اعتبر نفسي، مثل زملاء آخرين كثر، من المهتمين بالعملية التعليمية المعمارية. ومع أنى، الآن، “خارج" تلك الممارسة التي مارستها لعقود من السنين، فاني لازلت اعد نفسي جزءًا منها، متابعا شؤونها ومساهماً قدر الإمكان فيها. وكل ما اكتب، وكل ما انشر وألف يبتغي هدفا اساسيا، هو الإضافة المعرفية لهذا الحقل النبيل، والمفيد، والمثير...ايضاً. &من ضمن اهتماماتي الاكاديمية، يدخل متابعة تقييمات المدارس المعمارية عالمياً. اعرف بان مثل تلك التقييمات، تبدو أحيانا (تبدو في الكثير منها!) غير موضوعية، لا تخلو من نوازع "آخرى" يراد بها تمرير "أمور" قد لا تكون معنية بالشأن الأكاديمي. ورغم ذلك، فانا جد متابع لها واتوق الى معرفتها والاطلاع عليها. اذ اعتبرها احدى الفرص المتاحة لأدراك تراتيبيات المدارس المعمارية وتصنيفها في العالم، والتي تتيح لي، وللآخرين، إمكانية تكوين انطباع عام لما يجري في الساحة التعليمية العالمية.
تعد مؤسسة "كواكارلي سيمنز" Quacquarelli Symonds، التي تعمل في حقل التقييمات الجامعية (بضمنها المدارس المعمارية)، بكونها المؤسسة التي لها حضور خاص ضمن المؤسسات المهتمة في هذا الحقل. وهذه المؤسسة أسسها (مع شريكه سيمنز)، "نونسيو كواكارلي" Nunzio Quacquarelli &وهو بريطاني، انهي تعليمه في الجامعات البريطانية والأمريكية، ويعود تاريخ تأسيسها الى أوائل تسعينات القرن الماضي، كما يعتبر مديرها العام، ومقرها الان في المملكة المتحدة.&
تعتمد المؤسسة في تقييماتها على معايير محددة، أعدها مختصو المؤسسة؛ وهي ذات "اوزان" معلومة تمنح لكل معيار من تلك المعايير على حدة، وهذه المعايير، وفق تقييمات المؤسسة عددها ستة، وقد راعت تلك المعايير أربعة شروط أساسية، تمثلت في النشاط البحثي، واعداد المناهج التدريسية، وإمكانات فرص العمل للخريجين، فضلا على أهمية العلاقات الدولية التي تتمتع بها هذه المدرسة او تلك. ومن اجل ذلك فقد اجرى مختصو المؤسسة التقييمية، لقاءات عديدة مع ارباب العمل، والكادر التدريسي، وكذلك اجراء حسابات نسبة الطلبة الى التدريسين، وعدد الأبحاث المنشورة، وعدد الطلبة والأساتذة الأجانب. وبالإمكان إعطاء تصور عن نوعية المعايير التي أرستها المؤسسة التقييمية، واهمية كل منها، بالإضافة الى تحديد "وزنها" وفقا لرأي المؤسسة إياها. وهذه المعايير هي:
أولا-السمعة الاكاديمية (40%)؛ وهذا المعيار يمكن تحديده من خلال مسوحات عديدة، يتم بها استفسار الاكاديميين من خلاله، بتحديد المؤسسة التعليمية وتعريفها، التي يمكن في اعتقادهم بانها افضل موقع عمل في حقل اختصاصها وفي خبرتها. وجرى استفتاء عدد كبير من المشاركين الأكاديميين (بلغ حوالي 77000 مشارك في جميع انحاء العالم في العام الاخير). علما بان المشاركين في هذا الاستفتاء لا يحق لهم التصويت لجامعاتهم، توخيا للدقة والمصداقية.&
ثانيا-سمعة التشغيل وفرص العمل (10%)؛ وهذا المعيار معني في الاستفسار من ارباب العمل لتحديد المؤسسات التعليمية، التي تعتبر الأفضل في اعداد وتأهيل الخريجين لسوق العمل.
ثالثا-العلاقة ما بين نسبة مجموع الطلبة الى التدريسين (20%)؛ وتحدد بحسابات بسيطة، تتعلق ما بين عدد التدريسيين العاملين في المؤسسة التعليمية الى عدد الطلاب المسجلين. وبغياب المقياس المعياري العالمي (رغم وجود عدة دراسات معنية في هذا المجال)، فان هذا المعيار بمقدوره ان يلعب دورا مؤثرا في تحديد نوعية المؤسسة التعليمية.
رابعا-عدد الاستشهادات والاقتباسات للمؤسسة التعليمية (20%)، وهذا المؤشر يختص في حساب عدد الاستشهادات التي يمكن احصائها بذكر اسم هذه المؤسسة التعليمية او تلك. أي كم من المرات ذكر اسم المؤسسة التعليمية إياها، في بحوث ودراسات الباحثين الآخرين، الذين استفادوا من الدراسات والبحوث التي أعدت في اتلك المؤسسة التعليمية وعائدة لها. &
خامسا وسادسا، المعيار المحدد لقيمة المؤسسة التعليمية عالميا (5%)، والمعيار المحدد لنسبة الطلبة الأجانب (5%). وهذا المعيار يؤشر الى مقدار ما أحرزته المؤسسة التعليمية من انتباه الطلاب والتدريسيين الأجانب، وهو يتحدد من عدد الطلبة الأجانب في المدرسة المعمارية، وعدد الأساتذة الأجانب فيها ايضاً.&
أظهرت عملية التقييم لسنة 2015 المنصرمة الى فوز "مدرسة العمارة وتخطيط المدن في أم. أي. تي." Massachusetts Institute of Technology (MIT) ، المعروفة بمقارباتها الإبداعية في الجمع ما بين العملية التعليمية والتكنولوجيا وكذلك مع الميديا في الأبحاث العلمية. وفي هذه المدرسة تم تأسيس لأول مرة عام 1980 "مختبر الميديا"، الذي يركز على المشاريع البحثية ويجمعها في نقطة التقاء ما بين الاعلام والتكنولوجيا والمختبر. ومن ضمن خريجي هذه المدرسة نجوم العمارة العالمية، أمثال الفارآلتو، وبكمنستر فولر، ولوي كان، وكنزو تانغا وغيرهم.&
واضافة الى ام. أي. تي، فان ثمة مدرستين معماريتين في جامعتين امريكيتين وهما بيركلي وهارفارد، كانتا من ضمن العشر مدارس معمارية الأوائل في العالم والتي يبدو تسلسلها كالآتي:
1- مدرسة العمارة وتخطيط المدن في أم. أي. تي (أمريكا)، معهد ماساتشوستس التكنولوجي.
2- مدرسة العمارة في جامعة كلية لندن، لندن (بريطانيا) UCL (University College London)
3- جامعة دلفت التكنولوجية، دلفت (هولندا) Delft University of Technology
4- جامعة كاليفورنيا بيركلي (أمريكا) University of California, Berkeley (UCB)
5- جامعة هارفارد (أمريكا)، Harvard University
6- جامعة سنغافورة الوطنية، سنغافورة &National University of Singapore&
7- المعهد الفيديرالي التكنلوجي، زوريخ (سويسرا)، Ð Zurich - Swiss Federal Institute of Technology
8- جامعة تسينغهوا (الصين الشعبية) &Tsinghua University
9- جامعة كمبردج (بريطانيا) University of Cambridge
10- جامعة طوكيو، طوكيو (اليابان) The University of Tokyo
&
من ضمن المدارس المعمارية المئة المصطفاة، ضمن معايير التقييم التي أعدتها المؤسسة التقييمية، فان هناك 24 مدرسة في جامعات اسيوية دخلت في تسلسل القائمة، منها إضافة الى خمس مدارس صينية وثلاث مدارس يابانية، فان هذا التقييم شمل مدارس في سنغافورة، وماليزيا وكوريا الجنوبية وتايلند وتايوان. اما في أستراليا ونيوزيلاندا، فثمة 11 مدرسة أسترالية، ومن ضمن العشرين الأوائل كانت هناك مدارس من جامعات ملبورن وسدني. اما نيوزيلاندا فقد كانت مدرسة العمارة وتخطيط المدن في اوكلاند Auckland &من ضمن تلك المدارس. وفي اوربا هناك 32 مدرسة من جامعات بريطانية لوحدها ضمن قائمة التقييم. والامر المثير، هو عدم دخول مدرسة "الجمعية المعمارية" (أي. أي) AA البريطانية المعروفة، التي تخرجت منها يوما ما زهاء حديد، وكذلك ريم كولهاس، وريجارد روجيرز وغيرهم من نجوم العمارة العالمية. وقد أتت المانيا في المرحلة الثانية في قائمة التقييم من خلال اربع جامعات في برلين وميونخ وآخن وكارلسروه. وكذلك أتت السويد &في الموقع الثالث بواقع ثلاثة مدارس معمارية لثلاث جامعات سويدية.&
اما بخصوص أمريكا الشمالية، فقد كانت الولايات المتحدة أكثر الدول تكرار في جامعاتها التي دخلت تلك القائمة، فبالإضافة الى ام. أي. تي، وبيركلي وهارفارد ثمة 24 مدرسة معمارية كانت من ضمن قائمة التقييم. وتمثلت كندا بأربع جامعات، بضمنها جامعة كولومبيا البريطانية، المشهود لها في برنامج تنظيم الفضاءات المفتوحة.&
وفي أمريكا الجنوبية، وتحديدا البرازيل، فقد دخلت مدرسة سان بأولو للعمارة والتخطيط التي تعتبر من أفضل المدارس في أمريكا اللاتينية، وكذلك مدرسة معمارية في جامعة ريودي جانيرو. وثمة مدرستان من شيلي وهما الجامعة الكاثوليكية في سانتياغو والجامعة الشيلية. وانضمت مدرسة واحدة من كل من الارجنتين والمكسيك الى القائمة.&
ولم تدخل اية مدرسة معمارية عربية ضمن قائمة أفضل مئة مدرسة معمارية في العالم، وهو امر يبعث على الحزن والأسى. فكثير من الجامعات العربية التي تضم مدارس معمارية، كان تأسيسها يسبق بأعوام كثيرة جامعات فتية أخرى في العالم حصلت على ذلك التقييم. والامل المرجو، ان تحتل مدارسنا المعمارية، مستقبلا، مواقع متقدمة في أي تقييم تجريه المؤسسات البحثية المهتمة في هذا المجال، وعسى ان تتحقق تلك الآمال... قريباً.&
&
د. خالد السلطاني معمار وأكاديمي


















التعليقات