إذا كان الشاعر ، وحده ، يملك سر التمرد على قوالب التعبير ؛ فذاك ما يختزنه عصام عيسى رجب في نشيد حزنه الشخصي عن الوطن . فالنشيد الذي يسرد تعب الحزن المتجدد منذ بداية القصيدة بـ(وكلما) هو صراع باطني، يطرد هاجس الكفر الوشيك بالوطن مسنودا بالحنين والذاكرة والآخرين ، وبما يكون كافيا لاستعادة وطن شخصي للشاعر ، وطن حزين لكنه محبوب:
( وكُلْ مَا تِعِبْتَ/ أقُولْ ياخِي سِيِبَكْ/ بِلادْ اللهْ واسْعَةْ).
تسييل الحزن الفائض عن اليأس من الوطن هنا ، لا يتوخى حالة وطنية ، بل هو تسوية شخصية بين الشاعر وضميره ، وربما تعويض عن عجزه الفردي بتمثل واستبدال ملاذ الوطن المستعاد من الصبا والمخيلة عبر صوت النشيد الذي يعيده إلى الوطن :
(يَضِيقْ بَيْ نَشِيدِي / ويَقُولْ لَيْ عِنْدَكْ / دِيْ مَا يَاهَا البِّلَادْ / البَدِيِرْ لَيْهَا / ضَهْرَ القَصِيِدَةْ) .
فالبلاد التي يحبها عشيقها (عشوقا) ولا يقدر على تركها للحظة من لحظات الضم المستمر، لا يمكن أن تكون سببا لهاجس التخلي واليأس في الغربة ؛ إنها فقط وجه القصيدة (لا ظهرها) الذي يواجه به الشاعر حزنه ، فيما سبب الحزن هو لحظة استثناء طويلة لغرباء اغتصبوا الوطن، وتمادوا في اغتصابه :
(عَشُوُقَا البِّرِيِدَا / ومِا بْسِيِبَا ضَمَّةْ /عَشَانْ مَرَّةْ طَيْرَاً / وتَبْ مَا هُو طَيْرِكْ /غِشَاكْ غَفْلَةْ مِنِّكْ / ومِنْ نَّاسْ هَلُمَّةْ)
غشيان الطير الغريب للبلاد في غفلة منها ومن أهلها ، لا يمكن أن يجعل الشاعر يكفر بالوطن ؛ لهذا ينتقل الشاعر بين ضميرين في مقطع واحد (المقطع الثاني) : ضمير النشيد وضمير الشاعر الذي يمتد إلى المقطع الثالث ، لينتقل الضمير من ذات الشاعر إلى البلاد المخاطبة في قوله (وتَبْ مَا هُو طَيْرِكْ) معطوفا عليها أناسها الكثر الطيبين : (ومِنْ نَّاسْ هَلُمَّةْ) الذين يحبون البلاد الحنينة مع الشاعر :
(بِيَحِبُّوُكِ حَدَّ الجُّنُونْ / يَاحَنِيِنَةْ).
إن الحزن الشخصي يبعث شجنا صافيا في تصوير مجاز البلاد ومكانتها في قلب الشاعر ومواطنيه الطيبين كما لو أنها حيازة شخصية حميمة ، لكن ذلك المكان الحميم يسرقه الغرباء أخذا ، أثناء نوم المواطنين :
(بَسْ نَامُوُا عَنِّكْ / وشَالَوكِي أوْلَاد اللَّذِينَ)
إن تعبير " أولاد الذين " (ترخيم محَّرف في العامية السودانية من أبناء الزنى) يكثف خلاصة حسرة وغضب الشاعر كـ" قفلة " يكتمل بها النص لينفث عنه حالة الحزن الخاص على الوطن. في هذا النص القصير لعصام عيسى رجب ، والذي وضع له الفنان السوداني المبدع هشام كمال لحنا شجيا ، تعكس القصيدة والاغنية معا لونية هجينة في التعبير ، أبدع عبرها الفنان هشام كمال في تصميم لحن من وحي النص كحالة ملتبسة للحزن على الوطن بمزاج شخصي جدا . وهو لون لا ينحو إلى الأغنية الوطنية من ناحية ولا إلى الوجدانية من ناحية ثانية ، بل يمزج غناءً فريدا يسمح ببكاء خاص على الوطن.