أيام الحرب والذي كان البطريرك الماروني السابق بدأه قبل أكثر من عقد.
رسائل عدة تخللت يوم المصالحة الطويل الذي بدأ في بريح فالمختارة فديرالقمر، إذ وجّه جنبلاط انتقاد للمتدخلين في الأزمة السورية عبر مديحه لإعلان بعبدا كما طالب الرئيس سليمان الفرقاء (في إشارة إلى حزب الله) إلى الانسحاب من دول الجوار، بدوره تمنى البطريرك الماروني بشارة الراعي أن يواصل الرئيس الجديد نهج سلفه سليمان.
اختتم رئيس الجمهورية اللبناني ميشال سليمان عهده بمصالحة ستدخل صفحات التاريخ، إذ بادر اليوم الى ختم آخر جروح الحرب الاهلية العبثية، وتوجه عشية مغادرته قصر بعبدا، إلى بريح، راعيًا مصالحة بين اهالي البلدة، ومعززًا مفهوم العيش المشترك كركيزة اساسية لبناء مستقبل الوطن.
وفي مشهد أعاد الى الاذهان صورة مصالحة الجبل التاريخية التي قادها البطريرك الماروني السابق الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير ورئيس الحزب "التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط عام 2001، احتضن الجبل بحفاوة سليمان، والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي.
وصل رئيس الجمهورية اللبناني عند الحادية عشرة الى مكان الاحتفال في بلدة بريح، حيث استقبل بعرض فولكوري ورش الورود قبل أن يصافح الحضور، وفي مقدمهم& بطريرك انطاكية وسائر المشرق للموارنة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي وشيخ عقل الموحدين الدروز نعيم حسن ومفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو والمفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان ووزيرة المهجرين اليس شبطيني، والنائب وليد جنبلاط والسفير البابوي غابريال كاتشيا ورجال دين وعدد من النواب وفاعليات المنطقة وحشد من الاهالي.
بعد ذلك، انتقل الرئيس سليمان والحضور الى كنيسة مار جريس، حيث تم وضع حجر الاساس لاعادة اعمار الكنيسة، قبل ان ينتقل الى دار بريح (بيت الضيعة) ويقص الشريط، لينتقل بعد ذلك ويضع حجر اساس اعادة اعمار كنيسة مار الياس.
&
وظهرًا، لبى رئيس الجمهورية دعوة الى مأدبة غداء اقامها النائب جنبلاط على شرفه، واحتفاء بانجاز المصالحة، في دارته في المختارة بحضور السفير البابوي ورجال دين وعدد من الوزراء والنواب وفاعليات المنطقة.
&
ومن المختارة، انتقل رئيس الجمهورية الى المقر الصيفي& لرئاسة الجمهورية في بيت الدين، حيث استقبل وزراء الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، الخارجية والمغتربين جبران باسيل، التربية الياس أبو صعب، الشباب والرياضة العميد عبد المطلب الحناوي، والمهجرين اليس شبطيني، والوزير السابق مروان شربل.
&
راى رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان خلال جولة المصالحة الشعبية في الشوف "ان هذا اللقاء هو لقاء التاريخ المشترك. وبعد 21 عامًا من التهجير والهجرة حلت لحظة اللقاء. استخدمت الارض اللبنانية ساحة حرب بالوكالة، والادهى ان اللبنانيين كانوا دومًا الضحية". ودعا الى "ضرورة الابتعاد عن صراعات المحاور الخارجية والإقلاع عن وهم الاستعانة بالخارج لتحقيق الغلبة في الداخل، واؤكد التمسك باعلان بعبدا كاطار وطني، ووثيقة مؤيدة من الامم المتحدة والجامعة العربية".
جنبلاط: الاعتدال يثبت صوابيته
أما النائب وليد جنبلاط فأكد في كلمة القاها في بريح "اننا نختم اليوم الجرح الاخير من حرب الاخرين على ارضنا"، وقال متوجها الى رئيس الجمهورية: "معكم نفتح صفحة جديدة من العيش المشترك المبني على طي صفحة الماضي بما يمثله من احقاد في هذا اليوم تختمون عهدا حافلًا بالنجاحات والمخاطر التي قل نظيرها لقد استطعتم قيادة السفينة، لقد وضعتم صياغة اسس واضحة للسياسة الدفاعية ترسي امرة الدولة فوق كل اعتبار، عنيت به اعلان بعبدا، اما وقد وصلنا الى الاستحقاق الرئاسي ووسط انقسام في البلاد على حساب المصلحة الوطنية فاني اقول ان خيار الوسطية والاعتدال والحوار يثبت يومًا بعد يوم صوابيته في مواجهة دوامة تناحر الأضداد".
وتوجه الى الراعي قائلًا: "ان وجودكم خطوة مباركة وجبارة في سياق استكمال مسيرة سلفكم الصالح البطريرك صفير. اثمّن جهودكم في حفظ الارض وصونها"، مشيرًا الى "ان الوجود المسيحي في لبنان والشرق ضرورة".
وأعاد الرئيس اللبناني سليمان التمسك بالثوابت الوطنية التي تم الاتفاق عليها على طاولة الحوار وفي مقدمها "اعلان بعبدا". فدعا الى تحييد لبنان عن النزاعات الاقليمية، والابتعاد عن الاستعانة بالخارج لتحقيق غلبة في الداخل، مضيفا "حفاظاً على صحّة العقد الوطني، اناشد بواجب العودة الى لبنان، والانسحاب من ساحات الجوار، تلافياً لانعكاساتٍ لاحقة على الجسم اللبناني، في وحدته ونسيجه". واعتبر سليمان ان من شأن الالتزام بـ"اعلان بعبدا" المتمم للميثاق الوطني، التخفيف من تأثير التحوّلات التاريخية، التي تعصف بمحيطنا العربي وخصوصاً سوريا".
السلاح للجيش فقط
وقال "لقد تعاهد اطراف هيئة الحوار جميعاً، بالرضى التام، على هذا الاعلان. والوطن لا يقوم إِلا بما يتعاهد اهله عليه، بينما يتهدّده الخطر، عندما يُخلُّ احد الاطراف بالعهد من طرفٍ واحد". وتطرق رئيس الجمهورية الى موضوع السلاح غير الشرعي، فقال "الدولة الواحدة، بجيشها الواحد، الذي يمسك وحده بالسلاح وعناصر القدرة من ضمن استراتيجية وطنية للدفاع، هي القادرة على الدفاع عن الوطن". وذكّر سليمان ان "جلسة الحوار الاخيرة، شهدت حسماً لما يتم تداوله عن مؤتمر تأسيسي، بالتأكيد على استكمال تطبيق الطائف، والحفاظ على المناصفة".
أما كلمة الراعي في المناسبة، فطبعها حرص بكركي على اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، كما تخللتها مواقف بدت كعرفان وتقدير لأداء رئيس الجمهورية في عهده. فقال "نحن بحاجة الى رئيس للجمهورية يواصل خط الرئيس سليمان، ويبدأ من حيث وصل، ويتميز بالتجرد من أي مصلحة خاصة وبالمصداقية. نريد رئيسًا يكمل مسيرة سليمان ويقود مسيرة المصالحة الحقيقية التي تنتهي معها حرب المصالح الخاصة والشخصية"، مردفا "ننتظر برجاء من المجلس النيابي ان يقوم بواجبه وان ينتخب رئيسا قبل 25 أيار".
بيضة القبان
في المحطة الثانية المختارة التي انتقل الوفد إليهها من بريح حيث، كان استقبال سياسي وشعبي حاشد أعدّه جنبلاط على شرف الرئيس سليمان، وقد قال فيه جنبلاط إنه من "الرجال الرجال". بدوره، رد سليمان ممازحًا "جنبلاط "بيضة القبان"، والبلد يحتاج بيضتين، بيت الدين (مقر الرئاسة الأولى الصيفي) والمختارة. في سياق آخر، أكد ان على رئيس الجمهورية الجديد الاستمرار في التعاون خصوصاً مع "حزب الله" انما ضمن الاستراتيجية الدفاعية.
بعد مرور 37 عاما على التهجير، ونحو سنتين على اتفاق العودة، ها هي بلدة بريح الشوفية تطوي جرحا أليما بتحقيق عودة ابنائها المسيحيين اليها، باحتفال حاشد اقيم في ساحة البلدة وسط زغاريد النسوة ونثر الورود ابتهاجا بالمصالحة المنتظرة برعاية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وحضوره الى جانب البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي والنائب وليد جنبلاط ووزيرة المهجرين أليس شبطيني.
وفيما شهدت ساحة البلدة مهرجانا ضم نوابا ووزراء حاليين وسابقين، ورجال دين وقضاة وحشد من الفاعليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والحزبية وابناء البلدة، القيت كلمات أثنت على هذه المناسبة وعلى اهميتها.
لخلف يواصل دور السلف
ومن بريح، دعا البطريرك الراعي النواب الى القيام بواجباتهم وانتخاب رئيس للجمهورية يوازي خط الرئيس سليمان الميثاقي. فيما طالب رئيس الجمهورية "بتنفيذ مقررات الحوار كافة، مناشدا بواجب العودة الى لبنان، والانسحاب من ساحات الجوار".
وكانت المحطة الاولى ساحة بلدة بريح، التي وصلها رئيس الجمهورية عند الحادية عشرة، فالقت الوزيرة شبطيني كلمة جاء فيها "اننا نختم جرحًا من جراح الحرب الاهلية الاليمة ونشهد على اعلان هزيمة التفرقة وانتصار الوحدة الوطنية والعيش المشترك".
وقالت "وزارة المهجرين باتت اليوم وزارة العودة من خلال جهود مضنية قام بها وزراء مرّوا في هذه الوزارة قبلي، وكان لهم الفضل الكبير لما وصلنا إليه من إعطاء الحقوق لأصحابها ودفع التعويضات ولو خجولة لمستحقيها، والتي أتت كمساعدة من الدولة ضمن إمكانياتها في ورشة إعمار ما تهدم مع اننا نعلم ان المطلوب اكثر بكثير لا سيما على صعيد قرى المصالحات التي تتطلب معالجات اسثنائية أيضا".
وختمت متوجهة الى رئيس الجمهورية "لن نقول لكم وداعا فأنتم وإنجازاتكم الكبيرة باقون في البال والوجدان وسيبقى وليد بيك وفيا كعادته لمواقف فخامتكم الوطنية ناشطا لترسيخ السلم الاهلي بحكمة واعتدال".
وتوجّه جنبلاط الى رئيس الجمهورية بالقول "نقفل معكم يا فخامة الرئيس صفحة سوداء من صراع عبثي فرّق ومزّق بين أفراد العائلة الواحدة في هذه القرية الشوفية الوديعة بريح. معكم نفتح صفحة جديدة من العيش المشترك المبني على الاحترام المتبادل للرأي والرأي الآخر وعلى تثبيت التنوّع ضمن الوحدة وعلى طي صفحة الماضي بما تمثله من آلام ومآس وأحقاد وعلى فتح صفحة المستقبل بما تعنيه من انفتاح وتلاق ومحبة".
حسرة إعلان بعبدا
وتابع "لقد وضعتم وشاركناكم في صياغة أسس واضحة للسياسة الدفاعية من اجل حماية لبنان فقط ترسي امرة الدولة فوق كل اعتبار عنيت به اعلان بعبدا، ونحن نعلم ان حسرتكم كبيرة لكوننا جميعا لم نتمكن من ترجمته عمليا نتيجة الظروف التي جعلت من لبنان جزءا من محور عربي وإقليمي حال دون تطبيقه".
وتوجه الى البطريرك الراعي قائلا "أثمن جهودكم في حفظ الارض وصونها وضرورة ان تتخذ تلك الجهود أشكالا منظمة كي نحافظ وإياكم مع سائر مكونات المجتمع اللبناني المتنوّع على التعددية التي طالما ميّزت لبنان".
وقال الراعي "في وضع الحجر الاساس لكنيستين في هذه الرعية العزيزة وفي إطار المصالحة الشاملة وفي بريح العزيزة، فإننا نذكر المسيحيين بأن المصالحة هي رسالتهم الجوهرية على ما يقول بولس الرسول:"إن الله صالح العالم مع نفسه بالمسيح وأودعنا كلمة المصالحة نحن سفراء المسيح للمصالحة فتصالحوا مع الله" إذا، لنبني أيها الاحباء المصالحة الروحية والاجتماعية والسياسية ليلم لبنان وطن الشركة والمحبة وهكذا نعيش بفرح وسعادة ونرضي الله والضمير صوت الله في أعماقنا".
وكان شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز الشيخ نعيم حسن شارك في لقاء المصالحة في بريح قائلا "صحيح اننا نقف فوق رماد التاريخ، ولكن بعونه تعالى استطاعت عيوننا ان ترى زنابق الحقل، صحيح اننا نعبر التجربة المفجعة لقسوة القلب، ولكن بعونه تعالى الى رحب الحقل الانساني الجامع، قدرنا ان نعيش في هذا الوطن وقد حققنا مصير العيش فيه، وظللتنا امارة الجبل التي جمعت في غالب الاحيان جميع الطوائف عبر مئات السنين.
لم نقمع
واعلن الرئيس سليمان ان جنبلاط وقف الى جانبه في زمن قيادة الجيش، حيث كان هناك تعاون في التظاهرات الكبرى، وقد استطعنا الحفاظ على حرية التعبير ولم نسمح باضطراب امني، حيث كان القرار السياسي قمع المتظاهرين، فكان لنا رأي آخر وهو ان الدستور يسمح بحرية التظاهر، فلم نقمع المتظاهرين، بل حفظنا الامن، فلا يمكن للقرار السياسي ان يتجاوز الدستور، فالقرار السياسي عندما يصدر، يهدف الى حفظ الامن، ونحن استطعنا الحفاظ على الامن ولكن سمحنا كذلك بما ينص عليه الدستور وهي حرية التعبير للمواطنين من الطرفين وليس من طرف واحد.
وتابع "ايضا وقف وليد جنبلاط الى جانبي في الازمات الكبرى، عندما اشترك الجيش في حرب تموز وعندما قدت شخصيا 15 الف جندي الى الجنوب بعد 36 عاما من فراغ الجنوب من الدولة اللبنانية ومن الجيش اللبناني، وهنا كان الفضل للجميع في محاربة العدو وعلى رأسهم المقاومة المدعومة من الجيش ومن كل الشعب اللبناني".
وقال "وقف وليد جنبلاط الى جانبي والى جانب الجيش في نهر البارد وكانت محطة مفصلية مهمة في تاريخ لبنان، وعندها لو لم يضحِ هؤلاء الابطال الجنود والضباط بدمائهم لكان ذهب الجيش وذهبت قوى الامن وذهبت الدولة بكاملها من لبنان، وقد زرت الجبل مرارا وحضرت مآتم الشهداء من ضباط وجنود في الجبل وفي الاقليم، وفي كل ارجاء لبنان وهنا كان ايضا الجبل بزعامة وليد جنبلاط يقف الى جانبي بجرأة وشجاعة. هناك من يقفون مع الحق ولا يجرؤون بالنطق به، وكافة الاديان تنص على المجاهرة بالايمان، فاذا كنا نؤمن بالدولة يجب ان نجاهر ولا نختبئ مراعاة لاي طرف كان".
بعدها صعد الجميع الى دارة جنبلاط في المختارة حيث اولم جنبلاط على شرف الرئيس سليمان والبطريرك الراعي دعي اليها العديد من القيادات السياسية الرسمية والوفود والمسؤولون الروحيون.
من المختارة، انتقل رئيس الجمهورية الى المقر الصيفي لرئاسة الجمهورية في بيت الدين حيث استقبل وزراء الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، الخارجية والمغتربين جبران باسيل، التربية الياس بو صعب، الشباب والرياضة العميد عبد المطلب الحناوي، والمهجرين اليس شبطيني، والوزير السابق مروان شربل. بعدها توجه الرئيس سليمان الى دير القمر حيث وضع حجر الاساس لمستشفى سليمان الحكومي.
عون وقاسم!
سجل الحفل هفوات اهمها زلة لسان النائب جنبلاط اثناء إلقائه كلمته، حيث قال: نرحب برئيس البلاد ميشال عون، ضاحكا، وقائلا: عفوا، هذا خطأ، انه خطأ من كثرة ما نحلم به بالليل، وليس لكي يأتي رئيسًا".
كما رحبّت الوزيرة شبطيني بشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز فذكرت اسم "نعيم قاسم" بدلا من "نعيم حسن" (نائب أمين عام حزب الله).
&



















التعليقات