قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

يتّفق البعض من مؤرخي الآداب العالمية على أن هناك " خيالا خاصّا" بالبريطانيين وحدهم .وهذا الخيال بحسب نظرهم شديد الجموح.وهو يختلف عن الخيال الفرنسي،والخيال الجرماني،والخيال الايطالي والخيال الاسباني.وقد يكون موقع بريطانيا كجزيرة أحد الأسباب التي تفسر هذه الظاهرة.كما أن هذا البلد-أي بريطانيا-كان قد بدأ يتوسّع آنطلاقا من القرن السادس عشر ليهيمن على الهند ،ثم على العديد من البلدان البعيدة ليصبح في القرن التاسع عشر "الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس".وقد يكون الخيال الانجليزي آستفاد كثيرا من هذا التوسع الذي غذّاه بثقافات غريبة .وهذا ما حدث مع الشاعر والروائي الكبير كيبلينغ الذي أمضى الشطر الأكبر من حياته في الهند مستوحيا من أجوائها من أساطيرها اعمالا ابداعية عظيمة أبهرت القراء لا في بريطانيا فحسب ،بل في جميع أنحاء اوروبا .كما أن للطفولة مكانة خاصة عند المبدعين البريطانيين.لذلك دأب كبار الشعراء من امثال ويليام بليك وويليام ووردستوورث وآخرين م على تمجيد الطفولة كرمز للسعادة ،وللحياة الهادئة والمطمئنة على الأرض المدنّسة بالشرور.ويتغذّى الخيال الانجليزي من الفولكلور المحلي.ونحن نلاحظ ذلك في البعض من مسرحيّات شكسبير مثل "ماكبث" التي غذّت خيال الرومانسيين الاوروبيين في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر.وفي مسرحيّة "العاصفة" التي آحتوت على ملخصات لأعمال سابقة ،يقصّ علينا شكسبير قصة "بروسبيرو" و"دوق ميلانو"المفتون بالسحر والسحرة.لذلك يلجأ مع آبنته "ميراندا" بعد أن يخلعه أخوه "أنطونيو" الى جزيرة يسكنها انسان بدائي متوحش يدعى "كاليبان".وفي المسرحية يظهر "جوبيتير"،اله "الأولمب"،،و"سيريس"آلهة الحصاد في الأساطير الروامانية.كما تظهر قصور وحصون مغطاة بالسحب.ويعدّ"الانجيل" مصدرا أساسيّا آخر للخيال الانجليزي.وهذا ما نتبيّنه من خلال "الجنة المفقودة" للشاعر جون ميلتون (1608-1674) التي يحتفظ فيها الحلم بمكانة سامية رغم المرارة والهزيمة.ويعتبر جونثان سويفت(1667-1745)واحدا من أعظم رموز الخيال الانجليزي.ورغم انه ولد في دبلن بايرلندا فإنه فضّل الاقامة في لندن آنطلاقا من عام 1689.وهناك آنتسب الى حزب محافظ .فلمّا آنهار ذلك الحزب عاد الى بلاده عام 1774 ليكتب العديد من المقالات مهاجما من خلالها السياسة البريطانية،محمّلا اياها مسؤولية البؤس الذي تعاني منه ايرلندا .وفي عام 1730 ظهر العمل الأساسي لسويفت حاملا عنوان"رحلات جيلفر" .وقد أثّر هذا العمل الفذّ في العديد من كتاب زمنه،وكتاب الأزمنة اللاحقة.وفي "رحلات جيلفر" نحن نعثر على عجائب وغرائب لا تختلف عن تلك التي تتجلى في "ألف ليلة وليلة"،وفي :أوديسة" هوميروس بالخصوص.ويبرز الخيال الانجليزي على اروع صورة في "أليس في بلاد العجائب"للويس كارول (1832-1898) الذي كان أستاذا للرياضيّات في جامعة "أكسفورد" .وفي كتابه المذكور هو يروي قصّة فتاة تدعى "أليس" تقوم بجولة تعيش خلالها مغامرات غريبة ومدهشة .وهي ترافق أرنبا أبيض يقودها الى بلاد تسكنها مخلوقات عجيبة.وفي أعمال اوسكار وايلد (1854-1900) نحن نجد انفسنا أمام خيال لا حدود لجموحه.وكان هذا الكاتب الذي عاش حياة متقلبة موسومة بالفضائح الأخلاقيّة المتتالية يقول:”أنا فرنسيّ من ناحية العاطفى،وايرلندي من ناحية المولد والنشأة.غير أن البريطانيين حكموا عليّ بأن اتكلم لغة شكسبير".وفي مجمل أعماله هاجم اوسكار وايلد السياسة البريطانية .كما أنتقد بحدة الأرستقرالطية والبورجوازية وكل المؤسّسات البطركية .
ويعدّ دي.هاتش.لورانس(1885-1930) أحد عباقرة الخيال الانجليزي.وفي طفولته تأثر كثيرا بالانجيل وبالتعاليم المسيحية .وبعد وفاة والدته التي كان مترتبطا بها شديد الارتباط ،تعرف على الالمانية فريدافون ريشتهوفن التي كانت تكبره في السن ،ومعها آنطلق عام 1912 ليعيش في اوروبا.وفي روايته "أبناء وعشاق" الصادرة عام 1913 هو يصور لنا بطريفة رائعة عذابات فتى يقع في الحب للمرة الأولى.وأما روايته الثانية "قوس قزح" الصادرة عام 1915 فقد تمّ منعها من قبل الرقابة .وأثارت روايته الأخرى "عشيق الليدي شاترلي" موجة غضب واسعة لدى الأوساط البريطانية المحافظة بآعتيارها "مخلّة بالأخلاق".لكن في ما بعد ستحقق هذه الرواية لصاحيها شهرة عالميّة منقطعة النظير!
وينعكس الخيال "الخاص" بالبريطانيين في مجمل أعمال الروائية الشهيرة فيرجينيا وولف.غير أن الكاتبة الإيرلنديّة كلير كيغان ترى أن القصة التي تضمنتها المجموعة القصصية التي نشرتها عام 1919وهي في السابعة والثلاثين من عمرها ،والتي حملت عنوان:”Kew Gardens “ هي من أجمل وأروع القصص في الأدب الإنجليزي المعاصر.و"كيو غاردينس" هي حديقة النباتات الوجودة في مقاطعة"سوراي"،غرب لندن.وقد جعلتها فيرجينيا وولف مسرحا لأحداث قصتها.وقبل ذلك كانت قد كتبت في مذكراتها بتاريخ 12 مايو-ايار 1919تقول:”الأسوأ في الكتابة هو أننا غالبا ما نكون في حاجة الى المديح.وأنا على يقين أن هذه القصة(تقصد كيو غاردينس)لن تحصل على أي اعجاب.وهذا ما سوف يحزنني قليلا".لكن بعد مرور أسابيع قليلة على ذلك،عادت فريجينيا وولف الى بيتها برفقة زوجها لتجد عند المدخل الكثير من رسائل الإطراء والإعجاب.وفي تعليق لها على القصة .أشارت جريدة"التايمز" في ملحقها الأدبي أن قصة "كيو غاردينس" هي من أفضل القصص التي تضمنتها المجموعة التي حملت نفس العنوان.وتبدأ القصة المذكورة على النحو التالي:”آنطلاقا من الأجمة البيضوية الشكل للأزهار...”وتقول كلير كيغان أن هذه البداية المتميزة للغاية منحت القصة منذ الكلمات الأولى نكهة خاصة.فكما لو أن فيرجينيا وولف آختارت هذه المكان المحدد لكي ترسم لوحة فنية للحديقة من خلال ما كانت ترى،وما كانت تسمع،وما كانت تشمّ،وما كانت تشعر به.وهي تنقلنا من المشاغل البشرية للمتجولين في الحديقة الى عالم سطح الأرض حيث كان هناك حلزون يداعب بقرنيه ورقة نبتة.ثم لا تلبث فيرجينيا وولف أن تعود الى المتجولين من خلال زوجين شابين يتحدثان عن صعوبة الحصول على شاي جيّد.كما أنهما سعيدان بأنهما لم يأتيا الى الحديقة يوم الجمعة لأن في ذلك اليوم يكون ثمن تذكرة الدخول ستة بنسات.وفي القصة فراشات بيضاء تتراقص مشكلة عمودا من المرمر المكسّر.وكل ذلك تصفه فيرجينيا وولف بشكل شاعري بديع.